ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج الثانية بالضبط وماذا عن حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة من رئاسة الاتحاد الروسي؟ كيف وصل فلاديمير بوتين الى السلطة؟ وما هو الموقف الروسي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ هذه هي بعض الاسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب التصدي لها، ولاشك في ان الاجابات المقدمة تحمل الكثير من الجدة والجدية، فالمؤلف يفجيني بريماكوف هو احد ابرز رجال السياسة الروس الذين شغلوا مناصب حساسة، اتاحت لهم التعرف على حقيقة ما يجري وراء الكواليس حول اخطر القضايا التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة الماضية، فقد كان بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات السوفييتية الشهير «الكي. جي. بي» ووزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لوزرائها وكان احد أهم المرشحين لخلافة بوريس يلتسين، وهو احد اهم الاختصاصيين الروس في شئون العالم العربي والاسلامي. إننا امام كتاب تختلط فيه سيرة حياة يفجيني بريماكوف وذكرياته السياسية، هذا الرجل الذي استهل مسيرته السياسية قبل قرابة نصف قرن من الزمان كرس حياته واهتمامه منذ الستينيات للشرق الاوسط، وخصه بموضوع اطروحته لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ليمضي بعد ذلك سنوات عديدة في المنطقة، وخاصة في القاهرة، مراسلا لصحيفة «البرافدا» قبل ان يستأنف مسيرته السياسية نحو القمة في بلاده. أمام الحشد المتوالي من المتغيرات الدولية غيرت ادارة الاستخبارات الخارجية الروسية بعض توجهاتها، فقد تم التخلي عن مفهوم «الخصم الرئيسي» لتحل مكانه امكانية وجود خصوم محتملين في اوضاع معينة ملموسة يكون عمل دول اخرى يتعارض مع المصالح الحيوية لروسيا: مثل مسائل المساس بالحدود وبالعلاقات مع (جمهوريات) الجوار الاشتراكية سابقا، اما في فترة الحرب الباردة فقد كان الخصم الرئيسي للاتحاد السوفييتي يتمثل بالولايات المتحدة وبالتالي كانت الاولوية تعطى لجمع المعلومات عن هذا الخصم وعن معسكره وتسليحه. وفي نوفمبر 1991 اصدر بريماكوف الاوامر بحذف برنامج البحث الخاص بأي مؤشرات حول امكانية القيام بهجوم نووي ضد بلاده، بعد ان كانت قد جرت العادة بتقديم تقرير نصف شهري للقادة السوفييت حول هذا الموضوع، مما كان يستدعي انفاق اموال طائلة وبذل جهود انسانية كبيرة بلا جدوى سوى معرفة «عدد النوافذ المضاءة ليلا في مبنى البنتاغون وفي وزارات دفاع عدد من بلدان الحلف الاطلسي، لكن بالمقابل لم يتم التخلي عن عمليات البحث عن المعطيات الخاصة بالاسلحة التي يمكن ان تؤدي الى هز التوازن الدولي او تلك المتعلقة بمختلف اشكال التجسس الصناعي .. كما تفعل مختلف الاجهزة السرية في العالم. التقنيات الحساسة وقد قامت مصالح الاستخبارات العلمية والتقنية الروسية خلال التسعينيات بعمل تحليلي اساسا خاص بتطور التقنيات الحساسة في البلدان الصناعية الرئيسية، وكانت تتم في هذا الاطار محاولة الحصول على التقارير السرية للاختصاصيين الكبار في هذا الميدان بالقرب من اجل معرفة الحالة الحقيقية للعلوم والتقنيات في روسيا، مما يكون له اثره على تجديد استراتيجيات الاستثمار في المجالات المعنية، وفي الوقت نفسه كان الحصول على مثل هذه التقارير يساعد على معرفة النشاطات الروسية التي تثير اهتمام الاجهزة الغربية. وقد جاء في احدى الوثائق التي حصلت عليها الاستخبارات الخارجية الروسية ما مفاده: «ان جميع التقنيات الروسية التي تهمنا يتم تصنيعها في المجمع العسكري الصناعي .. لم يذكر بريماكوف اسمه بالطبع، كما ان بعض الاختراعات الجديدة لا تجد مثيلا لها