وسط دوي طبول ما تسميه الولايات المتحدة بالحرب على الإرهاب وبينما شعبية الرئيس بوش في ذروتها إندلعت فجأة شرارات صغيرة ، لم تلبث أن بدأت تتسع بسرعة لافتة للنظر، منذرة بإشعال نيران فضيحة سياسية كبرى يمكن أن تمثل تهديدا خطيرا لمستقبل بوش والإدارة الجمهورية الحالية، وأخذت تنهال على الرئيس وأجهزة الأمن الأمريكي، وفي مقدمتها وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، الاتهامات بالتقصير الفادح في التعامل مع تحذيرات عديدة كان من شأن أخذها بجدية كافية أن يمنع وقوع كارثة الثلاثاء الأسود الحادي عشر من سبتمبر الماضي ، التي هزت أمريكا والعالم بأسره. حملة الانتقادات المتزايدة الحدة والاتساع في أجهزة الإعلام الأمريكية دعت كثيرا من المراقبين إلى الحديث عن (انقلاب الإعلام الأمريكي على الرئيس بوش وإدارته). وكما يحدث عادة في الولايات المتحدة فإن المعركة سرعان ما امتدت من الاعلام إلى الكونغرس الذي يشهد قرب نهاية العام معركة التجديد النصفي لعضويته وبالتالي فإن الجدال المحتدم حول تقصير الإدارة الجمهورية لا يمكن أن يخلو من أبعاد انتخابية من جانب الديمقراطيين الذين يصرون على توسيع نطاق التحقيق ، وتشكيل لجنة مستقلة للقيام به بينما يحاول الجمهوريون حصر نطاق التحقيق في لجان الأمن والمخابرات بالكونغرس ويصورون محاولات توسيع التحقيق كما لو كانت شقا للجبهة الداخلية في وقت الحرب(!!) لن يستفيد منه سوى الإرهاب(!!) مستخدمين تعبيرات أشبه بتلك التي تستخدمها السلطات الحاكمة في العالم الثالث في مواجهة المعارضة. الأسئلة الغائبة وإذن فإن محور الجدال المحتدم في الولايات المتحدة الآن هو قضية تقصير الإدارة من عدمه في التعامل مع تحذيرات عديدة يفترض أنها كانت تشير إلى إمكانية وقوع هجمات 11 سبتمبر وكان من شأن التعامل معها بجدية ومسئولية وكفاءة وفي الوقت المناسب أن يمنع وقوع الكارثة وتتفرع من هذه القضية الرئيسية أسئلة أخرى كثيرة حول مدى كفاءة أجهزة الأمن والمخابرات الأمريكية والقائمين عليها ، وآليات عملها والتنسيق فيما بينها من جهة ، وبينها وبين القيادة العليا في البيت الأبيض والإدارة من جهة أخرى ، وهل تستحق هذه الأجهزة عشرات المليارات من الدولارات التي تتفوق عليها ؟ وتلك المليارات الأخرى المقترح إضافتها إلى ميزانياتها ؟ وغير ذلك من الأسئلة التي يجري طرحها وتدور في الإطار نفسه. ورأينا أن هناك خللا منهجيا قاتلا في هذه الطريقة في مناقشة ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر وبالتحديد في جعل قضية (التقصير) أو عدمه محور الاهتمام الأساسي لمناقشة تلك الكارثة وهو ما نجح الاعلام الأمريكي في فرضه على الاهتمام العام في العالم بأسره خلال الأيام والأسابيع الأخيرة. إن تركيز الاهتمام على قضية (التقصير) ـ بالرغم من أهمية المسألة ينطلق من افتراض التسليم بأن تنظيم (القاعدة) بقيادة أسامه بن لادن هو المسئول عن أحداث 11 سبتمبر، وهذا أمر لم تتم البرهنة عليه بصورة قاطعة حتى الآن!! وهذه هي النقطة الأساسية التي نجحت آلة الاعلام الأمريكية الجبارة في إسدال أستار كثيفة من التعتيم عليها، وفرض إدعاءاتها بشأنها على الاعلام العالمي ، والرأي العام في العالم بأسره. والحال أنه بدون إثبات هذه الفرضية الأساسية بصورة قاطعة ، فإن كل البناء القائم عليها يكون بناء على الرمال.. ولا ينبغي أبدا نسيان هذه الحقيقة الجوهرية لأية مناقشة منطقية لكل ما يشهده العالم من أحداث جسام منذ 11 سبتمبر 2001 حتى الآن. من المسئول عن جريمة الثلاثاء الأسود ؟؟ هذا هو السؤال - المفتاح. وقد سارع الاعلام الامريكي منذ اللحظات الأولى ، وقبل أي تحقيق من أي نوع باتهام (الإرهاب الإسلامي) وبعد دقائق قليلة من الهجوم على مركز التجارة العالمي كانت الـ CNN تتهم منظمة إسلامية فلسطينية ثم جزائرية ، ثم فلسطينية مرة أخرى بالمسئولية عن الهجوم!! (راجع مقالنا في هذا الصدد في - البيان 14 سبتمبر 2001). وخلال أيام قليلة كانت الإدارة الأمريكية قد (عينت) ابن لادن رسميا كمسئول عن الجريمة وقبل أن يتسع الوقت لأي تحقيق جدى!! وبرغم الثقوب الواسعة في سيناريو إسناد الهجوم إلى ابن لادن ومنظمة (القاعدة) ورغم نفي القاعدة طويلا لعلاقتها بالأحداث وهو نفي لم يعدل عنه ابن لادن حتى هذه اللحظة، وإن كان قد أعلن ترحيبه بالهجوم فقط حينما بدأت أمريكا ضرب أفعانستان وتوعد واشنطن بهجمات جديدة إلى آخر ما يعرفه القارئ الكريم ، ولكن دون اعتراف بمسئولية تنظيمية عن أحداث 11 سبتمبر. ثغرات ومصالح ومن الضروري بصورة مطلقة هنا التذكير بالسيناريوهات الكثيرة لاحتمالات تدبير الهجوم والمسئولية عنه، وفي مقدمتها احتمالات قيام اتجاه يميني متطرف في مؤسسات الإدارة الأمريكية نفسها وأجهزتها الأمنية بتدبير الجريمة لفتح الباب على مصراعيه أمام تنفيذ خطة أمريكية جاهزة للهيمنة على العالم بدعوى الحرب على الإرهاب التي تتحول في الواقع ، وأمام أعيننا ، إلى حرب على العالم بأسره، وثمة شواهد كثيرة على وجاهة هذا السيناريو، سنشير إليها لاحقا. ولا نستطيع نحن ، أو غيرنا ، بالطبع أن نقطع بصحة السيناريو الأخير لكننا نريد فقط التأكيد على وجاهته في مقابل الضعف الواضح الذي يتسم به سيناريو إسناد المسئولية عن جريمة 11 سبتمبر إلى ابن لادن. وربما تمر سنوات طويلة أو عقود بأكملها قبل أن تتضح حقيقة الطرف المسئول عن جريمة الثلاثاء الاسود (أو الأطراف) وربما لن تتاح للعالم أبدا معرفة الحقيقة حول المسئولين عما جرى في ذلك اليوم المشئوم ، لكن المؤكد أن الحديث عن (التقصير) من عدمه وحدوده.. الخ لا يمكن أن يكون له معنى دون ثبوت التهمة بصورة قاطعة على ابن لادن ورفاقه، وثبوت نفيها عن الجناح اليميني المتطرف في (المؤسسات) الأمريكية وخصوصا أجهزتها الأمنية وقواتها المسلحة وقيادات مؤسساتها الصناعية العسكرية. ومن الضروري هنا الإشارة لعدد من الملاحظات التي تفتقد بأهميتها لإلقاء مزيد من الضوء على عنوان مقالنا: افتراضات التقصير أم المؤامرة: أولا: يلفت النظر بشدة أنه رغم إسناد تهمة ارتكاب أحداث 11 سبتمبر إلى منظمة إرهابية بما يعنيه ذلك من تقصير فادح من جانب أجهزة الأمن والمخابرات الأمريكية العديدة وفي مقدمتها وكالة المخابرات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) فإن المسئولين عن هذه الأجهزة ظلوا قابعين في مكاتبهم!! فلا يزال جورج تينيت على رأس ال(CIA) وروبرت موللر على رأس الـ (FBI) حتى هذه اللحظة!! مع أن هول الكارثة كان يقتضي إقالتهم أو على الأقل أن يقدموا استقالتهم تحت تصرف الرئيس فورا ، وفقا للتقاليد المستقرة في النظم الديمقراطية وهو ما لم يحدث بالطبع بل إن المسئولين (المفترض أنهم فاشلون) هم الذين يقومون بالتحقيق في أسباب فشلهم!! كما أنهم هم الذين يقومون بقيادة عملية إعادة تنظيم أجهزتهم التي (يفترض) أنها فشلت تحت قيادتهم في منع الكارثة! وإذا كان هذا هو مستوى كفاءة هؤلاء المسئولين وأجهزتهم فكيف يمكن الثقة في تحقيقاتهم وتحديدهم المسئولية عن جريمة الثلاثاء الأسود؟! ولا يقل عن ذلك إثارة الدهشة أن الاعلام الأمريكي لم يطرح مثل هذه الأسئلة البديهية للمناقشة حتى الآن.. ولم يبدأ الحديث عن تقصيرهم إلا منذ أيام. وواضح أن هؤلاء السادة سيظلون على رأس أجهزتهم حتى ينتهي التحقيق بإدانتهم أو تبرئتهم بعد وقت لا يعلمه إلا الله. ثانيا: هناك تلاعب مشبوه فيما يسميه رجال القانون (بأدلة الإتهام) في القضية بأسرها فالصناديق السوداء للطائرات الأربع التي استخدمت في هجمات الحادي عشر من سبتمبر اختفت كلها دون أي أثر!! وحتى بقايا الطائرات نفسها اختفت وكأنها تبخرت!! فإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن منفذي الهجمات المفترضين لقوا مصارعهم الآخرون ، ولم يتم العثور على جثثهم!! وإذا أضفنا إليه حقيقة أن بعض أصحاب الأسماء المذكورة إتضح أنهم أحياء يرزقون في وطنهم (السعودية) وما قيل حول وجود كثيرين يحملون نفس الاسم ونفس اللقب وإذا وضعنا في اعتبارنا عدم ثبوت نسبة (الوثائق) التي تم العثور عليها ، بعد الحادث بأيام ، إلى الخاطفين الـ 19 في سيارات مؤجرة وما إلى ذلك ، فإن ذلك كله يحمل على أعمق الشك في حقيقة أدله الإتهام ولن نتحدث هنا عما أفاضت فيه الأقلام حول المصاعب الفنية والتنظيمية الهائلة لمثل هذه العملية بالقياس إلى إمكانيات شبكة القاعدة ولا عما أثير عن ضرورة السيطرة على كمبيوترات المطارات وليس الطائرات وحدها ولا عن الملابسات المريبة لاختفاء الطائرة لوقت طويل قبل هجومها على أهدافها ، ولا عن أحزمة الدفاع التي يفترض أنها تحيط بالعاصمة الأمريكية ومبنى البنتاجون .. الخ إلخ. وخلاصة القول أن هناك ألف ثغرة تحيط بسيناريو إسناد الإتهام إلى بن لادن وتنظيمه وهناك (فبركة) لشرائط فيديو حسب الطلب ، من شريط غير واضح المعالم يفترض أنه يعرض وقائع تهنئة من جانب بعض الشيوخ لبن لادن .. الخ شريط ظهر مؤخرا يضع (بطلة) عصابة حول رأسه هي كوفية فلسطينية!! أثناء اجتياح إسرائيل لمدن ومخيمات الضفة ، ويهدد المتحدث قبل شهور من هجمات نيويورك (!!) بالقيام بها.. الخ..الخ. نعم واضح أن هناك يدا خفية مشبوهه وراء ذلك كله وبدون كل هذا التلاعب المشبوه لا تقوم لسيناريو بن لادن قائمة. وبالتالي لا تقوم قائمة لسيناريو (التقصير). ثالثا: كانت أحداث 11 سبتمبر فاتحة لحرب أمريكية شاملة على العالم تحت دعوى الحرب على الإرهاب فإنتزعت الولايات المتحدة لنفسها مواطئ أقدام طالما خططت لإنتزاعها في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين الغنية بثرواتها البترولية ، وعلى حدود روسيا والصين وإيران وتمضي في توطيد وجودها العسكري المباشر في كل تلك الأماكن إضافة لأفغانستان وباكستان بالطبع. وأعطت أمريكا لنفسها حق التدخل العسكري ضد الإرهاب حيثما وجد وبإختصار تمت إعادة رسم الخرائط الاستراتيجية للعالم خلال بضعة أشهر، إنطلاقا من أحداث 11 سبتمبر وبفضل هذه الأحداث بالذات وأصبح الإتهام بممارسة الإرهاب أو دعمه سيفا مسلطا على رؤوس عشرات الدول الصغيرة في آسيا وأفريقيا وفي مقدمتها دول الخليج والشرق الأوسط. ومن ناحية أخرى ـ وهذا أمر بالغ الأهمية بصورة خاصة ـ فإن الميزانية العسكرية الأمريكية تم زيادتها بعشرات المليارات من الدولارات ، بدعوى تمويل الحرب على الإرهاب، بينما تشير التصريحات والتوجهات الفعلية إلى عملية كبرى لتحديث أسلحة القوات الأمريكية بكل أفرعها سواء كان لها علاقة بالحرب على الإرهاب، أو لا تربطها أدنى علاقة بالمسألة، وهذا هو الأغلب الأعم. بعد هذا كله نترك لذكاء القارئ الحكم .. هل المسألة مسألة (تقصير) أم مؤامرة محكمة التدبير والتنفيذ ؟؟ سيهب البعض صائحين منددين بنظرية المؤامرة والخيال المريض الذي تصدر عنه ونحن نقول إن نظرية المؤامرة غير كافية وحدها لتفسير التاريخ بالطبع: لكن الاستغناء عنها مستحيل لفهم التاريخ في كثير من الأحيان وقد لا نعرف نحن أو حتى أبنائنا بالضبط حقيقة ما جرى يوم 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. وقد تتضح الحقيقة كلها ذات يوم أو يتضح بعضها: لكن المنطق السليم يقتضي بالضرورة البحث عن المستفيد من الحدث، وما ترب عليه من تطورات هائلة لها تأثيرها على مجرى تاريخ العالم لعقود قد تطول. لكن السيناريو السائد حتى الآن هو سيناريو (التقصي) وقد يطيح هذا السيناريو برؤوس كبيرة في الإدارة الأمريكية. وقد يتوقف التحقيق عند حدود معينه وتبقي الرؤوس فوق الاكتاف! فالمطلوب منهم تقديم الحساب عن (التقصير) يعرفون الكثير، ويملكون الكثير من مفاتيح القوة... والأمر المؤكد أن زعماء المؤسسة من الديمقراطيين والجمهوريين لن يحاولوا الخروج عن سيناريو التقصير ولن يطرحوا للمناقشة سيناريو المؤامرة، لأن المعنى الوحيد لذلك هو الاعتراف بجريمة في حق البشرية كلها. وبعد... فما أكثر ما تحتوي بئر الأسرار الأمريكية!! وللتذكرة فقط فقد تم اغتيال الرئيس الأسبق جون كنيدي حينما خرج قليلا عن خط (المؤسسة) ثم تم اغتيال المتهم باغتياله ثم تم اغتيال قاتل المتهم !! ولا تزال الحقيقة منذ نحو أربعين عاما قابعة في بئر الأسرار الأمريكية. ـ كاتب مصري اعطت اميركا لنفسها حق التدخل العسكري ضد الارهاب حيثما وجد وتمت اعادة رسم الخرائط الاستراتيجية للعالم انطلاقا من احداث 11 سبتمبر