الملف السياسي: هنالك مسألتان ينبغي أن لا تغيبا عن أحد. أولا: الحقيقة الوحيدة التي ينبغي مناقشتها والبحث عنها تكمن في السؤال الواضح والصريح التالي: من الذي خطط ونفذ عمليات الحادي عشر من سبتمبر ضد نيويورك وواشنطن؟ الشيء المؤكد الوحيد الذي وضعته الحكومتان الأميركية ، والبريطانية أمام العالم في هذا الشأن هو انهما لحد اليوم لم تقدما دليلا واحدا يثبت تورط تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن في التخطيط لهذه العملية وتنفيذها. كل ما يدور من سجال سياسي وهستيريا إعلامية في الولايات المتحدة حاليا حول عدم انتباه أو تجاهل الإدارة الأميركية تحركات تنظيم القاعدة قبل تاريخ الهجمات وتجاهل المخابرات الأميركية التحذيرات يبقى ذرا للرماد في العيون حتى لا تنظر إلى النقطة الأساسية المطروحة في السؤال أعلاه. مشكلة النقاش الدائر حاليا في واشنطن حتى وان سلمنا جدلا بأنه محاولة نزيهة لمعرفة الحقيقة لا يزال يدور في مدار ممنوع أن يخرج أي شخص عنه وهو مسؤولية مجموعة من «العرب الإرهابيين» عما حدث. وكما يكرر العديد من المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين ـ مثل جيمس وولزي رئيس المخابرات الأميركية السابق ومخترع نظرية لقاء محمد عطا بدبلوماسيين عراقيين في براغ قبل الهجمات ويطالب بقصف العراق منذ مساء 11 سبتمبرـ فإنه ليس المهم وجود دليل على تورط أية جهة أو دولة في عمل إرهابي بل ما تقرر الولايات المتحدة أن تفعله بتلك الجهة أو الدولة كما هي الحال مع العراق حيث تقول الإدارة الأميركية أنها لا يهمها قبول العراق بعودة مفتشي الأسلحة أم لا، المهم أن الإمبراطورية قد حزمت أمرها بضرب العراق. وهذا ما يسمى في الثقافة النازية «ارادة القوة». الحزب الديمقراطي وزعماؤه في الكونجرس توم داشل وريتشارد غيبهارت، (باستثناء عضو الكونجرس النائبة الديمقراطية سينثيا ماكيني التي كان في مطالبتها بإجراء تحقيق في أسباب فشل المؤسسات المخابراتية الأميركية في توقع ووقف الهجمات نوع من المصداقية) وجدوا في تسرب أخبار «التحذيرات» فرصة مناسبة لإطلاق حملة انتخابات الخريف المقبل، كما انهم لا يستطيعون الوقوف صامتين مؤيدين لإدارة بوش في كل سياساتها في الوقت الذي يطالب فيه الإعلام والرأي العام بتفسيرات وأجوبة. عدا ذلك يبدو ان معظم الذين ينددون ببوش وإدارته وأجهزة المخابرات والأمن الأميركية لديهم أغراض أخرى غير كشف الحقيقة... فعلى سبيل المثال السيناتوران جو ليبرمان وجون ماكين اللذان يعتبران الرئيس جورج بوش لينا في حربه ضد الإرهاب وأصبحا أكثر تشددا من بوش نفسه يقودان حملة المطالبة بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الأمر. كما أن اللوبي الصهيوني واليمين المسيحي المتطرف ووسائل الإعلام الخاضعة لهما لربما يساورهم الشك في أن الرئيس بوش ليس جنونيا بما فيه الكفاية في حربه ضد الإرهاب وقد تكون تلك وسيلة لابتزازه وإجباره على تقديم المزيد من التنازلات والدعم لحكومة شارون وإظهار المزيد من العداء للدول والشعوب المسلمة. وقد كشفت مجلة إنسايت المرتبطة بصحيفة واشنطن تايمز عن هذا التوجه حينما وجهت هجوما لاذعا ضد رئيس المخابرات الحالي جورج تينيت وطالبت يوم 19 مايو بإعادة جيمس وولزي إلى