ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج الثانية بالضبط وماذا عن حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة من رئاسة الاتحاد الروسي؟ كيف وصل فلاديمير بوتين الى السلطة؟ وما هو الموقف الروسي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ هذه هي بعض الاسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب التصدي لها، ولاشك في ان الاجابات المقدمة تحمل الكثير من الجدة والجدية، فالمؤلف يفجيني بريماكوف هو احد ابرز رجال السياسة الروس الذين شغلوا مناصب حساسة، اتاحت لهم التعرف على حقيقة ما يجري وراء الكواليس حول اخطر القضايا التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة الماضية، فقد كان بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات السوفييتية الشهير «الكي. جي. بي» ووزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لوزرائها وكان احد أهم المرشحين لخلافة بوريس يلتسين، وهو احد اهم الاختصاصيين الروس في شئون العالم العربي والاسلامي. إننا امام كتاب تختلط فيه سيرة حياة يفجيني بريماكوف وذكرياته السياسية، هذا الرجل الذي استهل مسيرته السياسية قبل قرابة نصف قرن من الزمان كرس حياته واهتمامه منذ الستينيات للشرق الاوسط، وخصه بموضوع اطروحته لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ليمضي بعد ذلك سنوات عديدة في المنطقة، وخاصة في القاهرة، مراسلا لصحيفة «البرافدا» قبل ان يستأنف مسيرته السياسية نحو القمة في بلاده. كانت فترة الاصلاح ـ البيرسترويكا ـ التي قادها ميخائيل غورباتشوف زاخرة بالتناقضات، كما يقدمها مؤلفنا يفجيني بريماكوف، الذي كان بعد فشل الجهود السوفييتية في منع وقوع حرب الخليج الثانية، قد اولى اهتمامه اطار المجلس الرئاسي للتجارة الخارجية. ولقد كان الصراع على السلطة عنيفا بين ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين الذي قام مع انصاره بنوع من «الانقلاب العسكري» واعلنوا حالة الطواريء، الامر الذي عارضه صراحة وعلنا اثنان من مجلس الأمن السوفييتي. هما فاديم باحتين احد الساسة الروس ذوو التوجه الليبرالي وكان قد تم تعيينه بعد فشل الانقلاب العسكري كرئيس بجهاز المخابرات المعروف باسم «كي جي بي» ويفجيني بريماكوف مؤلف هذا الكتاب. الحنين لزمن ستالين في 20 اغسطس 1991 اطلق الرجلان تصريحا بثه راديو «صدى موسكو» وجاء فيه: «اننا نعتبر اعلان حالة الطواريء والاستيلاء على السلطة من قبل مجموعة من الافراد بمثابة اعمال مخالفة للدستور ثم ان المعلومات المتوفرة لدينا تشير الى ان ميخائيل سرغيفيتش غورباتشوف رئيس الاتحاد السوفييتي هو بصحة جيدة ـ على عكس ما كان قد اشاعه الانقلابيون ان مسئولياتنا، بصفتنا اعضاء في مجلس الامن، تدعونا لطلب سحب الدبابات من شوارع المدن الكبرى والقيام بكل ما نستطيعه من اجل منع سفك الدماء، كما نطالب ايضا بضمان الامن الشخصي للرئيس ميخائيل غورباتشوف، وان تتاح له فورا امكانية التوجه بالحديث للشعب الروسي». كان الانقلابيون هم مجموعة من الضباط والسياسيين الذين كانوا يحنون للفترة الستالينية، لكن انقلابهم قد فشل، ولايتردد بريماكوف في ان يعيد فشله الى