في الصناعة الاميركية». في الوقت نفسه لم تكف الاستخبارات الخارجية الروسية وقف التعاون في هذا الميدان على الصعيد الدولي، اذ كان من المفهوم لديها ان اختيار الا تعزل قد يفضي بالابحاث العلمية الروسية الى طريق مسدود، لا سيما وأن المؤسسات العلمية الروسية كانت تخضع للاستثمارات الخارجية التي تسمح لها بمتابعة ابحاثها وعملها. وقد كان الكثير من الشركاء الاجانب يتعاملون بدرجة عالية من الامانة مع روسيا علميا، ويدعمون ميدان البحث فيها في هذه المرحلة الصعبة، لكن هذا لا يمنع واقع ان البعض كان يستفيد من مواطن الضعف في منظومة «حماية الملكية الفكرية» الروسية بالاضافة الى هذا كانت عملية التبادل العلمي بين روسيا والغرب تواجه بعض الصعوبات الاخرى. ففي تقرير صدر عام 1993 عن ادارة البرامج العسكرية لوزارة الطاقة الاميركية تم التأكيد على انه بواسطة الاعمال المشتركة التي يتم تمويلها من صندوق مكرس لـ «تثبيت استقرار العلم الروسي» كان بامكان مختبرات البحث والصناعة الاميركية التعرف على تقنيات روسية «فريدة». لكن، بالتوازي مع هذا، كانت الولايات المتحدة وبعض شركاء روسيا الآخرين في مجال التبادل العلمي مع الغرب يبذلون كل جهودهم من اجل الحد من امكانيات تعرف الاختصاصيين الروس على تقنياتهم المتقدمة. بالمقابل، وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي حققه التجسس العلمي، بقيت المعلومات السياسية هي التي تحظى بأولوية اهتمامات الاستخبارات الخارجية الروسية، اي البحث عن المعلومات الخاصة بما تكنه وتفعله الدول الاخرى حيال روسيا. وقد كان القادة الروس يتمنون معرفة ما اذا كان تفكيك روسيا يشكل جزءا من الاهداف الاميركية او الاوروبية. وقد أدت دراسة جدية ومعمقة حول هذا الموضوع الى الخروج بنتيجة تنفي وجود مثل هذا الهدف لان الحكومات الغربية ترى انه من الخطير جدا تجاوز مثل هذا الخط خوفا من اثارة نتائج غير مرئية في بلد «محتشد بالرؤوس النووية، مع ذلك اشار تقرير الاستخبارات الخارجية الروسية الى وجود خطر خارجي يهدد وحدة روسيا، ويكمن مصدره في الاوساط المتطرفة التي تدعم من الخارج مباشرة الحركات الانفصالية في روسيا. الغرباء والاقرباء يرى بريماكوف ان قادة بعض الدول الغربية يبذلون قصارى جهدهم لمنع روسيا من ان تلعب دور عامل الاستقرار في الجمهوريات السوفييتية السابقة، التي تعاني من نزاعات ذات طابع عرقي، وبالتالي تعمل على منع تقارب هذه الجمهوريات مع روسيا، ان القادة الاميركيين يرون ان بلدان اميركا اللاتينية بل واوروبا الغربية تقع ضمن دائرة نفوذ الولايات المتحدة، ولكنهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأن لروسيا مصالحها الخاصة لدى من تطلق عليهم تسميته «الغرباء الاقرباء» اي الجمهوريات السوفييتية السابقة. مع العلم بان المسألة لا تتمثل بالنسبة لروسيا بفرض ارادتها على هذه الجمهوريات، وانما بتأمين نطاق امني لها. ويشير بريماكوف الى ان المعلومات التي توفرت لدى جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية تدل على ان المصالح السرية الاميركية بدأت منذ مطلع عقد التسعينيات الماضي بتعزيز مواقعها في المجال السوفييتي السابق .. وخاصة عبر انشاء ممثليات لها في بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة، وكان همها الرئيسي هو جمع المعلومات حول روسيا، وكانت هناك علاقات وثيقة بين مختلف عناصر شبكة العملاء الاميركيين في روسيا وبلدان البلطيق وغيرها. وبناء على المعلومات المجموعة اعلمت الاستخبارات المركزية الاميركية الرئيس بيل كلينتون عام 1998 بأن تغييرا حكوميا سيجري وسيتسلم فكتور تشرنوميردين رئاسة الحكومة الجديدة بدلا من «سيرجوي كيريينكو». وقد