منصبه رئيسا للمخابرات المركزية. ثانيا، وهي النقطة الأخطر: حالة الهستيريا حول هجمات إرهابية «إسلامية» وشيكة والتي خلقتها إدارة بوش كرد فعل على اتهامات التقصير الموجهة ضدها. ففي يوم واحد ظهر وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائب الرئيس ديك تشيني ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت موللر وأعلنوا أمام وسائل الإعلام الأميركية أن المخابرات الأميركية لديها معلومات مؤكدة بأن منظمة القاعدة أو جماعات متعاطفة معها تخطط لشن هجمات إرهابية ضد أهداف مدنية داخل أميركا وأن هذه الهجمات ضد دور سكنية أو أسواق أو بنوك وغيرها أصبحت وشيكة وأن السلطات الأمنية لن تتمكن من إيقافها وأنها ستكون أقوى وأشد من هجمات 11 سبتمبر. هذا النوع من التصريحات غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة خاصة وأنها تترك المواطن الأميركي يواجه مصيره لوحده بالقول أن أجهزة المخابرات والأمن الأميركية بكل هيبتها وعظمتها لن تتمكن من حمايته. هذه التصريحات تحتمل تفسيرين. أولهما تحويل الانتباه عن الضغوطات التي تمارس ضد الإدارة بسبب تقصيرها وإعطاء الشعب الأميركي جرعة جديدة من الرعب المختلط بالتأهب لمواجهة الخطر الخارجي والتضامن مع الحكومة. وثانيهما إثبات أن التحذيرات التي تتلقاها أجهزة المخابرات والحكومة الأميركية قد لا تجدي نفعا أمام هجمات إرهابية ينفذها إرهابيون «خارقون للعادة»، وبذلك يصبح قبول التقصير المخابراتي في العملية السابقة مستساغا ومقبولا. النقطة التي نسيها المسئولون الأميركيون في خضم لعبة جر الحبل السخيفة هذه هي العامل الإسرائيلي الذي قد يحول هذه التهديدات الفارغة إلى فعل جهنمي. يجب أن لا ننسى أن أول من افتتح هذه التهديدات باحتمال شن عمليات «انتحارية» من نوع العمليات الفلسطينية في إسرائيل ضد منشآت مدنية أميركية مثل البنوك والأسواق والمطاعم وغيرها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو، وذلك في جولته الأخيرة في الولايات المتحدة لحشد المزيد من الدعم لجرائم الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ولتحسين صورتها التي تلطخت بالدم بعد المجازر الأخيرة. ويعتبر العديدون من المحللين ذوي العقول والعيون المتفتحة أن ما قاله نتانياهو ليس مجرد «تحذير» بل «تهديد». بعد ذلك التهديد بأسبوعين ألقت الشرطة الأميركية القبض على إسرائيليين في شاحنة مؤجرة مسرعة قرب قاعدة للبحرية الأميركية في أوك هاربر ولاية واشنطن في السابع من مايو. واكتشفت الكلاب البوليسية المدربة على اقتفاء اثر المتفجرات آثار مواد متفجرة من نوع تي ان تي وآر دي اكس على ملابس أحد الإسرائيليين وعلى مقود الشاحنة. كما تم إلقاء القبض على عدة إسرائيليين في حالات مشابهة في ولايات أخرى. هذا التقرير الذي أذاعته شبكة فوكس التلفزيونية يوم 13 مايو وحتى صحيفة هاآريتس الإسرائيلية يوم 14 مايو لم يلق أي اهتمام من قبل وسائل الإعلام الأخرى التي تكيل التهم للإدارة الأميركية بعدم أخذ التهديدات الإرهابية على محمل الجد. ويجب أن لا يغيب عن الذهن التقارير المؤكدة السابقة باعتقال عدد كبير من الإسرائيليين قبل وبعد 11 سبتمبر واتهامهم بالتجسس على المنشآت الأمنية والعسكرية الأميركية لصالح