انفجر فجأة وفي الشهر التاسع لأحداث 11 سبتمبر، الجدل والنقاش الحاد حول كيفية تعامل ادارة الرئيس جورج دبليو بوش.، مع المعلومات التي وردت اليها قبل هجمات ذلك اليوم المروع في التاريخ الأميركي المعاصر، على نيويورك وواشنطن، عن احتمال وقوع أعمال ارهابية ضد أهداف حيوية داخل الولايات المتحدة، وحول ما اذا كان هناك تقصير أو اهمال أو تراخ ومن المسئول عنه؟ منذ اللحظة التي وقعت فيها انفجارات 11 سبتمبر المشئومة، تم عسكرة المجتمع الأميركي، فغدا كله منهمكا بالحرب ضد الارهاب. وظلت الطبقة المسيطرة في الولايات المتحدة والتي تتكون في معظمها من غلاة اليمين الفاشي، تحافظ على هذا الوضع، غير ان الزمام أفلت منها ظهيرة يوم الأربعاء 15 مايو 2002. بدأت محاكمة الذات في الولايات المتحدة الأميركية، وراحت الأجهزة الأميركية تتبادل الاتهامات بالتقصير فيما بينها، وتقول انه كانت هناك فرصة لمنع ما حدث، أخفق الجميع في اقتناصها، المخابرات المركزية «سي.آي.ايه» والمباحث الفيدرالية «اف.بي.آي» اللتان تخضعان لتحقيق واسع من جانب الكونغرس منذ ثلاثة شهور حول أحداث سبتمبر، اتهمتا الرئيس بوش وادارته بالتقصير. فهناك الآن في واشنطن، عاصفة انتقاد تحاصر البيت الأبيض، تمهد من وجهة نظر كثير من المحللين الى عودة الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية للمرة الأولى منذ انفجارات سبتمبر، مما قد يساعد على كشف أوراق كثيرة وحل ألغاز كان مجرد الاقتراب منها فتحا لبوابة من بوابات الجحيم. الجدل بدأته عبارة واحدة هي ان الرئيس بوش واركان ادارته كانوا يعرفون مسبقا بأن تهديدا ما يحيق بالولايات المتحدة قبل أسابيع طويلة من انفجارات 11 سبتمبر، غير أنهم لم يتحركوا لمواجهة الخطر، وبدأت التفاصيل التي كشف عنها غليان الساحة الأميركية، والتي ظلت في الكتمان ما يزيد على ثمانية أشهر، تترى وتتوالى بسرعة مذهلة. لن يلتفت أحد مثلا الى تقرير أعده باحثون في مكتبة الكونغرس وحذر بوضوح من مهاجمة ارهابيين بطائرات مدنية أبنية حكومية أميركية، وقد تضمن هذا التقرير الصادر في سبتمبر 1999 ما يقرب من سيناريو علمي متخيل لما حصل بعد سنتين في هجمات 11 سبتمبر الانتحارية. وفي يونيو 2001 تم تداول مذكرة سرية مرسلة من عميل لمكتب التحقيقات الفيدرالي، تشير الى صلة قوية بين مجموعة من طلاب الطيران الشرق أوسطيين الذين كلف العميل بمراقبتهم، وبين تنظيم القاعدة، ورد فيها ان ارهابيين ربما يقومون باستغلال مدارس الطيران في التحضير لمخطط ينطوي على اختطاف طائرات أو استخدامها في اسقاط قنابل. بعدها بأيام وفي 28 يونيو كتب جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، تقريرا مختصرا لكونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي، قال فيه بالحرف: «من المحتمل ان تشن شبكة القاعدة هجوما في المستقبل خلال عدة أسابيع» وظل تينيت يردد هذا الكلام على نحو متكرر لدرجة أشعرت البعض بالملل. وفي 6 أغسطس من العام الماضي، تم ابلاغ الرئيس بوش أثناء وجوده في مزرعته بتكساس ان تنظيم القاعدة