كانت طبيعة عمل جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية قد تغيرت بحيث اصبحت تعطى اهمية كبيرة للتحليل السياسي والاستراتيجي. وكذا تم ايجاد ادارة جديدة مختصة بانتشار الاسلحة النووية واسلحة الدمار الشامل الاخرى والصواريخ عابرة القارات وعلى اساس المعلومات والتحليلات قام جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية بتقويم الاخطار التي تمثلها الدول التي تملك السلاح النووي ولا تنتمي الى نادي «المالكين الخمسة» لهذا السلاح رسميا. وكان تقرير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي الذي تم نشره عام 1992 كما جرت العادة فيما بعد دوريا قد اشار الى وجود ثلاث دول تملك السلاح النووي بصورة غير رسمية، وهي اسرائيل والهند وباكستان، ولقد استاء الهنود من هذا التقرير، لكن الذين صوروه اشاروا الى انه ليس بنيتهم اللجوء الى معيارين ومكيالين بالتوازي مع هذا ارتأت الادارة الجديدة لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية انه ينبغي تركيز عملياتها على بعض الاجهزة السرية الاجنبية التي تريد ان تبرهن على ان روسيا تقوم ببيع مواد مشعة او كانت هذه الاجهزة ترمي اما الى الحصول على تمويلات اضافية بحجة وجود تهديد نووي روسي، واما الى تبرير بعض المصالح السياسية الداخلية للبلدان المعنية. وكمثال على نشاطات جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، يسوق بريماكوف ما جرى عام 1995 حيث الحّ بعض ممثلي باكستان على الحكومة الروسية من اجل شراء عدد من الطائرات المقاتلة وكانت الاستخبارات السوفييتية لديها معلومات حول الاهداف الحقيقية لذلك الطلب فقد كانت باكستان تحاول الضغط على الولايات المتحدة التي كانت قد جمدت 500 مليون دولار من الاموال الباكستانية كضغط على باكستان بسبب موقفها من الحد من انتشار الاسلحة النووية، وكانت باكستان تريد ان تشتري بذلك المبلغ عتادا عسكريا اميركيا كما كانت باكستان تريد ان توجه بذلك ضربة جدية للتعاون العسكري الهندي ـ الاميركي. امام هذا الوضع ومن اجل تقديم تقرير للقيادة السياسية الروسية، وجه جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي السؤال لباكستان، عن طريق جهازها السري، عما اذا كانت تملك المال المطلوب لدفع ثمن الطائرات المطلوبة، وكانت الاجابة هي «لقد حصلنا على قروض من السعودية» وفي اطار تحقق المصلحة الاقتصادية في جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية من هذه المعلومات تبين ان باكستان لم تحصل على اي قرض سعودي من اجل هذا المشروع. التجديد الكبير ان التجديد الكبير الذي عرفه جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية يتمثل في بداية التعاون مع الاجهزة السرية لبعض البلدان الاعضاء في الحلف الاطلسي، بينما لم يكن جهاز الـ «كي جي بي» يتعاون سابقا الا مع اجهزة البلدان الاشتراكية وبعض اجهزة البلدان النامية، المناهضة للمعسكر الامبريالي، لكن هذا لايعني ان التعاون مع «الاشقاء» كان سيسمح بالاطلاع المتبادل على جميع الملفات فمثلا كان جهاز الاستخبارات الالمانية الشرقية المعروف باسم «الستازي» يقوم احيانا بعمليات من وراء ظهر جهاز الـ «كي جي بي» او كان يقدم له احيانا معلومات خاطئة. وضمن السياق الجديد تمت دعوة روبرت جيتس، رئيس جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية لزيارة سان بطرسبورج، في شهر اكتوبر 1992 وكان برفقته وفد عالمي المستوى من مدراء ادارات الجهاز الاميركي، وبناء على طلب بريماكوف التقى الرئيس الروسي بوريس يلتسين برئيس الاستخبارات الاميركية، وركز يلتسين اثناء اللقاء على ضرورة التعاون بين جهازي الاستخبارات في البلدين، وكان