رد الفعل المعكوس. بحسب علم النفس ان تتصرف على عكس ما يحميك. هذا فقط ما يفسر مرور الذكرى الـ 54 لنكبة العرب باغتصاب فلسطين. وكأنها لا تعنينا خلال مسيرتين فقط على طول الوطن الكبير وعرضه. كأننا. طبقا لرد الفعل المعكوس. قلناها بأعلى صوت : هل من مزيد! وان كانت امتنا بهذا السبات المعهود . فما هو مبرر غفوة اللاجئين الفلسطينيين انفسهم على الاقل في هذه المناسبة وهم جوهر مأساة النكبة واكثر نتائجها الكارثية؟! لم تشهد المخيمات في كافة اماكن الشتات تحركا جماهيريا يعتد به. باستثناء ضم العجزة مفاتيح البيت القديم تحت الثياب والانزواء بالدمع في ذكرى 542 قرية ازيلت من على وجه الارض. لم يتحرك احد خارج اقفاص الصفيح التي باتت ازلية ليعلن: لن نتنازل عن حق العودة. ولتوفر القمم العربية بكافة تشكيلاتها على نفسها عناء المبادرات. ولتخطط امريكا وشارون واحفاد بلفور ما يشاؤون . لم يعلنها احد: لا للتوطين. باقون هنا قرب ازقة المخيم العفنة حتى الجنة او الوطن. لم يرفع ابناء المخيمات صفيح اقفاصهم دروعا للمخططات السوداء لاسقاط حقهم في العودة والهائهم ببعض الدولارات ووعود مواطنة كاملة لن تتحقق. اذن وفي غياب مثل هذا الضغط الجماهيري ما الذي سيجبر المفاوضين الفلسطينيين على التمسك بالقرار 194 ومواجهة الضغوط الامريكية-العربية؟ حلت ذكرى النكبة وتتردد في الاجواء السياسية مقولة عدم واقعية شعار عودة كافة اللاجئين. بعد الاعلان الاميركي منذ عهد بيل كلينتون ان هذا الشعار يهدد الدولة اليهودية من اساسها. ولم يتحرك اللاجئون لقول كلمة الفصل: كفاكم رحمة بدولة الاجرام. في ذكرى النكبة. حلت نكبة اعظم : لم يرد في خطاب الرئيس ياسر عرفات بهذه المناسبة ولو اشارة خجولة للاجئين! وان كانت الاجيال العربية معظمها لم يشهد فصول النكبة. ولم يشعر بثقلها وسخونتها في الذاكرة فان عرفات والفلسطينيين يعيشون فصولها يوميا. وكانت مخيمات اللاجئين التي حمل ابناؤها عبء النضال الاكبر. كانت المستهدف الاول للعدوان الاخير. وما زلنا نعيش آلام ملحمة جنين وفخارها. ووضح تماما ان السلوك الوحشي الصهيوني كان بجرعات اشد وحشية حين تصل الدبابات الى حدود المخيمات. قال بني ايالون الوزير الاسرائيلي تعليقا على نتائج عدوان «السور الواقي».. اي حرب لا تنتهي بابادة وازالة المخيمات فاشلة. سكت اللاجئون عن حقهم في ذكرى نكبتهم وغضت القيادة الفلسطينية الطرف.. فتنفس العرب الصعداء. ومعها استنشقت روائح الذل مجددا! المبعدون مطرودون حتى من دمهم مشاهد المذابح الاخيرة في فلسطين ما زالت مخزنة حتى في وجدان الشاشات الاليكترونية. والاشد ايلاما من بينها مشهد طفل يموت رويدا والدم ينزف من صدره. يبكي ظنا ان شوكة وخزته. يذبل من دون ان يدري انه ذاهب للقاء ربه قبل الاوان وبلا اي ذنب. ذلك ما حدث للطفل عيد سيرو ذي الاعوام السبعة فقط. حين اخترقته رصاصات الدبابات النازية وهو يلهو في متجر والده في مخيم عسكر قرب نابلس. فما كان منا الا ان احتضنا اطفالنا راجفين. ونابلس. وتحديدا بلدتها القديمة كان لها الحظ الاوفر من تفاصيل البطولة والمذبحة: بعد تعفن الاطفال في حضن امهاتهم بعد ان رفرفت ارواحهم نحو السماء. بعد الجوع ونسيان النوم . بعد تناوب القذائف على جدرانهم ولحومهم، وبعد نفاد الذخيرة الشحيحة. اتيحت لهم فسحة اجلاء الشهداء والجرحى. وما اعمق فجيعتنا حين رأيناهم على الشاشات شبانا اصابهم الهزال يشعرون بالخجل أنهم لم يتمكنوا من مد أمد الصمود مكتفين بالقول المخنوق: رأينا ما لم تره عين! ما أعظمكم. تعتذرون لامتكم على ما لم ترتكبوا. وامتكم غادرها الخجل منذ زمن! ولم يكن الحال بافضل في كنيسة المهد ببيت لحم.سقط ثمانية شهداء برصاص القناصة الصهاينة وهم يحاولون الوصول لحديقة الكنيسة لجمع الاعشاب واوراق الاشجار لانقاذ المحاصرين من الموت جوعا. جهاد جعارة احد المقاومين امضى نحو 40 يوما في حصار مضاعف: تعفنت قدمه التي كانت تفتتت برصاص الاحتلال واصبحت رائحتها لا تطاق. فنقله رفاقه الى غرفة معزولة رحمة بالاخرين.. وعاش وحيدا مع رائحة العفن. قال للجميع: لقد ارتضينا بالصفقة فارحمونا من المزايدات. جهاد انقذ في قبرص باعجوبة من الغرغرينا وعاد مع رفاقه المبعدين الـ 12 الى سجن ثلاث نجوم في هذه الجزيرة. ليبثوا من على شرفات فندق فلامينجو اشواقهم للوطن. سياح بريطانيون والمان احتجوا على وضع هؤلاء الابطال في الجزيرة اذ يتسببون بازعاج حركة السياحة جراء الاجراءات الامنية! جهاد ورفاقه يلقون برؤوسهم بين ايديهم على شرفات الفندق ويشعرون انهم باتوا مطرودين حتى من دمهم. رجاء يا احباب في فلسطين موتوا فيها.. لا تتركوها. ودعوا لنا كل هذا العار علامات استفهام حول 11 سبتمبر هي مجرد اسئلة ضرورية علها تعين انظمتنا العربية على التخلص من عقدة الذنب العجيبة تجاه الولايات المتحدة الاميركية بعد هجمات 11 سبتمبر: * ما السر في تزامن الفضيحة المثارة حول علم البيت الابيض بهذه الهجمات مسبقا قبل وقوعها مع الضغوط الاميركية على ارييل شارون لقبول المبادرة العربية للسلام؟ وهنا لا بد ان نتذكر فضيحة مونيكا لوينسكي اليهودية حين بدأ بيل كلينتون ضغوطا على نتانياهو في واي ريفر. * ما علاقة الهجمات اصلا بشبكة التجسس الاسرائيلية الكبرى التي اعلن عن اكتشافها مؤخرا في الولايات المتحدة. حيث 120 عميلا للموساد انتحلوا صفة الفنانين وبائعي التحف سكن معظمهم بالقرب من مقر اقامة محمد عطا العقل المدبر للهجمات.وذكرت التقارير ان الموساد علم بهذه الهجمات من دون ان يحذر السلطات الاميركية من قرب وقوعها؟ وهنا لا بد ان نتذكر التقارير التي تحدثت وكانت من ضرب الخيال حول احجام معظم اليهود عن الذهاب الى مركز التجارة في ذلك اليوم. * ما الذي يخفيه الاسرائيليان الاثنان اللذان اعتقلا مؤخرا في الولايات المتحدة بالصدفة وعلى ملابسهما آثار متفجرات من النوع المحبب لعشاق العمليات «الارهابية». * وما صحة ما كان تحدث عنه المرشح الديمقراطي للرئاسة الاميركية المقبلة ليندون لاروش حول نجاح جهات استخبارية اميركية بتطوير تقنية التحكم بالطائرات المدنية من محطات ارضية. حيث كان حذر قبل الهجمات من استغلال جهات ما لهذه التقنية وافتعال حرب تنقذ الولايات المتحدة من افلاس اقتصادي عزاه لنظام سعرالفائدة المعمول به؟ وهنا لابد ان نتذكر آراء المحللين الاقتصاديين الاميركيين حول فوائد الحروب للاقتصاد وان كانت آنية. الا انها تسجل انجازا لصانع القرار وتدير عجلة مصانع الاسلحة. شارون اعرج لكن ليس بطة ما يثير الضحك من شدة البلية هو خروج ارييل شارون من مسرحية الليكود الاخيرة الى العالم برداء حمامة السلام! شارون لم يطالب حزبه الذي يحمل جينات النازي فلاديمير جابوتنسكي سوى بتأجيل رفض الدولة الفلسطينية. لكن خصمه نتانياهو فرض الرفض هذا الآن. وهكذا اكتملت الخديعة : شارون رجل سلام تحاصره ضغوط اليمين واليسار في المجتمع الصهيوني على حد سواء. عبر شارون عن ابتهاجه بهذه النتيجة برده على من وصفوه بـ «البطة العرجاء» بانه اعرج لاصابته في معركة اللطرون عام 1948 لكنه ليس بطة. وتاليا زاد تصلب السفاح. واشترط لاستئناف المفاوضات تغيير السلطة الفلسطينية بما يضمن تنحي عرفات.. طالب باصلاحات فلسطينية شاملة قانونية واقتصادية وسياسية. ولم يسأله احد: هل يوجد لاسرائيل اصلا دستور؟! لا حدود لاسرائيل في انتظار النيل والفرات. ولا حقوق لغير اليهود في الدولة العبرية و وفضائح الفساد لم ينج منها احد من قيادات الصهاينة.. وهناك تنظيمات يهودية ارهابية متناسلة.. والحال كهذه. ما الذي دفع العالم للاصغاء لشارون وهو يطالب باصلاح السلطة فيما بيته ينخره الفساد وتنهار من حوله اكذوبة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط؟! لا شئ سوى ان واشنطن تريد صياغة الحياة السياسية الفلسطينية بشكل يلغي تماما العمليات الاستشهادية كي لا يصار لاحقا الى تصدير هذه العمليات نحو مصالحها في المنطقة. خديعة صهيونية في هيئة موضة والادهى ان خديعة الاصلاحات هذه اكتملت بالتواطؤ الفلسطيني والعربي: فان كنا احيانا نغفر لعرفات انحناءه للضغوط الهاصرة من كل حدب وصوب واضطراره للاعلان عن برنامج اصلاحات . فان ما لايمكن فهمه انجرار المجتمع الفلسطيني برمته وراء هذه الهوجة السياسية وكأنها غدت معركته المصيرية. على ما لمحاربة الفساد ووضع الرجل المناسب في مكانه من اهمية يمكن معالجتها بهدوء بعيدا عن الضجيج. فان معركة الفلسطينيين الاساسية حاليا هي التحرر الوطني وكنس الاحتلال وليست معركة البناء الديمقراطي.ولنتذكر ان وجود الاحتلال بحد ذاته هو تعطيل لاي مشروع بناء داخلي. فأية مؤسسات يمكن ان تثمر ودبابة تستعد لقصفها. لقد قطع الفلسطينيون شوطا كبيرا في البناء المؤسسي على وهم ان اتفاق اوسلو يحميها. فماذا كانت النتيجة.. دمرت هذه المؤسسات وسرقت الحواسيب وحتى ملفات التلاميذ والاحصاءات والاملاك. وغدا اجتماع المجلس التشريعي الفلسطيني ضربا من المستحيل. والشرطة الفلسطينية مطاردة بلا مأوى وغير قادرة على منع ابسط عمليات السطو.. اية ديمقراطية يمكن ان تولد في ظل الاجتياحات وحمم الدبابات ومنع حتى الرسائل من التنقل؟! كان على الجماهير الفلسطينية الخروج بمئات الالاف لاستقبال عرفات المحرر بالهتافات والشعارات التي تركز على ثوابت التحرر الوطني لمحاصرة اي امكانية تنازل لديه. بدل التساوق مع المطالب الاميركية والاسرائيلية وبعض العربية. وبدل حصر النضال في اصلاح الضرائب والجمارك والشرطة. الاصلاح مطلب ضروري في كل الاوقات. لكن في الحالة الفلسطينية يمكن اللجوء فيها الى برنامج داخلي هادئ من دون اظهار الامر وكأن النزاع الفلسطيني هو مع الفساد الداخلي لا مع احتلال يرعى هذا الفساد. شارون يعول على اغراق المجتمع الفلسطيني بحرب داخلية والتسلل لفرض زعامات بديلة سيما وان رئيس استخبارات جيشه اهارون فركش كان يروج مؤخرا ان عرفات سيعاني سكرات الموت بعد شهور. الفلسطينيون مطالبون الان بانتزاع قرارهم المستقل مجددا واعلانها مدوية: اهل مكة ادرى بشعابها واولويتنا كنس الاحتلال. خالد أبو كريم