الشجاعة الشخصية التي ابداها بوريس يلتسين، ولكن ايضا الى واقع ان البلاد كانت قد تبدلت. وبفضل وجود فاديم باختين على رأس جهاز الاستخبارات السوفييتي ـ كي. جي. بي ـ بعد فشل الانقلاب العسكري، تم تعيين يفجيني بريماكوف على رأس جهاز الاستخبارات الخارجية الذي كان في طريقه لأن يغدو «جهازا مستقلا» وعندما عرض باختين على بريماكوف المنصب الجديد كان رأي باختين يعيش مأساة حقيقية اذ ان الصحافة قد اشارت الى قراره بتسليم الاميركيين خطط منظومات التنصت ـ التجسس ـ التي كان قد تم وضعها في جدران وسقف السفارة الاميركية الجديدة بموسكو من اجل الاستماع الى مايجري فيها من احاديث، كان الكثير من السوفييت لايؤيدونه في ذلك بينما كان باختين نفسه يعتقد باخلاص ـ سذاجة ـ انه سوف يحصل مقابل ذلك على معلومات تخص منظومات استراق الاستماع الاميركية، مما قد يساهم في اقامة علاقات ثقة متبادلة بين البلدين. لكن الاميركيين «الشركاء الاميركيين» كما يقول بريماكوف، اكتفوا بالاعراب عن امتعاضهم في الوقت الذي كان، يمكنهم ان يردوا على ما فعله باختين بخطوة تدل على نواياهم الحسنة. عندما تسلم بريماكوف مهام عمله الجديد على رأس الاستخبارات الخارجية السوفييتية علم بأن عمليات البحث التي اجريت في الابنية الاولى التي كانت تشاد في واشنطن لتضم فيما بعد السفارة السوفييتية وملحقاتها قد اظهرت وجود خمسة نماذج مختلفة لاجهزة التنصت وعشرات «الميكرو»، كما تم اكتشاف حوالي 150 «ميكرو» في المباني الادارية ولواقط للصوت من مختلف الانواع، ولم يكن الامر افضل في نيويورك حيث كان يقيم ممثلو الاتحاد السوفييتي في الامم المتحدة، لكن لم يتم الكشف اثناء المؤتمرات الصحفية في موسكو سوى عن جزء بسيط من هذه المعلومات وذلك لاسباب عملياتية، اي ما يعني انه كان يمكن للاميركيين القيام بـ «حركة حسن نوايا»، لكنهم امتنعوا عن ذلك. كان بريماكوف، كما يقول، يكن ودا واحتراما شخصيين كبيرين حيال باختين الشريف والمحترم، ولكن موقفه حيال الاميركيين بدا مثيرا للدهشة والاستغراب، الى حد ان بريماكوف لم يأخذه على محمل الجد مباشرة، بل ويؤكد انه كان قد نسيه تماما عندما سافر برفقة وفد كبير من الموظفين السوفييت والروس الى الشرق الاوسط بحثا عن قروض كانت بلاده بأمس الحاجة لها ـ وقد كانت تلك الرحلة مثمرة اذ تم الحصول على قروض تزيد قيمتها عن ثلاثة مليارات من الدولارات. كان ذلك في شهر سبتمبر من عام 1991 وشملت الرحلة السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة والكويت ومصر وايران وتركيا، حيث استخدم بريماكوف في مختلف هذه البلدان علاقاته ومعارفه الشخصية لتحقيق ذلك النجاح. ولكن عند العودة الى موسكو لم يطلب احد من بريماكوف كتابة تقرير عن تلك الرحلة، غورباتشوف وحده هو الذي اتصل ليقترح عليه ان يكون مستشاره للتجارة الخارجية ولكن من دون ان يسأله عن نتائج رحلته الى الشرق االوسط، لانه كان سيتم حل مجلس الامن القومي الروسي قريبا. لقد فهم بريماكوف ان غورباتشوف وعلى الرغم من علاقتهما الشخصية الحسنة، يريد ان يضعه في «اطار» محدد كما ساءه ان يتم ذلك العرض عبر الهاتف فقال له على الفور: «ميخائيل لقد تعبت من تقديم الاستشارات» فأردف