هذا هو ايضا مضمون رسالة الرئيس الاميركي جورج بوش «الاب». ان تلك الفرصة «الثمينة قد اثمرت بداية قيام علاقات ثقة وان كان كل طرف يخشى بصورة ما، من ان تؤدي المعلومات المتبادلة الى الاساءة لأمن عملائه، ويشير بريماكوف الى ان اجهزة الاستخبارات الاميركية تقدر كثيرا طريقة عمل الاجهزة السوفييتية وسرعتها، بل ويؤكد بريماكوف ان بعض المعلومات التي قدمها جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية تم نقلها الى الرئيس الاميركي بيل كلينتون، وانه قد استفاد منها عند اتخاذه بعض القرارات واثناء زيارة قام بها وفد استخباري اميركي نقل وولسي الرئيس الجديد آنذاك عام 1993 بدلا من روبرت جيتس رسالة للرئيس الروسي يلتسين من الرئيس الاميركي للتأكيد على اهمية التعاون بين اجهزة البلدين، ولكن في تلك الفترة ايضا، اذا صدقنا ما جاء في كتابات بعض الاميركيين، فان القادة الاميركيين كانوا يعرفون قبل عدة اشهر ان مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي كان يشك بأن احد عملائهم المدعو «اميس» انما يعمل لحساب الروس كان قد تم وضعه تحت المراقبة وكان يفترض ان يكون البيت الابيض نفسه على علم بتلك القضية التي اساءت كثيرا فيما بعد للعلاقة بين جهازي استخبارات البلدين، بكل الاحوال نصت رسالة الرئيس الاميركي كلينتون على ما يلي:«العزيز بوريس، انني انتهز زيارة روبرت جيمس وولسي لبلادكم كي اؤكد على اهمية الاتصالات بين المصالح الاستخبارية في بلدينا، وانني مسرور جدا لهذه المحادثات الثنائية البناءة واتمنى ان تستمر في المستقبل». وفي 11 نوفمبر 1993 وبعد سفرة كان بريماكوف قد قام بها الى الشرق الاوسط قام بلفت انتباه وولسي الى ان السوريين يكبحون المفاوضات الخاصة بعملية السلام، وان مثل هذا الوضع قد تكون له نتائج جدية على المسألة برمتها. واشار بريماكوف الى ان العامل السوري لم يتم اخذه حسب رأيه، بما يكفي من الاهتمام من قبل الاميركيين وخاصة منذ نجاح المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية، وفي 19 نوفمبر تلقى بريماكوف الرسالة التالية من وولسي: «انني اشكرك من اجل تقديراتك الخاصة بالشرق الاوسط، ولاشك بأن ملاحظاتك تستحق النقاش. وانني اطلب منك ان تلتقي شخصيا بالمدير المساعد ل«السي اي ايه» جون مكفافن، ورئيس ادارة الشرق الاوسط فرانك اندرسون لتناقش معهما المشكلات الخاصة بالوصول الى تسوية سلمية في الشرق الاوسط، ان هذا اللقاء سيفتح توجها مهما جديدا في التعاون بين جهازينا، ويمكن ان تلي هذا اللقاء مشاورات على مستوى الخبراء». وعند نقل هذه الرسالة قام مكفافن باخبار بريماكوف بأن الرئيس بيل كلينتون قد اطلع بـ «كثير من الاهتمام» على ما قاله حول سوريا وكانت الامور تسير بصورة جيدة بين الطرفين الى حد ان البعض كانوا قد بدأوا بالتساؤل عما اذا لم يكن قد حان الوقت للتخلي عن الطرق القديمة والشروع بـ «التعاون» بين الاجهزة لكن للاسف كما يقول بريماكوف، لم يكن ذلك الوقت قد حان بعد اذ ان نشاط الاجهزة السرية لايمكن التفكير به الا اذا عقد البلدان اتفاقا بهذا الخصوص واحترماه؟ وهذا أمر غير واقعي، بالقطع، لكن هذا لا يمنع واقع انه كانت هناك امكانية للتفاهم حول تغيير بعض طرق العمل المتبعة، وهذا مايؤكد بريماكوف انه قد سعى لتحقيقه .. ولكن جميع تلك المساعي ذهبت سدى ولم تؤد الى نتيجة. تدهورت العلاقات فجأة بين جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية وجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية بعد «قضية آميس» وكانت السلطات الاميركية قد القت القبض على هذا العميل الذي عمل لحسابها سنوات طويلة ثم جندته الاستخبارات الروسية للعمل معها، اي