الموساد الإسرائيلي وما قيل عن معرفتهم المسبقة بتلك الهجمات أو على الأقل معرفتهم بالذين اتهموا بتنفيذ الهجمات. لكن هذه التقارير أيضا أسدل الستار الحديدي عليها ولم يعد أحد في واشنطن يتحدث عنها. إن ما يعنيه هذا هو أن للإسرائيليين القدرة والحصانة الأمنية لتنفيذ أعمال إرهابية كبيرة ضد الأميركيين على أرض الولايات المتحدة وربما خارجها أيضا وتمويهها باعتبارها عمليات إرهابية «عربية وإسلامية». بعد كل غسل الدماغ الذي حصل ويحصل للمواطن الأميركي وحتى أعضاء الكونجرس الأميركي عن قدرات القاعدة والجماعات «الإرهابية» المسلمة والعربية، بحيث إذا وقع أي هجوم إرهابي في الولايات المتحدة فلن يفكر أي أميركي بغير العرب والمسلمين باعتبارهم منفذي الهجوم ولن يمر ببال أحد منهم أن تكون هناك يد إسرائيلية أو أميركية داخلية في الأمر. فإذا تمكن الإسرائيليون أو أية جهة أخرى معادية للعرب والمسلمين من تنفيذ مجموعة من التفجيرات ذات الطابع الوحشي والمرعب داخل الولايات المتحدة فإن النتيجة المباشرة لذلك ستكون وضع أميركا الشمالية كلها تحت سلطة «القيادة العسكرية الشمالية» المقترحة حاليا وتلاقي معارضة بسبب خرقها للدستور الأميركي لأنها تعني وضع الولايات المتحدة الأميركية تحت الحكم العسكري وتهميش دور الرئيس والكونجرس، وستتمكن الدوائر التي تريد إعادة تنشيط وتوسيع «الحرب العالمية ضد الإرهاب» من إجبار الرئيس الأميركي على ضرب الدول العربية والمسلمة الموجودة على قائمة الإرهاب، وسيتمكن الإسرائيليون من جناح نتانياهو في حكومة الليكود من تنفيذ خطتهم بتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية للأردن دون اعتراض، خاصة إذا تم تلبيس تلك الهجمات الإرهابية المفترضة «بجماعات فلسطينية متحالفة مع القاعدة». لهذه الأسباب فإن الضجة الأخيرة حول تراخي إدارة بوش في تفادي هجمات 11 سبتمبر والمطالبة بالتحقيق في تلك الأحداث إذا لم تحاول طرح الأسئلة التالية على الطاولة: ما هي الأدلة على تورط تنظيم القاعدة في أحداث 11 سبتمبر؟ ما هي الجهات التي لديها القدرة اللوجستية والمخابراتية والتقنية على تنفيذ مثل هذه الهجمات؟ ما هي أسباب فشل الأجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية في اكتشاف تلك الهجمات أو محاولة إيقافها قبل الحادي عشر من سبتمبر أو بعد اصطدام الطائرة الأولى بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي؟ فإن علينا أن نعرف ان تلك مجرد محاولة زائفة. في هذه الأثناء وكمحاولة لحماية الأمن القومي العربي والإسلامي يجب أن تثير وسائل الإعلام العربية والإسلامية وحتى حكوماتها ضجة كبرى حول هذه الأمور قبل الرابع من يوليو المقبل موعد التفجيرات «الموعودة» القادمة حسب صحيفتي واشنطن تايمز ونيويورك بوست وهما من وسائل نشر الدعاية التضليلية الإسرائيلية. وقد ذكرت هاتان الصحيفتان في 13 مايو أن «معلومات استخباراتية» زودها أبو زبيدة القيادي في القاعدة الذي اعتقل في باكستان تفيد بأن القاعدة تخطط لهجمات على المفاعلات النووية الأميركية وأيضا على البنوك والأسواق المركزية والمطاعم في شمال شرق الولايات المتحدة في الرابع من يوليو الذي يوافق عيد استقلال الجمهورية الأميركية. ـ كاتب عراقي مقيم في السويد