غورباتشوف: «اقبل اذن منصب رئيس الاستخبارات الخارجية، فلقد حدثني باختين عن ذلك، واجاب بريماكوف حسنا انني موافق». مرت عدة ايام من دون ان يتم فتح الموضوع من جديد، الامر الذي فسره باختين فيما بعد بالقول ان التسمية لاي منصب حساس بهذا القدر كانت تتطلب موافقة بوريس يلتسين، الذي كان غائبا بعطلة في جنوب البلاد، وقد اكد باختين بأنه قد استطاع اقناعه بالهاتف على الرغم من تردده في البداية وكان يلتسين يعرف جيدا بريماكوف عندما كان هذا الاخير مسئولا عن مختلف النشاطات الدولية لمجلس السوفييت الاعلى وكان يلتسين نائبا، ما يؤكده بريماكوف هو انه كان دائما ضد اي مجابهة بين يلتسين وغورباتشوف بينما كان كثيرون يريدون الايقاع بينهما لاسباب لا علاقة لها آنذاك بالايديولوجيا. وكان تردد يلتسين حيال تعيين بريماكوف رئيسا للاستخبارات الخارجية يعود الى النظر اليه على انه من «فريق غورباتشوف»، وليس من حاشيته على عكس اولئك الذين كان يتم تعيينهم في المناصب الحساسة. محطات في مسيرة لم تكن الاستخبارات الخارجية عند تعيين بريماكوف رئيسا لها قد انفصلت عن جهاز الـ «كي. جي . بي» ولذلك تمت تسميته نائبا لرئيس هذا الجهاز، لكنه رفض مع ذلك رتبة الجنرال التي تعطى عادة لمن يكون في هذا المنصب، ولم يندم بريماكوف، ابدا، كما يقول، لرفضه هذه الرتبة . وليس فقط لان العاملين في ذلك الجهاز من الرسميين فيه قد قدروا كثيرا هذه «الحركة» ولكن لان قبول بريماكوف لرتبة الجنرال سيدفع الجميع لنسيان انه عضو في الاكاديمية السوفييتية للعلوم، بكل الاحوال بعد شهر واحد من تعيين بريماكوف نائبا لجهاز الـ «كي. جي. بي» تم فصل الاستخبارات الخارجية عنه ليحمل تسمية «الجهاز المركزي للاستخبارات». بعد حل المؤسسات السوفييتية اثر استقالة غورباتشوف في 25 ديسمبر 1991 وقع يلتسين قرارا بحل «الجهاز المركزي للاستخبارات» وانشأ جهازا آخر على قاعدته، باسم «مصلحة الاستخبارات الخارجية للاتحاد الروسي» فما كان من بريماكوف الا ان اتصل به هاتفيا على الفور وقال له: من سيقوم بتنفيذ هذا القرار؟ اجاب يلتسين: هذه امور لا تتم مناقشتها على الهاتف، تعال لنتحدث بالامر. عند اللقاء بادر يلتسين بالقول: «انني اثق بك عليك ألا تشك في ذلك. لكن هناك آراء متباينة كثيرا حيالك في وسط جهاز الاستخبارات» . رد بريماكوف: لو انك اكتفيت بالقول لي بأنك تثق بي فان محادثتنا كانت قد انتهت حالا، لكن يدهشني ان يكون البعض قد ابدى بعض التحفظات حيالي، اعترف بأنني لا احس بذلك؟ قال يلتسين: حسنا، سوف ألتقي بمعاونيك. رد بريماكوف: ان البعض منهم قد عينوا في مناصبهم بفضلي، لذلك من الاجدى ان تلتقي بجميع اعضاء القيادة «اي مابين اربعين الى خمسين شخصاً». بعد عدة ايام التقى قادة فروع مصلحة الاستخبارات الخارجية في مكتب بريماكوف وللمرة الاولى في التاريخ السوفييتي. قام رئيس الدولة بزيارة اجهزة الاستخبارات، وقد عرف بعض الحضور سبب الاجتماع للمرة الاولى عند حديث يلتسين عنه اذ قال: بريماكوف هو احد الاعضاء النادرين في المكتب السياسي الذين لم يقوموا بحماقات حيالي ثم تابع حديثه: انتم عناصر استخبارات شجعان ولذلك انتظر منكم تقديم آرائكم بصراحة حول مديركم. اجمع المتحدثون الاثني عشر على موافقتهم على تعيين بريماكوف مديرا لمصلحة الاستخبارات الخارجية الروسية فأخرج بوريس يلتسين من حافظة اوراق جلدية امام انظار الجميع مرسوم التعيين ووقعه مضيفا: كنت قد حضرت ايضا قرارا آخر لكنني لن اقول لكم اسم المرشح المعني». لم يكن تعيين بريماكوف في منصب رئيس الاستخبارات الخارجية مجرد صدفة اذ انه امضى سنوات عديدة من حياته يعمل في تحليل مختلف المسائل السياسية الخارجية، وكان خلال عمله مراسلا لصحيفة «البرافدا» في الشرق الاوسط خلال سنوات 1966 ـ 1970 قد قام بمهمات عديدة ثم نشط بعد ذلك في المنطقة في اطار السعي الى تسوية سياسية بين بغداد والاكراد ولقائه مع الرئيس السوداني الاسبق جعفر النميري ومع الجناح اليساري عن حزب البعث بمن فيهم الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد بعد انقلاب عام 1966 كل ذلك كان بمثابة محطات مهمة في مسيرته المهنية، حسب رأيه وكانت احدى المهمات التي يشير اليها بريماكوف ذهابه الى مصر بعد وفاة الزعيم العربي جمال عبدالناصر لكي يطلع السلطات السوفييتية على التغييرات التي كانت تشهدها القاهرة آنذاك.. كما يشير المؤلف الى انه استقل طائرة السلطان قابوس من عمان العاصمة الاردنية حتى مسقط حيث تم توقيع الاتفاق على اقامة علاقات دبلوماسية بين الاتحاد السوفييتي وسلطنة عمان ويتحدث ايضا عن لقاءاته السرية جدا مع مسئولين اسرائيليين لبحث امكانيات الوصول الى تسوية للنزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني. كانت هذه المهمات كلها بناء على طلب المكتب السياسي او الامانة العامة للحزب الشيوعي السوفييتي ولكن كان جهاز «الكي جي بي» هو الذي يؤمن حماية بريماكوف وصلاته مع القيادة. وهنا يفتح مؤلف هذا الكتاب قوسين ليؤكد بطلان جميع المزاعم التي رددها بعض الكتاب الغربيين ورددتها صحف روسية عن قصد بانه كان منذ شبابه احد المتعاونين مع جهاز الاستخبارات السوفييتية. لقد اختار بريماكوف في منصب مساعده الاول «فياتشسلاف تروبنيكوف» الذي كان يعرفه منذ فترة طويلة ويقدر فيه معرفته الواسعة بشئون السياسة الدولية وخاصة بالشئون الاميركية والذي كان من داخل «الجهاز» كرئيس للفرع الاول وقد اصبح فيما بعد وبناء على اقتراح بريماكوف نفسه عندما ترك منصب رئيس الاستخبارات الخارجية عام 1996، رئيسا لهذا الجهاز وكان اغلبية ضباط جهاز الاستخبارات الخارجية من المثقفين الذين يجيدون الحديث بعدة لغات اجنبية وكانوا من الوطنيين المخلصين لوطنهم لكن التغيرات التي حصلت هزت البعض منهم مما حدا بالعديد، وخاصة من الشباب الى التخلي عن عملهم، الامر الذي استفادت منه الشركات الخاصة اذ وظفت في صفوفها هؤلاء المحترفين ذوي الخبرة العالية عبر دفع رواتب لهم اكبر بكثير مما كانوا يتقاضونه من جهاز الاستخبارات الخارجية. وقد حاول جهاز الاستخبارات الاميركي «السي.آي.إيه» وجهاز الاستخبارات السرية الانجليزي «الام.