انه كان عميلا مزدوجا، ويعتبر بريماكوف نفسه انه من عداد اولئك الذين يعتقدون ان «آميس»: لم يعمل لحساب اجهزة الاستخبارات السوفييتية، ثم الروسية لاسباب مادية بحتة، وكان آميس، قد حاول منذ سنوات السبعينيات التقرب من مراسل «البرافرا» في الولايات المتحدة توماس كولنتشينكو، واصبح صديقا له ولاسرته، حيث كانت المفاجأة صاعقة لهذه الاسرة عندما نشرت الصحافة صور العميل الذي كان صديقا للاسرة باسم «فريد ماديسون» ويشير بريماكوف الى ان المعلومات التي قدمها آميس كانت تخص حصرا العملاء الذين كانت الاجهزة الاميركية تقوم بـ «تجنيدهم» داخل الادارات والاجهزة السرية السوفييتية، ثم الروسية، هذا وكانت الاجهزة السرية الروسية قد اظهرت كفاءة احترافية كبيرة بحيث ان مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي لم يتوصل الى الكشف عن المخابيء التي كان آميس سيستخدمها كـ «صندوق بريد». في كل الحالات ادت فضيحة آميس الى عدد من الاستقالات او «الصرف من الخدمة» داخل جهاز الاستخبارات الاميركي الـ «سي. آي. ايه» حيث سادت اجواء من خيبة الامل، وقررت ادارة جهاز الاستخبارات الخارجية الاميركية «عدم تحريك السكين في الجرح ولم تلجأ للقيام بحملة اعلامية في الصحف حول هذه العملية البارعة التي حققها جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، الامر الذي بدا غريبا بالنسبة لاولئك الذين لايعرفون عالم الاجهزة السرية، اذ ان سلوكنا كان يعود كنوع من الذهنية «التعاونية» بالاضافة الى ان حقبة جديدة من العلاقات كانت قائمة ولم يكن الجهاز الروسي يريد القيام بأعمال غير مدروسة يمكن ان تمس بالعلاقات الروسية ـ الاميركية. وفي الفترة نفسها التي كانت قد بدأت فيها بعض الصلات مع اجهزة الاستخبارات الاميركية شرع جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية بالاتصال مع جهاز «إم. اي ـ 6» البريطاني، اي الجهاز الذي يعتبره بريماكوف الاكثر حنكة وتجربة وخطرا بالنسبة للروس، بدأ الانجليز بمبادرة الاتصال اعتبارا من عام 1991 في اوسلو، وتم عقد اللقاءات الاولى اعتبارا من صيف 1992 لتحديد المواقف وافاق الحوار، لكن الاتصالات لم تذهب بعيدا، وخاصة بسبب خلل موقف البريطانيين الذين كانوا يريدون «الاخذ» دون أن «يعطوا» شيئا. ويتذكر بريماكوف في هذا الاطار زيارة له الى لندن عام 1997 بعد ان كان قد اصبح وزيرا للخارجية الروسية حيث التقى بالكاتب الشهير بروايات الجاسوسية جون لوكاريه وذلك بطلب من بريماكوف للسفير الروسي في لندن، حيث كان اللقاء رائعا مع هذا الرجل الاستثنائي، والذي قدم لبريماكوف روايته الاخيرة التي تحمل عنوان «اهل سميلي» وكتب له في الاهداء: «الى يفجيني ماكسيمو فيتش بريماكوف مع تمنياتي الصادقة واملي بأن نعيش في عالم افضل من العالم الذي اصفه في هذه الرواية. تأملات بصوت عالٍ ماهو الدور الذي تلعبه الايديولوجيا في عمل الاستخبارات الخارجية؟ يؤكد بريماكوف في معرض اجابته على هذا السؤال انه ليست هناك اجابة وحيدة له نظرا لآليات عمل الاجهزة السرية بشكل عام، ويذكر انه قد تعرف شخصيا على (دونالد مكلاين) احد الخمسة البارزين المعروفين بلقب «خمسة كامبردج» الذين لا مثيل لهم في عالم الاستخبارات العالمية في تاريخها الطويل، وكان بريماكوف قد امضى معه عدة ساعات وحيث كان معروفا آنذاك باسم «مارك فريزر» ولم يصبح من جديد دونالد مكلاين الا بعد 20 سنة من وصوله الى الاتحاد السوفييتي عام 1951 وكانت الاجهزة السوفييتية قد اخرجته آنذاك من بريطانيا على الرغم من الرقابة المشددة لجهاز مكافحة التجسس الانجليزي ولم يكن هذا «اللورد الاسكتلندي العريق قد ربط مصيره بالاجهزة السوفييتية من اجل المال، الذي كان يملك