لا يصدق لبناني واحد ان ما يجري في لبنان على الصعيد الامني يندرج في خانة الصدفة او الأحداث المعزولة في الزمان والمكان. وتسود حالة قلق في الاوساط اللبنانية تخوفاً من عودة الاضطراب الامني الى لبنان بعد سلسلة عمليات مشبوهة بدأت بإغتيال الوزير ايلي حبيقة منذ أشهر قليلة، ومن ثم اغتيال جهاد احمد جبريل منذ أيام معدودة والذي تزامن مقتله مع تصفية المسئول القواتي رمزي عيراني. ويذكر اللبنانيون ان حربهم الطويلة ما كانت لتندلع، او على الاقل ما كانت لتطول، لولا تحول لبنان الى «ساحة» لتصفية الحسابات بين كل اطراف النزاع في الشرق الاوسط. وشكلت الاغتيالات القنبلة الموقوتة الجاهزة في اي وقت لتفجير الاوضاع في كل مرة كانت الامور تتجه نحو الحل او التسوية او الهدنة او الانفراج. وقد تعلم اللبنانيون من دروس الحرب ان معظم الاغتيالات لا يتم الكشف عن مرتكبيها، لكنها تؤشر على الدوام الى أحداث آتية اكبر منها وادهى، وتحمل في طياتها رسائل يفهمها المعنيون بها. وفي كل مرة يقع اغتيال معين يتم اتهام اسرائيل بالقيام به، وهو الاتهام الاسهل الذي لا يكلف صاحبه مشقة العداء ولا مشكلة التقصي والتوصل الى الحقائق الصعبة التي لا يمكن البوح بها او الاعلان عن الجهة التي ارتكبتها. والواقع ان لبنان عاش في السنوات العشر المنصرمة بعيداً عن شبح الاغتيالات الذي عاد ليذر بقرنه منذ بداية العام 2002. وتكثر التحليلات حول اسباب عودة الاغتيالات والنتائج المترتبة عليها، ولدي تفسير واحد مازلت مقتنعاً به حتى اثبات العكس. ويرتبط هذا التفسير بالضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة واسرائيل على لبنان لارسال جيشه الى الجنوب ضمانا للامن على الحدود مع الدولة العبرية، ولتفكيك «حزب الله» من ضمن الحرب على الارهاب التي تقودها واشنطن. وتمثلت هذه الضغوط بداية بتنفيذ حصار اقتصادي غير معلن على لبنان منعت بموجبه الولايات المتحدة كل الدول الغربية المانحة من تقديم المساعدة المالية والاقتصادية اليه، وهو احوج ما يكون اليها، كما منعت دولا عربية أخرى من تقديم اي معونة له الى ان يوافق على شرطي امن اسرائيل وتفكيك «حزب الله». ولم تنجح الضغوط الاقتصادية في تعديل الموقف الرسمي بعد ان اختار اللبنانيون ان يتحملوا اوجاع الحرب الاقتصادية على الوقوع مجدداً في براثن الحرب الاهلية. والكل يعلم ان ارسال الجيش الى الحدود الجنوبية يعني فك الارتباط بين المسار اللبناني والمسار السوري، وان تفكيك «حزب الله» يعني انقساما داخلياً مريعاً. وهكذا التقى اللبنانيون على تحمل اوزار الازمة الاقتصادية بدل ان يتحملوا اثقال الحرب الداخلية. وجاءت عملية 11 سبتمبر الماضي لتدفع الامور باتجاه تصعيدي وبدأت خطة تصفية الانتفاضة الفلسطينية بالطرق العسكرية، والضغط لانهاء المقاومة اللبنانية بالطرق الامنية. وبدأ لبنان يعاني من ضغط امني الى جانب الضغط الاقتصادي. واذا كانت اساليب الضغط الاقتصادي معروفة، وهي تعتمد في الاساس على منع المساعدات والاستثمارات، فان اساليب الضغط الامني لا يمكن معرفتها ولا حصرها، وهي تعتمد طرقاً وادوات تخرج عن نطاق ما هو معلوم او متوقع. باختصار، ما يحدث في لبنان على الصعيد الامني هو الوجه الاخر لما حدث له على الصعيد الاقتصادي بعد انسحاب الجيش الاسرائيلي منه في مايو من العام 2000، مع فارق اساسي ان الضغط الاقتصادي يمكن توقعه في حين ان الضغط الامني يشكل تهديداً لا يمكن تحديد اتجاهه، وكثيراً ما يذهب في الاتجاه الذي لا يتوقعه احد. المرحلة المقبلة على لبنان مليئة بالمفاجآت والاثارة، فلنستعد ونتوحد لمواجهتها.