آي ـ 16» الاستفادة الى اقصى حد ممكن من الوضع الصعب الذي كانت تعيشه الاجهزة الخاصة الروسية من اجل هزها اكثر واختراقها وقد غيرت الاجهزة الاميركية والانجليزية تكتيكها اذ كانت تحرص سابقا على الابقاء على عملائها في روسيا في مواقعهم الى اقصى فترة ممكنة وعدم تهجيرهم الى الولايات المتحدة او بريطانيا الا في حالة التهديد الحقيقي لامنهم بينما تبنت فيما بعد ومهما كانت الآفاق الوطنية التي يمكن ان يصل لها هؤلاء العملاء غير المكشوفين تدفعهم احيانا الى الهرب اثناء مهمات كانوا يقومون بها في الخارج.. وذلك بقصد خلخلة ثقة الاجهزة الروسية بنفسها. توظيف الجواسيس في مطلع عام 1991 لم يعد اثنان من المتعاونين في ميدان الاستخبارات العلمية والتقنية من مهماتهما في الخارج وهما كولونيل اولارينوف الذي كان يعمل تحت غطاء دبلوماسي كنائب القنصل في مدينة جنوا الايطالية وميجور غايدوك الذي كان رئيس مهندسي الممثلين التجارية الروسية في اتاوا وفي شهر مايو من نفس السنة 1991 لجأ كولونيل بوتكوف الذي كان يعمل تحت غطاء صحفي في النرويج الى بريطانيا بمساعدة الاجهزة السرية البريطانية وبرزت «لا اخلاقية»، هذا الرجل عام 1997 عندما تم اعتقاله مع خليلته زوجة روسي آخر كان يعمل في السفارة الروسية باوسلو حيث تزوجا فيما بعد بعد الطلاق من قبل السلطات البريطانية وايداعها السجن بسبب عمليات احتيال مالي قاما بها في الوقت الذي كانت قد تحدثت بعض وسائل الاعلام وبما فيها وسائل اعلام عن حرب بوتكوف وارتباطه بالاجهزة السرية البريطانية بدافع خوضه معركة ايديولوجية! وعندما تسلم بريماكوف مهام عمله كرئيس للاستخبارات الخارجية الروسية اطلع على وثيقة تخص الطرق التي تقوم على اساسها اجهزة الاستخبارات الاميركية بتوظيف عملائها وتتحدد اهم سمات العملاء المحتملين بأنهم «مزدوجي الولاء» ونرجسيين وجشعين ووصوليين ومرتزقة وحياتهم الجنسية مضطربة ويميلون الى تعاطي الكحول اي اولئك الذين يمكن استغلال نقاط ضعفهم هذا مع ملاحظة ان المكون الايديولوجي او السياسي كان غائبا عن «سمات» العملاء المحتملين، ويؤكد بريماكوف اعتمادا على اقوال مديرين سابقين لجهاز الاستخبارات الاميركية هما ريشارد هيلمس ووليام كولبي بأنه لم يتم توظيف اي سوفييتي او روسي بناء على مواقفه الايديولوجية. اما حالة اوليج جوردييفسكي الذي كان نائبا لمدير الاستخبارات الخارجية السوفييتية في لندن والذي قد تم «توظيفه» قبل سنوات في «الدانمارك» من قبل الاستخبارات الانجليزية فانه لم يكن هو الآخر قد جند لاسباب ايديولوجية بل يؤكد بريماكوف انه قد اهتم شخصيا بحلف «جوردييفسكي» الذي كان كما يبدو في الوثائق المتوفرة لدى الاستخبارات الخارجية الروسية على وشك الاعتراف في احدى جلسات التحقيق بكل صلاته الخارجية، حيث ابدى استعداده للعمل على تضليل الاستخبارات البريطانية عندها صدرت الاوامر من اعلى بوقف التحقيق معه ومراقبته حيث احيل الى احدى المصحات ليتم تهريبه من هناك بمساعدة الاستخبارات البريطانية عبر فنلندا كما يؤكد بريماكوف ان الكشف عن خيانة جوردييفسكي قد تمت على مراحل ومنذ مطلع عقد السبعينيات الماضي. كان بريماكوف يعرف انه ليس من السهل تحديد الخط الذي ينبغي على جهاز الاستخبارات الخارجية انتهاجه ولم يكن هناك ادنى شك في انه ينبغي للاجهزة ان تبقى اداة مهمة بين الدولة، لاسيما وانه لم يتخل اي بلد عنها ومع ذلك قرر ان يبقى «متعقلا» وعدم الانطلاق في مبادرات تجلب العداوة، مثل الانكباب على توظيف