منه الكثير، وانما لاسباب ايديولوجية صرفة، لكن لايمكن القول انه لم يكن يحب بريطانيا وخاصة اسكتلندا، لكنه عاش كـ «وطني سوفييتي» وعاش مع السوفييت مأساة الكشف عن جرائم ستالين التي كانت لاتتماشى مع ايمانه القوباوي بالاشتراكية، وقد عاش في موسكو تحت اسم «مارك فريزر» الى ان توفي بمرض عضال قاومه لسنوات الى ان اودى به عام 1983 حيث تم الكشف عن اسمه الحقيقي. وعميل سري آخر معروف جدا هو (جورج بلاك)، كان قد عمل، مثل (دونالد مكلاين) لسنوات طويلة في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية. بموسكو والذي تولى رئاسته لفترة طويلة بريماكوف وكان (مكلاين) قد اخبر بريماكوف بأن العميل الشهير (بلاك) المحكوم عليه بالسجن لمدة 42 عاما بسبب تعاونه مع الاجهزة السرية الروسية قد هرب من سجنه اللندني ووصل الى موسكو ويرغب في العمل في «المعهد». كان ذلك الرجل الذي وصل الى موسكو عام 1966 قد قدم معلومات ومخططات عن النفق الذي كان الاميركيون يحفرونه في برلين للوصول الى الخطوط الهاتفية السرية للقيادة العسكرية السوفييتية في برلين واستراق السمع على كل مايجري من احاديث لقد كان (بلاك) رجلا شديد الذكاء، وتم استقباله بترحاب في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، وعندما اصبح بريماكوف رئيسا للاستخبارات الخارجية ثابر على علاقاته معه حيث اصبح يسمى «جريجوري ايفانوفيتش» وكانت تتم دعوة «كولونيل بلاك» الى مختلف حفلات الاستقبال التي تنظمها الاستخبارات الخارجية الروسية ويقول بريماكوف: «انني أوكد انه كان بالحقيقة واحدا منا، ولا ابالغ عندما اقول انه كان الاعلى بالنسبة لنا». وهنا يفتح بريماكوف قوسين ليتساءل: «لكن هل يمكن القول انه بعد انتهاء المجابهة الايديولوجية التي استمرت طيلة الحرب الباردة، اصبح الكسب المادي هو الذي يسمح لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسي بجذب عملاء اجانب، وبالاحتفاظ بما لديه من عملاء؟. ويجيب باختصار ان «التجربة قدمت الادلة على خطأ مثل هذا النمط من التفكير». ويروي بريماكوف كدليل على هذا انه تلقى بعد ان اصبح رئيسا للاستخبارات الخارجية الروسية تقريرا من احد «مصادرهم» المهمة في احد البلدان الاوروبية يعلمهم فيه بأنه بعد قطيعة روسيا مع الايديولوجية الشوعية لم يعد يرى مبررا لمتابعة العمل مع الاستخبارات الروسية، وكانت العادة قد جرت في مثل هذه الحالة على قطع العلاقات فورا مع المعني وفصله تماما عن «الشبكة» بل والتدقيق، بجميع المعلومات التي كان قد قدمها .. ولكن بريماكوف طلب هذه المرة التعرف بشكل آخر، وسطر رسالة للرجل يشرح فيها اهمية وجود روسيا قوية من اجل الاستقرار الدولي، وفي المحصلة تابع العميل «المهم» عمله بعد رسالة جوابية اكد فيها استعداده لمتابعة التعاون، لكنه لم ينس ان يرسل في مطلع شهر نوفمبر التالي رسالة للقيادة كي يهنئها بـ «ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى». ويؤكد بريماكوف في هذا الاطار انه لاينبغي لاجهزة الاستخبارات الخارجية ان تتدخل في السياسة الداخلية لبلدانها .. ويروي انه في 21 سبتمبر 1993 اصدر يلتسين قراره رقم 1400 القاضي بحل البرلمان الروسي مجلس دوما الدولة عندها كان بريماكوف في الطريق لزيارة اصدقاء له ورن الهاتف في سيارته، كان المتحدث هو يلتسين الذي قال له: كيف ترى قراري؟ يبدو لي ان هذا الاجراء متعجل قليلا، لكنني كنت انتظر اجابة اخرى من رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية. انني اقول لك ما افكر به هل تريد من رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية ان يكذب على رئيسه؟ انهى يلتسين الحديث الهاتفي، ولم يعد للموضوع بعد ذلك ابدا.