الملف السياسي:الخوف من تكرار هجمات الارهاب على أميركا على غرار هجمات 11 سبتمبر الماضي اصبح خوفا حقيقيا يستولي على كل من له ضلع في صناعة قرارات السياسة والأمن والاقتصاد في أميركا ـ ذلك ان الكفاءة العالية التي نفذت بها تلك الهجمات أمر مرعب حقاً، واضحى عاملاً يرجح احتمالية تكرار تلك الهجمات بنحو مفاجئ، وربما على أهداف غير متوقعة على الاطلاق. لم يعد المسئولون الأميركيون رغم ما يزعمون من أنهم دمروا معسكرات وكافة مقدرات القاعدة وطالبان يطمئنون الى أن الارهابيين قد اصابهم الفشل أو ان قدراتهم خفضت الى حد بعيد، واصبح كبار الأمنيين والسياسيين يروجون لفرضية ان الارهاب قد دخل بعد 11 سبتمبر الماضي في طور جديد، وان ملاحقته لم تعد يسيرة على الاطلاق، اذ ان منفذي هجمات 11 سبتمبر استطاعوا ان يستفيدوا من تاريخ وتجارب احداث الارهاب بشكل كامل، حيث تفادوا كل الثغرات التي كان من الممكن ان تفسد مخططهم او تكشفه في بعض مراحل تنفيذه. ولقد كان عنصر السرية حاسما في كفل النجاح لتنفيذ «المخطط» وذلك ما ينسف فرضية استخبارية اخرى حول التنظيمات المتطرفة، وسهولة اختراقها ودس العناصر الدخيلة عليها. ولطالما استطاعت الاستخبارات الامريكية والاسرائيلية اختراق القاعدة، وكافة فصائل المجاهدين الافغان، ولكن استعصاء القاعدة الاخير على المخابرات الأميركية. هذا وربما كانت القاعدة تتوقع سلفا ان تكون مخترقة في بعض مفاصلها وبالتالي استخدمت ترياقا معتادا، واحاطت العملية بمزيد من الاحتياطات السرية، حتى قيل ان من اوكل اليهم مهام خطف الطائرات وتفجيرها، لم يعرفوا بتفاصيل المهمة الا قبل ساعات من التنفيذ. دور عناصر الموساد ولقد بلغ من سرية التنفيذ انه لم تبق أي مخلفات دالة على كيفية التخطيط، والتمويل واسماء الاطراف المساعدة على كل ذلك. فبعد ان فحصت اجهزة الاستخبارات الاميركية ملايين الوثائق لم تجد اثرا يذكر وبعد ان استجوبت آلاف الاشخاص لم تجد أي دليل ملموس وبعد ان استعانت بمعظم اجهزة الاستخبارات العالمية لم تجد ايضا اي مخلفات ذات صلة وثيقة بالموضوع، فكأنما كان من قاموا بتلك التفجيرات من الجن، او من اصحاب القدرات الخارقة التي تستعصي على المتابعة وتقصي الآثار. والبعض يقول ـ ولكن بصوت مهموس ـ ان القاعدة كانت مخترقة، وان الجهاز الذي اخترقها هو الذي قام بتحصينها بنوع خاص من السرية، واضفى عليها قدرات ومهارات اضافية في التنفيذ. ان من الصعب القول بأن القاعدة تتحالف مع الموساد، ولكن من السهل ان يقال ان القاعدة تخدم ببعض ممارساتها الموساد وان الموساد تخدمها كذلك والموساد في غالب احوالها لا تصنع الاحداث، ولكن تعمل على توجيه بعضها بما يخدم وجهتها. ومن تحكم الاستخبارات الاسرائيلية على اجهزة التصنت على جميع الهواتف داخل الولايات المتحدة، يمكن الوقل ان بعض مكالمات القاعدة قد انتهت الى اسماع الاستخباريين الاسرائيليين وعرفوا من خلالها بخطورة الحدث القادم «وتاريخيته» ومن ثم ركزوا عليه وعملوا على متابعته وتوجيهه. ولعل ذلك هو سبب ارسال اسرائيل للعشرات من عملاء الموساد والاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ليقيموا بولاية فلوريدا لعدة اسابيع قبل وقوع تلك التفجيرات، وقد سقط معظم العملاء الاستخباريين الاسرائيليين في أيدي السلطات الأميركية وزج حوالي الستين منهم على خلفية التحقيق في بعض