ربما يخطط لاختطاف طائرات.. الابلاغ تم من خلال تقرير استخباري يومي يرفع للرئيس الأميركي، ونادرا ما يتضمن تهديدا بتلك الأهمية والتحديد.. ولكن بعد ابلاغ الرئيس ما لبث التوتر ان هدأ.. وبدأ التراخي يصيب أوصال حالة التأهب القصوى، لتعود الأمور الى طبيعتها، وكأن كل التحذيرات لم تكن. أما قبل يومين فقط من حدوث الانفجارات، فقد وضع على مكتب الرئيس مرسوم رئاسي أعده مجلس الأمن القومي، وكان بانتظار توقيعه.. تضمن المرسوم خطة حرب مفصلة للقضاء على شبكة القاعدة ويستخدم وسائل متنوعة تتراوح بين الدبلوماسية واستخدام القوة العسكرية. وكانت الى حد كبير هي نفس الخطة التي طبقت عقب الهجمات.. وشملت تمزيق خلايا القاعدة باستخدام عمليات عسكرية سرية، وتجميد حسابات مصرفية، ومطالبة دول أخرى بالتعاون وتبادل معلومات المخابرات. ولعل تكشف هذه المعلومات هو الذي يفسر لماذا ظلت ادارة بوش لأشهر طويلة بعد انفجارات سبتمبر، تضغط في شكل سري على الكونغرس لئلا يفتح تحقيقات في هذا الموضوع، ومن المعروف أنه من اللحظات الأولى لوقوع أحداث سبتمبر، تساءل الجميع في الولايات المتحدة وفي خارجها، أين كانت المخابرات المركزية والمباحث الفيدرالية وثلاث عشرة وكالة أخرى للمخابرات والمعلومات المدنية والعسكرية في الولايات المتحدة مما حدث.. وكان اتهام هذه الأجهزة بالفشل في توقع ما حدث والتحذير منه، الاتهام السائد منذ ذلك الحين وعلى مدى الشهور التسعة الماضية، دون ان يبادر أي من هذه الأجهزة بالرد أو الدفاع في مواجهة هذه الاتهامات. كما لوحظ ان هذه الاتهامات ترددت في الكونغرس، وفي دوائر صناعة القرار الأميركي الأخرى، الا أنها لم تصدر أبدا من البيت الأبيض أو الادارة، هذا مع العلم أنه في أحداث أخرى تعرضت لها الولايات المتحدة، أقل أهمية عشرات المرات من أحداث سبتمبر، تم في أعقابها، معاقبة قيادات أجهزة المخابرات الأميركية واستبعاد بعضها، واعادة النظر في أسلوب عملها، الا ان أحداث سبتمبر على فظاعتها، لم يترتب عليها حتى الآن شئ من ذلك. لقد بقي جورج تينيت في موقعه مديرا لوكالة المخابرات المركزية، وكذلك موللر رئيس مكتب المباحث الفيدرالية دون تغيير، وكذلك بقية قيادات الجهازين، وان كان قد تم اضافة واستحداث أجهزة ومناصب أخرى، مثل منصب وزير الداخلية لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة. ما تكشف من حقائق أصاب حائط السرية الذي تفرضه الادارة الأميركية بانهيار.. فرغم الحرص الذي لا يزال موجودا ويمنع انتقاد بوش في زمن تخوض فيه الولايات المتحدة حربا، الا ان بوش يتعرض حاليا ولأول مرة لانتقادات عنيفة من أعضاء الكونغرس الذين يتهموه بالتخاذل وعدم التحرك فور ابلاغه بمعلومات مؤكدة حول مخاطر ارهابية قبل هجمات 11 سبتمبر، ولأول مرة نسمع صوت سيدة الولايات المتحدة الأولى «لورا بوش» وهي تنبري للدفاع عن زوجها وتعرب عن أسفها لتلاعب بعض الساسة الأميركيين بحثا عن ضحايا هجمات سبتمبر!! ويقول جورج دبليو بوش دفاعا عن نفسه «لو كنت أعرف ان العدو سيستخدم الطائرات لقتل الأميركيين في ذلك الصباح المشئوم، لفعلت كل ما في وسعي لحمايتهم».. فهل يقصد بوش من ذلك أنه كان سيصدر أوامره باغلاق المطارات الأميركية، أو يمنع الطائرات من الاقلاع، أو يحولها الى ثكنات عسكرية محاطة بالآلاف من جنود الحراسة منعا للكارثة، لا أحد يعرف ولا هو نفسه يعرف ماذا يقصد من كلماته الغامضة التي لا معنى لها، ولا تزيد عن هذيان في هذيان وتخبط لا حدود له. وأمام عاصفة الانتقادات، لم يجد البيت الأبيض بدا من الاعتراف بأن الرئيس بوش تلقى بالفعل تحذيرا استخباريا قبل الهجمات، لكن هذه التحذيرات لم تعمم لأن أحدا لم يتخيل امكانية حدوثها بهذه الطريقة التي وقعت بها. ولم يكسر هذا الاعتراف حدة الغضب، فقد انتقد نواب أميركيون عدم ايصال هذه المعلومات الخطيرة لهم وابلاغهم بها بعد ثمانية شهور من الهجمات، وأشار البرلمانيون الى احتمال وجود قصور واضح في صفوف وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، داعين الى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتوضح أسباب عدم التمكن من احباط الهجمات، كما طلب «توماس داشل» زعيم الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ من الرئاسة ان تقدم محضر الاجتماع الذي أبلغ بوش بالتهديدات الى لجنة مشتركة مكلفة بالتحقيق في الهجمات. وطالب السيناتور «ريتشارد جيبهارد» بجلسات علنية يطلع فيها الكونغرس على ما كان يعرفه الرئيس الأميركي وبعض المسئولين، وأخفوه عن الآخرين، وأن عليهم ان يقولوا متى وصلتهم هذه المعلومات وماذا فعلوا ليتجنبوا وقوع الهجمات. والغضب في الكونغرس لم يقتصر على الديمقراطيين الذين يتهمهم البعض باثارة هذا الجدل لاسباب انتخابية، وانما امتد أيضا الى النواب الجمهوريين، فقد انضم «جون ماكين» أحد أقطاب الحزب الجمهوري الى الديمقراطيين داعيا الى تشكيل لجنة تحقيق للاجابة عن التساؤلات التي طرحها الرأي العام. السيناتور الجمهوري «ريتشارد جلبي» وهو نائب رئيس لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ والذي يرأس لجنة من مجلسي الكونغرس للتحقيق في الموضوع، يتخذ نفس الموقف. التساؤلات الجادة التي عمت المجتمع الأميركي وجدت ردود فعل متفاوتة من أقطاب الادارة الأميركية، تراوحت ما بين الاعتراف بالتقصير وما بين ردود متشنجة تلقي بالاتهامات جزافا على الآخرين. فقد اعترف «روبرت موللر» مدير مكتب المباحث الفيدرالية بالتقصير أمام احدى لجان الكونغرس، وقال أنه كان يتمنى لو ان مكتب التحقيقات كان أكثر جدية ويقظة في متابعة المعلومات التي حصل عليها. أما «كونداليزا رايس» فقد هونت من شأن المعلومات قائلة انه كان تقريرا من صفحة ونصف ولم يتضمن الا اشارتين لخطف طائرات، ودافع «دونالد رامسفيلد» وزير الدفاع عن نفسه بقوله ان الارهابيين يمكن ان يضربوا في أي وقت وفي أي مكان مستخدمين وسائل مختلفة، ومن غير الممكن عمليا الدفاع عن كل الجبهات في الوقت نفسه. ولكن «ديك تشيني» نائب الرئيس كان الأكثر تشنجا وديماجوجية، فقد وصف الانتقادات بأنها تفتقر الى الاحساس بالمسئولية، ولا تليق بقادة وطنيين في زمن الحرب، ولجأ تشيني الى تخويف الأميركيين من جديد باعتبارهم شعبا لا يستطيع جمعه سوى الخوف من «خطر شيطاني مجهول» فقال ان الولايات المتحدة تواجه خطر وقوع هجوم جديد أسوأ من هجوم 11 سبتمبر.. وأن التحقيق الذي يجريه الكونغرس يجب تناوله بحذر بالغ، فتحقيق من هذا النوع يجب ألا يتعارض مع الجهود الجارية لمنع الهجوم التالي!!، لأنه ما من شك في وجود خطر حقيقي لهجوم ربما يكون أشد تدميرا، أما أغرب ما قيل ويوضح ان ادارة بوش فقدت صوابها فهو ما قاله فلايتشر المتحدث باسم البيت الأبيض، فقد ادعى ان التحذير الذي تلقاه الرئيس تم نقله الى الأجهزة الفيدرالية، ولكن هذه الأجهزة لم تعمم التحذير. سوف تظل حقيقة ما حدث في 11 سبتمبر غائبة لفترة طويلة الى ان يفرج عن وثائقها وأسرارها، وسوف يجيئ بدون شك يوم الاعلان عن حقيقة هذه الأحداث التي ضربت قلب الولايات المتحدة في مقتل وغيرت العالم كله، وتحولت على أثرها الى ديكتاتور يحكم العالم بقبضة من حديد، ورفعت شعار «من ليس معنا.. فهو ضدنا» وعلى هذا الأساس الذي يخلو من أي منطق، ترسم القوة العظمى الوحيدة في العالم سياساتها وتحدد اتجاهاتها. ولا جدال ان هناك تخبطا حقيقيا في المعلومات ذات الصلة بأحداث 11 سبتمبر، وهو ما يثير تساؤلات كثيرة تبحث عن اجابة، وسيظل المواطن الأميركي في انتظار معرفة الحقيقة. ويبدو ان ادارة بوش وجدت نفسها محشورة في الزاوية، فحالة الطوارئ التي فرضتها الادارة الأميركية ليست على الداخل الأميركي فقط، وانما على العالم كله، بدأت تتبدد.. مما يبشر بتكشف الحقائق وفك الألغاز التي أحاطت بالموضوع منذ لحظة وقوع الانفجارات. لقد تعرضت واشنطن بعد تكشف التحذيرات التي سبقت 11 سبتمبر، لهزة أرضية تشير معظم الدلائل الى أنها قد تتحول الى زلزال، وبينما لا يمكن التكهن بمدى عنف هذا الزلزال، فانه من المؤكد أنه لن يمر دون ان تكون له آثار عميقة على ادارة الرئيس بوش. وربما صمدت حجج بوش والمتعصبين له من الحزب الجمهوري قليلا، لكنها حتما لن تصمد للنهاية، الا اذا نجحت ادارة بوش في اختلاق خطر جديد، كما حدث مع بداية الحرب في أفغانستان عندما تم اختلاق قصة رسائل الجمرة الخبيثة، التي اتضح فيما بعد أنها كانت محاولة فاشلة لاستمرار بث الرعب في أوصال المجتمع الأميركي، والمحافظة على احتشاده وراء الهوس الذي تم اصطناعه لتحقيق أهداف استراتيجية لا علاقة لها بمكافحة الارهاب، بل بالعمل على بسط الهيمنة الأميركية على العالم. ان الادارة الأميركية بأجهزتها الأمنية والسياسية تعرف جيدا أسباب الارهاب وتتعامى عن معرفتها. ان الشعب الأميركي وممثليه في مجلسي الكونغرس بممارسته لحقه في مساءلة السلطة التنفيذية ومساءلة أعلى رأس فيها، انما يمثل ويجسد أفضل تقاليد المجتمع الأميركي تقاليد الحرية، والديمقراطية، وحق المعرفة، وحقوق الانسان، وأن الرئيس في خدمة المواطن العادي الذي له الحق المطلق في ادخاله أو اخراجه من البيت الأبيض، وأن هذا التقليد تجده السلطة ثقيلا عليها في بعض الأحيان. وتتمنى لو أخرسته، فهل تنجح؟ ـ كاتب مصري