تزامنت شروط شارون الثمانية لإشراك سوريا ولبنان في المؤتمر الدولي الذي تعد له «الرباعية»، مع استنفار واشنطن تحسبا لتعرضها لهجمات انتحارية جديدة قد يقوم بها «كاميكاز» من حزب الله، على حد التحذير الذي أطلقه روبرت مولر رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية، والذي تم تسويقه عبر لجنة المخابرات في الكونغرس ومحطة التلفزة الاميركية abc، وتدعيم ذلك بالزعم بانعقاد اجتماع تنسيقي ما بين حزب الله وحركة حماس وتنظيم القاعدة. ولقد بلغت جدية واشنطن في هذا الاستنفار التحسبي الى حد أنها أرجأت زيارة جورج تينيت مدير السي آي ايه ووليم بيرنز مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الاوسط الى رام الله، بغية الاشراف «الانتدابي» على وضع الاطار العملي لما سمي بإصلاح السلطة الفلسطينية وتوحيد أجهزتها الأمنية الثمانية او التسعة في جهاز مركزي، وتقليص سيطرة عرفات على أجهزة السلطة. ليس الاجتماع التنسيقي المزعوم بين حماس والجهاد والقاعدة، والتحضير لهجمات جديدة، سوى بروباغندة من بنات افكار جماعة البنتاغون والاستخبارات، لوضع الضغط على حزب الله ومنظمات المقاومة الاخرى في سوريا ولبنان، في مقدمة الأجندة الاقليمية قبل الوصول الى موعد انعقاد المؤتمر الدولي المقترح. ولقد تلقف شارون الذي وضع حربه ضد ما يسمى بـ «الارهاب» الفلسطيني في إطار «مذهب بوش» في الحرب ضد الارهاب، رسالة الاستنفار الاميركية تلك من هجمات حزب الله المتوقعة المزعومة، والموجهة ـ أي الرسالة ـ ضمنا الى كل من سوريا ولبنان وايران، في مرحلة لم تبلغ فيها الضغوطات الاميركية المباشرة او عبر الكونغرس على سوريا الدرجة التي بلغتها اليوم، وتقدم بشروطه الثمانية التي تشتمل فيما تشتمل على انسحاب او انهاء «احتلال» سوريا للبنان، ونشر الجيش اللبناني في الجنوب، وطرد المنظمات الفلسطينية العشر من مقراتها القيادية في دمشق، ووقف مساعدة حزب الله وحل قواته وتجريده من السلاح، وتقديم معلومات عن مصير الأسرى العسكريين الاسرائيليين لدى حزب الله، وطرد قوات الحرس الثوري الايراني، وتفكيك الشبكة الصاروخية في جنوب لبنان وغير ذلك. ويعرف شارون مسبقاً ان رضوخ دمشق وبيروت لذلك غير ممكن، ومن هنا لم يطرح هذه الشروط الا لعزلهما عن المؤتمر، الذي مازالت دمشق وبيروت والترويكا السعودية ـ المصرية ـ السورية القائدة للمجموعة العربية تبدي تحفظات جوهرية على أجندته الاسرائيلية. لقد سبق لشارون ان حاول ان يقنع واشنطن باستبعاد سوريا من المؤتمر، لكن موقف الادارة ليس موحّداً حول ذلك، ففي حين يبدي صقورها تبنيهم لأجندة شارون في شكل أجندة اميركية ـ اسرائيلية تقوم على مؤتمر اقليمي محصور بالمسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي لفرض تسوية مرحلية طويلة الأمد يقوم فيها كيان ممزق الاوصال بالمستوطنات، بمرتبة دولة «قابلة للحياة» على حوالي 40 بالمئة من الضفة الغربية، فان تيار باول يبدي او يظهر لحسابات اميركية وليست عربية، تناغماً مع وجهة النظر العربية لعقد مؤتمر دولي بإشراف «الرباعية» يبحث تسوية نهائية شاملة على أساس مبدأ «الارض مقابل السلام»، وتتقاطع بالتالي مع مبادرة السلام العربية التي تتمسك بها الترويكا السعودية ـ المصرية ـ السورية كمرجع لها للمشاركة في أي مؤتمر دولي وشيك. ولعل توقيت التحذير الاميركي من هجمات يعد لها حزب الله على واشنطن، وتنسيقه مع حماس والقاعدة «والجهاد المصرية» في ذلك، يعكس بعض جوانب التجاذب ما بين جماعة المؤتمر الاقليمي وجماعة المؤتمر الدولي في الادارة الاميركية، وتوافقهما على بدء ضغوط اميركية جديدة على سوريا ولبنان قبل انعقاد ذلك المؤتمر، في سياق التلويح بتوسيع المجال الاقليمي لمحاربة ما يسمى بـ «الارهاب»، من مناطق السلطة الفلسطينية الى العراق وسوريا ولبنان وايران. ويعني ذلك ان التعاون الامني السوري «واللبناني» مع واشنطن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والذي نوه بأهميته مسئولو الادارة نفسها، كما المرونة الايرانية وحصر حزب الله عملياته في مزارع شبعا، لم تعد الان كافية في المنظور الاميركي، فاذا كانت واشنطن قد استنفرت تحسبا من هجمات انتحارية يعد لها حزب الله، وأجّل بيرنز وتينيت زيارتهما الفلسطينية بانتظار ما سيتمخض عنه ذلك التحسب، فلماذا لا تقوم واشنطن وقائياً بمعالجة امر حزب الله قبل ان يتمكن من القيام بمثل تلك الهجمات المزعومة؟ ان الامر يدخل في دائرة ضغوط جديدة، تستبق المؤتمر الدولي، وتقوم على ما أعلنه الرئيس بوش مؤخراً من ضرورة التدخل الاميركي في حل الأزمات الاقليمية على أساس مذهبه في محاربة الارهاب. غير ان هذا المؤتمر قد لا يكون وشيكاً، وقد يعقد على مستوى «سهرة» شرق أوسطية، تعيد المفاوضات الى نقطة البدء وليس الى النقطة التي وقفت عندها الاتفاقات والتفاهمات والمفاوضات السابقة، وقد لا ينعقد ابداً، فلا شيء يشير في ظل شارون الى ان الوقت هو وقت سلام. وحينئذ لن يتبقى من المراهنات على المؤتمر سوى مزيد من الضغوط التي تستهدف المقاومة وتجريمها، واستكمال شروط تجديد النكبة.