نشاطاتهم المشبوهة كالتي شملت عدة محاولات للتسلل بطريق غير مشروع الى بعض القواعد الجوية العسكرية الأميركية. لقد حققت السلطات الأميركية حتى الآن مع نحو مئة وعشرين عنصر استخبارات اسرائيلي، قدم نصفهم تقريبا تحت غطاء خداع حيث انتحلوا لانفسهم صفة طلاب فنون، بينما هم في الحقيقة عناصر استخبارات تابعة للجيش الاسرائيلي. وقد تم التحقيق مع تلك العناصر لمعرفة حقيقة مهمتهم التي اوفدوا لانجازها لصالح اسرائيل في أميركا، وقد جرى الافتراض على أن هؤلاء كانوا مكلفين بمراقبة عناصر القاعدة في أميركا عموما، ومن يدرسون منهم بمدارس الطيران في فلوريدا خصوصا، بدلالة اقامة تلك العناصر الاستخبارية الاسرائيلية بفلوريدا في وقت متزامن مع وجود عناصر القاعدة فيها. ومضى البعض في الافتراض الى خطوة ابعد، بدعوى ان هؤلاء كانوا على علم بمخططات القاعدة التي جرى تنفيذها فعلا في 11 سبتمبر الماضي، ومع ذلك حجبوا تلك المعلومات الأكيدة او الراجحة عن المصادر الأمنية الأميركية. ان هنالك شكوكا قوية في أميركا حول صلة اسرائيل بهجمات 11 سبتمبر الماضي، على الاقل من ناحية العلم بها، وقد أذاعت محطة فوكس التلفازية في 26 فبراير الماضي برنامجا مثيرا عن ذلك، ولكن المحطة اضطرت الى سحب البرنامج حتى من على موقعها في شبكة المعلومات العالمية internet ورفضت طلبا لصحيفة لوموند الفرنسية لكي تزودها بنسخة من شريط ذلك البرنامج بدعوى أنه سيثير ضجة وزوبعة ومشاكل لا داعي لها وقد كان لوبي ايباك قد ضغط على محطة فوكس حتى تراجعت عن بث تلك المعلومات الخطيرة، وزعم زعماء ايباك ان المحطة وقعت فريسة تغذية معلوماتية مضللة تستهدف اثارة الشعور القومي الأميركي على اسرائيل في هذا الموضوع الحساس الخطير. وقد اكتفت فوكس بسحب البرنامج من اطار التداول من غير ان تعتذر عن خطأ فيه، ومن غير ان تبرر للرأي العام الأميركي، سبب اقدامها على بث البرنامج أول الأمر، ثم اضطرارها الى التنصل منه في نهاية الأمر. مذكرة اريزونا هذا التصرف في حجب مجرد برنامج تلفازي عن التداول امر يثير الريبة كثيرا، فاذا لم يكن في البرنامج خطأ ما، فلماذا سحب من التداول؟! واذا كان به بعض الاخطاء فلماذا بث من الأصل؟! هذه هي بعض التساؤلات الحائرة التي قد تقود خطى التحقيق في هذا الموضوع الخطير، موضوع ما اذا كانت المخابرات الاسرائيلية تعرف عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ما لم تكن تعرفه المخابرات الأميركية، وقد تأكد لأعضاء الكونجرس خلال تحقيقاتهم العنيفة الاخيرة مع عملاء وقادة الاستخبارات الأميركية بأنهم لم يكونوا على أدنى علم أو تصور أو تخيل. بما جرى في الحادي عشر من سبتمبر، وان المذكرة التي أثارت الجدل أخيرا والتي كانت قد كتبها عميل الـ FBI من اريزونا كينيث وليامز لم تبن على معلومات تفصيلية وانما على مخاوف شخصية اثارتها بعض المحادثات الخاصة التي كان اجراها مع طلبة طيران في فلوريدا، وقد اعترف وليامز في افادته للكونغرس ان المذكرة التي كتبها لرؤسائه في الـ FBI في يوليو 2001 لم تكن لتغير مجرى الاحداث التي جرت في سبتمبر 2001 وانه لم يكتب عليها اشارة «عاجل» او «عاجل جدا» بل اكتفى بالتأشير على انها مذكرة روتينية بما يعني ان التحقيق فيها قد يستغرق ستين يوما، وقد اكد روبرت ميار رئيس الـ FBI نفس الشيء، وانه لذلك السبب لم يوجه بتبادل المعلومات مع