حذر الدكتور عدنان أبوعودة المستشار السياسي السابق للعاهل الاردني عبدالله الثاني والملك الراحل حسين بن طلال من محاولات اسرائيلية لتحويل المبادرة السعودية الى مكسب سياسي اضافي، واستثماره لانتزاع المزيد من التنازلات دون مقابل. وطالب الدول العربية التريث وعدم الموافقة على المشاركة في المؤتمر الدولي الجديد الداعية له واشنطن، قبل معرفة غاياته واهدافه واجندته السياسية. ودعا أبوعودة الدول العربية الى جعل عنوان المؤتمر تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي، واقامة الدولة الفلسطينية. واعتبر أبوعودة في حواره مع «البيان» ان الموقف الفلسطيني في حالة فوضى شاملة تستدعي التوقف، للاجابة على سؤال حول جدوى تنازلات السلطة بعد الحصار. تاليا، نص الحوار: ـ هناك من يرى ان دعوة واشنطن لعقد مؤتمر دولي انما هي حالة استدعاء اسرائيلي من أجل وضع ثمار التحرك العسكري الشاروني في سلة الاستحقاقات الاسرائيلية؟ ــ دعنا قبل هذا نشير الى ان اسرائيل لم تدع الى مؤتمر دولي، وانما الى مؤتمر اقليمي، فشارون كان يهدف من دعوته الى هذا المؤتمر الاقليمي الاستفادة من المبادرة السعودية دون ان يقوم بتقديم اي تنازلات وبالتالي تم رفضه فقد كان واضحا للسياسة العربية ان هذه الدعوة الاسرائيلية انما هي لعبة وتكتيك اسرائيلي يحاول قطف ثمار العملية العسكرية التي قام بها وما زال.اما الولايات المتحدة الأميركية فقد تقدمت بمشروع آخر، وهذا المشروع له وجهان من حيث الناحية المنطقية فيما يسمى بحل النزاعات الدولية فالوضع القائم بين اسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية وصل حدا لا يمكن معه حل المشكلة حسب قواعد «حل النزاعات الدولية» الا بعقد مؤتمر دولي. ولكن يجب الانتباه الى أن المؤتمر الدولي وحتى الان لم يتم تحديد الهدف منه، ولم تحدد ايضا اجندته، ومن هنا الاصوات الرسمية العربية تتحدث عن عدم معقولية الاقدام على مثل هذا المؤتمر دون طرح مجموعة من التساؤلات، فالانظمة العربية لم تقبل به كما طرح ولم ترفضه وانما تحفظت على المفهوم وطالبت بان تفهم أجندته وهدف عقده. المرجعيات موجودة والمطلوب الانسحاب ـ ولكن الا تعتقد ان هذه المرجعية موجودة منذ قيام الدولة الاسرائيلية من خلال اقرار الأمم المتحدة بقيام دولتين الأولى فلسطينية والاخرى اسرائيلية؟ ــ انا لا اتحدث عن مرجعيات بل أنا اتحدث عن مؤتمر دولي ذو مرجعيات، وهناك فرق، فالمؤتمر الدولي ينبغي ان يتصف بأنه يمتلك المرجعية القانونية والأخلاقية، وهذه المرجعية تأتي من الشرعية الدولية وهي التي تشمل قرارات مجلس الأمن والمرجعيات الأخلاقية من خلال ما نصت عليه قوانين حقوق الانسان وغيرها. أما أن ينعقد المؤتمر على شكل ممثلين عن الدول المعنية حيث تتم مناقشة القضية الفلسطينية ثم يعود كل الى بلده فهذا الأمر ليس مطلب الواقع الذي يشترط حل النزاع العربي الاسرائيلي حاليا، فالمطلوب عملا جادا يستطيع فرض الشرعية الدولية. ـ نعم، ولنفرض انه جرى بالفعل تحقيق المرجعية القانونية والأخلاقية للمؤتمر ما هي آلية تنفيذ القرارات المنبثقة عنه.. اليس في النهاية سيكون كما باقي القرارات الدولية مآله الى الحفظ الارشيفي في ادراج الامم المتحدة، وكما النهاية التي آل إليها ايضاً مؤتمر مدريد؟ ــ هذا غير صحيح فعندما يتشكل المؤتمر من الأمم المتحدة التي لا تعني فقط الأمين العام بل مفوض حقوق الانسان ايضا لغايات الارتكاز على مرجعية اخلاقية ايضا، بالاضافة الى الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا. بالإضافة الى ان على المؤتمر ان يحمل في اسمه هدف المؤتمر والسبب في انعقاده، فنحن عندما نقول ان هناك مؤتمرا دوليا للبيئة فقد حمل عنوانه. ومن هنا أنا ادعو ان يكون مؤتمرا دوليا لإقامة الدولة الفلسطينية او المؤتمر الدولي لتنفيذ الانسحاب الاسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية، فنحن في النهاية لا نريد المشاركة في المؤتمر للثرثرة. غياب سوريا مؤثر ـ هل تتوقع ان مثل هذه الغاية للمؤتمر مقبولة أميركياً، ولا أقول اسرائيلياً؟ ــ لا ادري ان كان مقبولا ام لا؟ فالمهم لدي ان واشنطن تحدثت عن مؤتمر دولي والدول العربية لم تقل نعم ولم تقل لا، واخذت الموقف السليم من حيث رغبتها في معرفة اجندة المؤتمر وهدفه. ـ ولكن ومع الموقف العربي هذا يبدو ان الامور متجهة نحو عقد المؤتمر؟ ــ وليكن، لا ينبغي ان نشارك في مؤتمر، لا نعرف بالضبط هدفه واجندته، لأننا ببساطة سنكون قد وقعنا في فخ لعبة المماطلة. ـ ما هو الفرق الذي سنشهده بين هذا المؤتمر ومؤتمر مدريد؟ ــ مدريد كان مؤتمرا لاتخاذ وتثبيت المرجعيات، أما الان فينبغي ألا يكون هذا المؤتمر لذات الغاية فالمرجعية موجودة اصلا، في مدريد وقرارات مجلس الامن، ومبادرة السعودية، ان ما نريده التطبيق، لذلك اذا اريد للمؤتمر ان يكون نافعا ينبغي ان يكون تنفيذياً. ـ برأيك ما مدى تأثير غياب سوريا ولبنان؟ ــ سيكون لغياب سوريا ولبنان اثره الكبير، ثم أننا لا نريد ان يعقد للشرق الاوسط مؤتمران الاول لفلسطين والاخر لسوريا ولبنان، وما نعنيه عندما نتحدث عن السلام الشامل حضور سوريا، وكما القضية الفلسطينية مشكلة الجولان تنفيذية فالشرعية الدولية موجودة. أجندة شارون ـ عودة الى الرؤية الاسرائيلية من المؤتمر، ما هي الاجندة الاسرائيلية في المؤتمر، وهل تعتقد ان هناك حالة من النضوج الاسرائيلي لتقبل ما تدعو اليه الشرعية الدولية؟ ــ كانت اسرائيل واضحة منذ البداية حيث طالبت بمؤتمر اقليمي تحضره الاطراف فقط، وكان في ذهن العقلية الاسرائيلية الاستفادة من المبادرة السعودية من خلال حصولها على حصتها من المبادرة دون ان تقدم للعرب شيئاً اما من حيث النضج السياسي في اسرائيل فهذا غير موجود وليس متوقعا ان يكون موجودا اصلا، فنحن نتحدث في هذه المرحلة عن شارون بالإضافة الى انه يخشى ان يقوم شارون بتسليم الراية الى نتانياهو ومن هنا تكمن اهمية المؤتمر من خلال ان يتم فرض رؤية المجتمع الدولي للحل على اسرائيل. فاذا ما انتظر العالم حتى تكون اسرائيل جاهزة فسننتظر طويلا جدا، بل انها لن تكون جاهزة للحل. وانا اعتقد ان هذه الفترة هي الحالة النموذجية لحل النزاع حيث يستدعي الوضع عقد مؤتمر دولي ذو مرجعية قانونية واخلاقية لفرض الحل. بدون أجندة سيكون المؤتمر مضيعة للوقت ـ ان لم يكن كذلك فانه سيتحول الى مؤتمر دولي للضغط على العرب والفلسطينيين ــ او لاضاعة الوقت. ومن هنا يجب ان تعمل الدبلوماسية العربية لاغتنام الفرصة لتطوير هذا المفهوم بالتأكيد على اجندة المؤتمر وهدفه والتأكيد على مسألة التنفيذ. ـ واشنطن نفسها تقول ان شارون رجل سلام. ــ لا يجب ان نتمسك بما قاله بوش فهذا كلام مضحك ومثير للسخرية وبوش ذاته يعرف ان شارون ليس رجل سلام، وقد اعتدنا على السياسيين ان يصرحوا احيانا بالكثير من الأمور المضحكة وغير المعقولة. المهم في هذا الجانب هل لدى الولايات المتحدة نية واستعداد لكي تفرض حلا حسب المرجعية الدولية المتفق عليها في مدريد وقبل مدريد. والتي وافقت واشنطن على كل مفرداتها، اذا لم يتبق الا التطبيق. خصوصا وان الوقت الان ناضج لفرض الحلول. ـ بوجود شارون، وبوجود اغلبية في الشارع الاسرائيلي التي قالت انها مع طريقة شارون في الحل ــ بوجود اي كان فالتنفيذ يفرض تكتيكات معينة، فالمهم النية من قبل واشنطن، ومن هنا يأتي الدور الدبلوماسي العربي هل اميركيا مع التنفيذ.. عليهم ان يتصلوا بالادارة الأميركية ويسألوها عن ذلك. ـ نتحدث عن امكانية فرض الشرعية الدولية على اسرائيل وهي حتى الان تجتاح المدن والمخيمات الفلسطينية وترتكب المجازر هل ان ذلك يتفق مع هدف شارون للمؤتمر؟ ــ بل انني اقول اكثر من ذلك ان شارون سبق وأدخل الى حكومته عناصر يمينية متشددة مما يعني ان هناك خطوة مقبلة، ووظيفة يجب ان يلعبها هؤلاء المتطرفون، فشارون بحركته هذه اراد قطع الطريق امام اي اعتدال حوله، خصوصا وانه يريد استثمار ما بدأ به من خلال خطوات أخرى فما قام به نصر اولي يسعى الى استثماره سياسياً. ولكن ومع ذلك اكرر أن تنفيذ الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية يجب ان تفرض فرضا على إسرائيل التي لن تقبل طواعية بأي حل الا ما تراه هي. فرؤية شارون ومواصلته لاعمال الدمار والمجازر فانه يهدف من وراء ذلك الى القضاء على المقاومة الفلسطينية واقتلاعها من جذورها، بالإضافة الى تحويل الشعب الفلسطيني في الداخل من شعب الى سكان بعد ان ثبت عدم قدرته على تهجيره للصمود الذي اثبته الشعب الفلسطيني فوق ارضه. لا وجود لمقاومة بدون عمل سياسي ـ ماذا عن الحل المقدم من قبل المقاومة الاسلامية والوطنية الفلسطينية؟ ــ ابوعودة: لا يوجد شيء اسمه مقاومة مجردة عن العمل السياسي، فالمقاومة اما ان يتوجها عمل سياسي او يصاحبها، وان تفكر المقاومة الفلسطينية ان تقوم بمقاومة اسرائيل دون ان يكون هناك حل سياسي في النهاية فهذا كلام فارغ، وغير واقعي. ـ الا في القضية الفلسطينية؟ ــ هذا يعيدنا الى مفهوم المقاومة وما الذي تريده، والمقاومة الفلسطينية عليها ألا تكون استثناء. ـ فيما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية فان من يتصدى للمقاومة يتصدى للعمل السياسي، في مقابل ان من يتصدى للعمل السياسي بدأ ينعت المقاومة بالارهاب، كما فعل عرفات. ــ هذه مشكلة الفلسطينيين الازلية، ودون شعوب الارض انفصال المقاوم عن السياسي، فالسلطة الفلسطينية لم تكن ممثلا للمقاومة حتى تلعب الدور السياسي، وهي حاولت ان تنفصل عن المقاومة، بالإضافة الى ان المقاومة ايضا حاولت ان تنفصل عن السياسي. بمعنى آخر السلطة السياسية الفلسطينية والمقاومة لم يشكلا كلا واحدا. ـ هل السبب في رأيك ان السياسي كان دوما يغني خارج سرب الشعب؟ ــ هذه قضية تاريخية طويلة علينا بحثها. لهذا كنا دائما نقول ان على السلطة السياسية الانبثاق عن المقاومة، وهذا في الوضع الفلسطيني غير موجود. ـ برأيك هل استفادت السلطة من الاخطاء التي يصفها البعض بالكارثية فيما يتعلق بطريقتها في استقبال المفاوضات والضغوط الاسرائيلية والأميركية؟ ــ السلطة اخطأت اساسا فالمشكلة الأساسية ان السلطة خدعت ووافقت على أن تكون العلاقة التفاوضية مع اسرائيل هي تفاوض على السلام، وكان هذا خطأ مميتا لان السلام لا يتم التفاوض عليه الا بين ندين في المكانة بين دولة ودولة وبين عشيرة وعشيرة وليس بين دولة وعشيرة فما بالك والامر هنا بين دولة محتلة وبين شعب محتل. وقبول السلطة ذلك كان انتحارا وكان ينبغي التفاوض على المشترك بين اسرائيل والفلسطينيين وهو الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وليس السلام تمهيدا لإنهاء الاحتلال لان هذه الصيغة صيغة العربة امام الحصان. هل سيحقق التنازل أي شيء؟ ـ هناك من يرى ان اداء السلطة التفاوضي لم يتغير من اوسلو الى حصار المقاطعة والمهد وما فعله الرجوب في مقره كل ذلك يشير الى ان السلطة مازالت تتنازل ــ بالنسبة للموقف المعلن نعم تتنازل، ولكن لدى قيادة السلطة تفسير آخر لهذا التنازل، اما هل يوافق الشعب الفلسطيني او يرفض هذه التنازلات هذا موضوع آخر. ولكن السؤال الأهم هل سيحقق التنازل أي شيء للسلطة هل هو خطوة على طريق إقامة الدولة ام لا؟ هذا لا نعرفه. فالقراءة الحالية تشير الى حالة فوضى شاملة.