الملف السياسي: بعد اكثر من 8 اشهر من وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر الارهابية في اميركا، بدأت تتكشف وقائع داخل البيت الاميركي نفسه، هي بمثابة فضائح تمس قدرات الادارة الاميركية وعلى رأسها الرئيس جورج بوش وخاصة الاجهزة الامنية الحساسة، كالمباحث الفيدرالية، في مدى تقييم المعلومات التي تمس امن اميركا، والتصرف الفعال حيالها لحماية الشعب الاميركي، في ظل اوضاع دولية عالمية ترفع فيها اميركا راية القوة الواحدة الحامية للعالم والمحركة لكافة القرارات، بينما اظهرت عجزها التام في التعامل مع المعلومات التي كان تشير الى امكانية وقوع هذه الاحداث الارهابية وقبل اسابيع طويلة من وقوعها، وفشلت في منع وقوع الكارثة التي تحمل اميركا الآن العالم خاصة الاسلامي مسئولية ما حدث لها، وتشن لاجله الانتقام حربا حالية وحروبا قادمة، يصعب التكهن بتبعاتها وتطوراتها، ورغم الفضائح التي تفجرت والتي تشير الى القصور السياسي والامني الاميركي بوضوح، إلا ان المراقبين السياسيين لشئون الامن في اوروبا يؤكدون ان هناك حقائق اخطر مما تكشفت وان الايام المقبلة ستكشف المزيد منها. حول تصاعد حملة الاتهامات ضد بوش بالتقصير في التعامل مع ما بلغه من معلومات احداث سبتمبر قبل وقوعها وتقصير جهاز المباحث الفيدرالية والاستخبارات المركزية الاميركية اجرى «الملف السياسي» الحوار التالي مع «روبيرت فيربييك» الخبير الهولندي في شئون الامن والدفاع القومي: تاليا نص الحوار: ـ كيف يمكن لكم تقييم ما تكشف من حقائق حول احداث سبتمبر ووصول تحذيرات الى بوش حول هذه الاحداث قبل وقوعها؟ ـ يجب التأكيد أولا وبصفة شخصية ان ما حدث خطأ امني جسيم يجب ان يحاسب عليه كل من كانت له صلة به ولا يكفي في هذا الاطار كشف المعلومات وتبادل الاتهامات، واقتصار الامر على توصيفها بأنها مدفوعة باهداف سياسية او عدمه، فالواقع الذي يفرضه الامن القومي لاي بلد في العالم هو ضرورة وسرعة تعامل المسئولين في اجهزة الدولة وعلى رأسهم الحاكم بالطبع مع اي معلومات تصلهم تمس هذا الامن، والتعامل معها بجدية واتخاذ كافة الاحتياطات الامنية للحيلولة دون وقوع التهديدات او الاحداث الذي تمس امن وحياة المجتمع، فدور اجهزة الدولة خاصة في القطاع الامني هو الوقاية بالدرجة الاولى وليس العلاج فقط بعد حدوث الكوارث. وقد تحدث في هذه الاجهزة هفوات بين حين وآخر ولكن لا يجب ان لا تكون جسيمة على هذا النحو الذي وقع بأمريكا فمن الواضح وفقا لما تكشف من فضائح ان عناصر وعملاء للمخابرات الاميركية تابعين لبلدان اجنبية خارج اميركا قد ابلغوا جورج بوش ببعض التحذيرات بامكانية حدوث عمليات اختطاف الطائرات الاميركية كما ان الحقائق تؤكد ان «زكريا موسوي» المتهم رقم 20 في التدبير لاختطاف الطائرات الاميركية المحبوس قيد التحقيق الآن بامريكا قد دارت حوله شبهات ابان تلقيه دورة تدريب على الطيران وان موسوي الذي من اصل مغربي وحامل للجنسية الفرنسية كان يهتم أبان دروسه بعمليات الطيران ولا يلقى اهتماما لعملية الهبوط، وان شبهات دارت حوله، وتم التحقيق معه قبل 3 اسابيع من وقوع احداث سبتمبر، واعد من حقق معه تقريراً رفعه الى مدير المباحث الفيدرالية واشار فيه الى ان موسوي قد يكون يخطط لاختطاف طائرات واختراق لمبنى مركز التجارة العالمي الاميركي. بل واكثر من ذلك كانت هناك معلومات يمكن ان يحتويها الكمبيوتر الشخصي لموسوي ولكن رفض رئيس المباحث الفيدرالية ان يتم فحص محتويات هذا الكمبيوتر، ورغم ان التقرير الذي اعده المحقق انما يدخل في اطار المبالغة والمخاوف المتزايدة من قبل المحقق، وهذا يضع مسئولية جسيمة على كتف رئيس المباحث الفيدرالية وهو المطلوب الآن للادلاء بالشهادة حول هذه الفضيحة في تحقيقات موسوي. القضية اذن ليست قضية من سيدفع ثمن خطأ جسيم وقع، لكن القضية هي الخلل الواضح في الجهاز الامني كله بامريكا وعدم القدرة الاستيعابية على المعلومات الخطيرة والتعامل معها بجدية والسير وراء خطوطها وهذا يدفعنا بكل ثقة للقول بأنه على امريكا ان تعيد النظر في هيكله وتفعيل هذه الاجهزة الامنية من جديدة، وان تتبع اساليب اكثر تطوراً بعيداً عن النسق التقليدي من تحقيقات المكاتب والخضوع للتقديرات الشخصية للمعلومات، بل تحليل هذه المعلومات للتوصل الى مدى ما تحمله من خفايا. ما حدث امر خطير وجلل ويجب ان يدفع ثمنه الآن كل من كانوا متواجدين على رأس هذه الاجهزة ويجب ان يطول العقاب ايضا جورج بوش نفسه، فكما يحمّل هو الآن العالم مسئولية ما حدث لبلاده من ارهاب، عليه ان يتحمل هو ايضا مسئولية ما وقع لبلاده لانه مسئول بالدرجة الاولى، فهو لم يتعامل مع المعلومات التي بلغته بجدية ومسئولية بوصفه رئيس اكبر دولة في العالم وايضا مستهدفة نظراً لسياستها الخارجية التي باتت لاتجد قبولا لدى العديد من الشعوب والحكومات ايضاً. ـ تطرح بعض الآراء تصوراً بأن سبب تفجر الاتهامات ضد بوش بالتقصير هو غضب سياسي من الديمقراطيين داخل الكونغرس على بوش، وان الامر في تكييفه صراع سياسي بحت، ما رأيكم بذلك؟ ـ قد يكون لهذا التصور جانب من الواقع، بهدف اخضاع بوش لمطالب الديمقراطييين من جهة واستخدام هذه الورقة في انتخابات الكونغرس المقبلة لصالح الديمقراطيين، ولايمكن انكار دور هذا الجانب السياسي وتأثيره في تفجير القضية في هذا الوقت، اذ من المؤكد ان المعلومات والفضيحة كانت معروفة قبل الآن، ولكن تم ارجاؤها لتتفجر الآن في ظروف سياسية مواتية للديمقراطيين لكن يجب ألا نعلق شماعة الخطأ الامني على ذلك التصور السياسي فالخطأ قد وقع بالفعل من بوش والاجهزة الامنية المهمة والشعب الاميركي دفع ثمن هذا الخطأ كما يدفعه الآن العالم كله، ليس مرة واحدة، بل مرات فالاحداث الارهابية تتسبب في: ـ مقتل الآلاف من الاميركان. ـ تدمير بنايات مهمة تمثل رموزاً سياسية واقتصادية لأميركا. ـ جرت اميركا الى حرب هي الاولى من نوعها في التاريخ الحديث لاميركا. ـ تكبد الشعب الاميركي مزيداً من الاعباء في وقت تعاني فيه اميركا ذاتها من وعكة اقتصادية. ـ تسبب في استعداء دول اسلامية وعربية على السياسة الاميركية بسبب هذه الحرب المسماة «الحرب على الارهاب». ـ اصبح هناك غموض في الرؤية والتوجهات السياسية الاميركية حول حروب اخرى قادمة في وقت يبحث فيه العالم عن السلام. ـ غيرت الاحداث الارهابية من تركيبة التفكير الاميركي واثرت على نسيجه الاجتماعي والذي كان يشهد له بالتعايش بين الاميركان والمسلمين والعرب في سلام، فتغيرت هذه النظرة واصبح هناك صراع داخلي في المجتمع الاميركي بين هذه العناصر. ـ غيرت الاحداث من شرعية القوانين الاميركية الداخلية، وجعلتها تتعامل مع قوانين عسكرية وتفرض سياسة البودي جارد القانوني، الذي يشكل القوانين كيفما يشاء دون رعاية لحقوق الانسان أو العدالة الدولية تحت زعم قوانين استثنائية لمعاقبة عناصر الارهاب. ـ اثرت الاحداث على تشكيل السياسة الخارجية الاميركية الخارجية، واصبحت تميل الى افتقاد الحياد المطلوب منها كقوة يعتد بها في العالم مفترض انها تحمل مسئولية حماية الشعوب الضعيفة لا الضغط عليها وقهرها. وكل ما سبق افقد اميركا الكثير من الاوراق التي كان يمكن ان تتلاشى خسارتها لو لم تقع هذه الاحداث، فلا يمكن انكار ان السياسة الاميركية تغيرت كثيراً بعد احداث سبتمبر في الداخل والخارج، واصابة الادارة الاميركية بعقدة اسمها «ارهاب الحادي عشر من سبتمبر». ـ وما هي توقعاتكم حول مصير هذه الفضيحة ومصير المسئولين عنها والمتهمين بالتقصير؟ ـ لا اقول تصورا بل اطرح مطالب يجب ان تتم وينبغي ان يسعى الشعب الاميركي ممثلا في الكونغرس لتنفيذها وتتمثل في معاقبة المتورطين بالتقصير في هذا الملف، وعدم التوقف عند ما تم فضحه، من حقائق فكل المعطيات تشير لدى وعند العديد من المتخصصين في مجالات الامن وخبرائه ان هناك حقائق واسراراً اخرى عديدة لم تتكشف بعد في احداث سبتمبر، وان هناك اطرافاً متورطة ليس بالتقصير في التعامل بالمعلومات، بل مقصره بالصمت والتواطؤ واتصور ان هذا ما ستكشف عنه المرحلة المقبلة فالمؤشرات تشير الى امكانية تورط عناصر امنية اميركية في هذه الفضيحة، ولا استبعد ان يكون قد تم اخذ ثمن هذا التورط ملايين الدولارات، فلا تزال هناك نقاط غموض مريبة تحيط جهاز الاستخبارات الاميركي المشهود له بالقوة، فالحادث يؤكد على ثغرات امنية وثغرات في الثقة وشكوك تحيط هذا الجهاز الآن، والشكوك المريبة لا تحبط اداء الجهاز الاستخباراتي في تصوري بقدر ما تحبط نزاهة بعض من عناصره، فاحداث 11 سبتمبر كان يمكن ان نصدق حدوثها لو في بلد آخر افريقي، ما من دول العالم الثالث التي تفتقد للتقنية والخبرة التي يتمتع بها جهاز المخابرات الاميركي، اما ان تحدث في اميركا فهذا امر مشكوك فيه ليس من منطلق خلل الاداء فقط كما سبق الاشارة بل خلل في الثقة ايضا وعلى التحقيقات ان تسير في هذا الاطار ايضا بأميركا