الـ CIA وقال ان تقارير كثيرة كانت تتوارد على اجهزة الاستخبارات الأميركية تحذر من هجوم وشيك للقاعدة، وذلك في زمان كانت الاستخبارات الأميركية مشغولة فيه بما جرى للمدمرة كول على أيدي عناصر القاعدة في اليمن. لقد بدت افادات الرئيس والمرؤوس مقنعة لرجال الكونغرس، ولكن مع ذلك توجهت اصابع الاتهام الى الرئيس بوش نفسه، بما يوحي بأنه كان على علم على نحو ما بمقدمات كارثة سبتمبر، وهو الأمر الذي اثار الرئيس بوش ونائبه تشيني، واعتبره بوش من قبيل الابتزاز السياسي، بينما اعتبره تشيني من قبيل الهجوم العدواني الذي يستهدف تشويه شخصية الرئيس، بتوجيه مثل ذلك الاتهام الفظيع اليه وتصويره بصورة المفرط في مسائل الأمن القومي الأميركي العليا. من يقنع الكونغرس؟ ان الاتهام الذي وجهه بعض اعضاء الكونغرس الى الرئيس بوش بهذا الخصوص هو اتهام لا تسنده أي حيثيات أو قرائن معقولة، ولكن ربما كان الدافع اليه هو احساس صادق عند البعض بأن شخصا ما أو جهة ما كانت تعلم شيئا ما عن التدبيرات التي تمخضت عن أحداث سبتمبر، أو احساس غائم بأن هنالك جهات متنفذة كانت تعلم بمخطط سبتمبر ولا تريد له أن ينكشف، ولذلك عملت على اهمال أي تحذيرات بشأنه، لا سيما التحذير الذي ورد الى رئاسة FBI من ولاية «مينسوتا» وهو اصرح من التحذير الذي ورد سابقا من اريزونا، حيث ذكر تحذير مينسوتا صراحة احتمال ان يقود زكريا الموسوي طائرة من قاعدة الطيران التي يتدرب فيها بمينابولس ليصدم بها احدى برجي مركز التجارة العالمية. كان موسوي قد طلب من ادارة القاعدة ان تعلمه فقط قيادة الطائرة، وان تسمح له بعدم اخذ تمارين عن عمليتي الاقلاع والهبوط، وقد كان ذلك طلبا غريبا اثار فيه الاشتباه، ذلك بالاضافة الى عامل آخر وهو انه قام بدفع تكاليف دراسته مقدما ونقدا، امر غير مألوف ان يحمل الانسان في جيبه في امريكا عدة آلاف من الدولارات ومع توفر تلك الشبهات فقد اكتفت FBI باعتقال الموسوي، من غير ان تطور الموقف للتنبؤ بكامل سيناريو الحدث القادم ومكان تنفيذه بعناصر اخرى غير الموسوي، الذي يعتقد المحققون انه كان العنصر العشرين في عمليات الاختطاف والتفجير. حتى لو تنبأت FBI أو CIA بسيناريو الحدث فان امر احباطه لم يكن سهلا، فاذا لم يكن هناك سجل كامل بالاسماء، ولا معرفة بخطط الاختطاف وتوقيته على وجه الدقة، ذلك بالاضافة الى ضيق الحيز الزمني، اذ ان اخطار اريزونا لم يصل الا في العاشر من يوليو 2001، بينما وصل اخطار مينسوتا في الثالث عشر من اغسطس، وهي ليست بالفترة الكافية لمواصلة البحث في الموضوع الى نهايته لا سيما ان تقريرا مشابها لفت انظار FBI لتحقق مع كل الطلاب العرب الذين يتدربون على قيادة الطائرات في الولايات المتحدة، وهو عبء باهظ لا يمكن ان يتحقق مع توزع جهود الأمنيين على مهام اخرى. ان انتقادات الكونغرس الاخيرة للادارة الأميركية تركزت على عملية فشل الاجهزة الاستخبارية الأميركية في الربط ما بين التقارير المتناثرة لتكوين الصورة الكاملة وبالتالي الاتجاه الى احباط أحداث ارهاب سبتمبر، وهذه انتقادات يسهل توجيهها بعد وقوع الاحداث لأن الصورة اصبحت واضحة بعدها. ولكن لا يسهل على الكونغرس مهما كان الأمر ان يتطرق الى توجيه الاتهام لأجهزة الاستخبارات الخارجية التي كانت محط اتهام بعض أجهزة الاعلام. ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة