منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية عام 1979 وما ترتب على ذلك من إقامة سفارة صهيونية على أرض مصر، والسفير الصهيوني يعيش في عزلة تامة، لا يكاد يبارح مقر السفارة إلا باتجاه منزله بمنطقة المعادي. ولا يستطيع السفير الصهيوني أن يشارك في الاحتفالات، فهو ضيف ثقيل وكريه، والكل يتحاشى دعوته، أو حتى مجرد الاتصال به. وقد اشتكى الياهو بن اليسار أول سفير إسرائيلي في مصر من حالة الازدراء التي كان يواجهها في الشارع المصري بكل فئاته الشعبية والرسمية،. كما أن السفير الصهيوني موشيه ساسون كتب مذكراته التي اشتكى فيها مر الشكوى من سلوك الشعب المصري المعادي لإسرائيل والرافض للتطبيع. وخلال الأشهر القليلة الماضية وصل إلى القاهرة سفير إسرائيلي جديد هو جدعون بن عامي وهو لا يقل بجاحة ووقاحة عن كل سفراء إسرائيل السابقين. حاول في البداية الاتصال ببعض الإعلاميين إلا أنه وجد قطيعة كاملة راح يسعى إلى الرد على ما تنشره الصحف من خلال مستشاره الإعلامي إلا أن أحدا لم يعره اهتماما، فراح يقدم الاحتجاجات والشكاوى تحت زعم أن الصحافة المصرية تعادي السامية!! ومنذ نحو ثلاثة أسابيع وفي ظل ذروة العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني قرر السفير الصهيوني أن يظهر علانية في حفل عام متحديًا مشاعر الشعب المصري الغاضبة على الجرائم الصهيونية. اختار السفير الإسرائيلي المشاركة في احتفال اقامته فرقة التنورة الشعبية التابعة لوزارة الثقافة المصرية،. وكان الاحتفال في داخل القلعة وأرسل بحرسه الخاص قبيل الحفل بساعتين وأبلغ وزارة الثقافة أنه سيحل ضيفاً ثقيلاً على الحفل، وأنه قرر دعوة نفسه لأنه عاشق لفرقة التنورة. واحتاس أركان وزارة الثقافة ماذا يفعلون، ولكن ما أن علمت فرقة التنورة بالخبر حتى قررت التوقف عن العرض هذا اليوم بسبب المعلومات التي وصلت عن مشاركة السفير الصهيوني في الحفل. وبعد مشاورات سريعة قررت وزارة الثقافة إلغاء الحفل من الأساس حتى تمنع مشاركة السفير فيه وتحبط مخططه الذي أراد من ورائه أن يخرج لسانه للشعب المصري وأن يقدم للإعلام الإسرائيلي ما يشير إلى أن الشعب المصري يستقبله على الرحب والسعة. وأمام حالة الاحباط التي واجهت السفير الإسرائيلي راح يتنقل بسيارته وحراسته إلى منطقة القناطر الخيرية القريبة من القاهرة، ولكن ما أن سمع أهالي المنطقة بوجوده في منطقتهم حتى تجمعوا بالمئات حاملين العصي والفئوس، ومرددين هتافات التضامن مع الشعب الفلسطيني، الأمر الذي دفع رجال الأمن إلى تهريب السفير من الجماهير التي كادت تفتك به! وفي منطقة المعادي التي يقطن بها السفير تجد كثيرًا من المطاعم لا ترحب بوجوده لتناول وجبات الطعام، وهناك يافطة لاتزال موجودة على أحد مطاعمها تقول ممنوع دخول الكلاب والإسرائيليين، أما زوجة السفير فقد ضاقت ذرعًا بحالة العزلة التي تعيشها على أرض مصر فأصبحت دائمة السفر إلى تل أبيب، وكانت مؤخرا ضمن وفد من عائلات الدبلوماسيين الصهاينة الذين سافروا بسبب المخاوف الأمنية على حياتهم داخل مصر، وهكذا أصبح طاقم السفارة الإسرائيلية يجد نفسه حبيسًا داخل الشقق،. وهو أمر يعكس حجم الرفض المصري لهذه العلاقة النشاز التي فرضتها معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية. إن السؤال الذي يطرحه المصريون في الوقت الراهن هل يتم طرد السفير الإسرائيلي وطاقم السفارة من مصر؟.. صحيح أنه معزول وصحيح أن أحدا لا يشعر بوجوده إلا أن مجرد وجوده هو عار يشعر به كل مصري. إن مصر تستطيع قطع علاقاتها مع أي بلد كان إلا إسرائيل، فالمعاهدة تعتبر أن طرد السفير هو إعلان حرب وهو أمر حسب نص الاتفاق يعطي إسرائيل حكم الشرعية الدولية أن تلزم مصر ولو بالقوة أن تحترم التزاماتها.. إلى هذا الحد كانت خطيئة كامب ديفيد، وما تلاها.. ولكن كل ذلك لن يدوم طويلا.. فالاتفاقية ولدت ولادة غير شرعية وإسرائيل نقضتها عشرات المرات ولم يبق أمامنا سوى الاستعداد لنتخلص من هذه القيود التي تكبل حركتنا، باتجاه الأمة وأمنها القومي.