عملاء سريين في الخارج. الى جانب التصرف بشكل ايجابي في كل حرب تصدر فيها اشارة ملائمة من قبل الاجهزة الاميركية او اجهزة الدول الاخرى في الحلف الاطلسي. ان بريماكوف يورد في هذا السياق ما يسميه بقضية بالغراد او على وجه الدقة «ليونار هيرمان بلغراد» الذي كان احد عناصر جهاز الاستخبارات الاميركي ويجيد تماما التحدث باللغة الروسية وكان يبحث بحماس عن اقامة علاقات مع السفارة السوفييتية حيث كانت مصادر الاستخبارات الخارجية السوفييتية قد انتبهت له منذ مهمته الاولى الى المكسيك وفي الفترة الواقعة بين يوليو 1981 واغسطس 1983 كان بلغراد يعمل في القنصلية العامة للولايات المتحدة في لنيتغراد واعتباراً من هذه الفترة لم تكف الاجهزة التابعة «للكي.جي.بي» تجهل اية شاردة او واردة عنه وكان بلغراد قد فشل عندما كان في لينيغراد بتوظيف احد العملاء مما دفع ادارة الـ «سي.اي.ايه» لنقله في اكتوبر 1983 الى جنيف حيث الاجهزة السوفييتية كانت ترقبه عن كسب حيث حاول تجنيد مواطنين سوفييتيين اثنين وتسعة من مواطني المانيا الديمقراطية وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وبلغاريا والمجر. وخلال الفترة الواقعة بين 1988 و1991 كان بلغراد نائبا لمسئول الاستخبارات الاميركية في السويد تحت غطاء دبلوماسي كسكرتير اول في السفارة الاميركية ليتم نقله بعد ذلك الى باريس اثر ارتكابه خطأ آخر كبيرا في محاولة تجنيد احد المواطنين السوفييت. حين تنقشع الغيوم بعد سنوات من اللعب والمناورة تم اعداد عملية ترمي الى اقناع هذا العميل لجهاز الاستخبارات الاميركية بالعمل لصالح جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي وكانت الخطة تقضي بكشف الوضع وبأنه عمل واقعي ومنذ سنوات تحت رقابة الادارة الرئيسية للكي.جي.بي ثم لجهاز الاستخبارات الخارجية وثم التفكير بأن يتم الاقتراح عليه بـ «انجاز انتصار حقيقي» مما يؤدي الى تعزيز شهرته المهنية ويتفق جميع الذين قاموا بالتحضير لهذه الخطة بأنه كانت هناك امكانية كبيرة لنجاحها. مع ذلك تقرر عدم الذهاب الى ابعد من الخطة. «واليوم يصعب علي اصدار رأي قاطع عما اذا كان قرار وقف تنفيذ الخطة هو قرار جيد» حسبما يقول بريماكوف. بعد وقف العمل بخطة تجنيد بلغراد بفترة قصيرة تلقى جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية من مصدر موثوق جدا كما يؤكد بريماكوف تقريرا موثقا عن اهداف جهاز الاستخبارات الاميركية وقد بدا ان هذا الجهاز يتابع اهتماماته بميزان القوى داخل القيادة الروسية ومشروعات موسكو على الصعيدين الداخلي والدولي كما كانت الاستخبارات الاميركية ترقب باهتمام اتفاقيات نقل الاسلحة النووية من اوكرانيا وكازاخستان الى الاراضي الروسية، الى جانب اهتمامها بالمسائل المتعلقة بالامن النووي بشكل عام ولكن وفيما هو ابعد من هذا كله كانت تبحث بصفة خاصة عن كل ما يمكن ان يشجع تفسيخ بنى الدولة التي يمكن لروسيا بواسطتها ان تحافظ على موقعها كقوة عظمى مع العمل على منع اي تقارب بين روسيا والجمهوريات السوفييتية السابقة بعد استقلالها. ان الغيوم قد انقشعت اكثر فأكثر حول توجهات الاجهزة الاستخبارية الاميركية عندما اشار روبرت م. جيتس مدير السي.آي.ايه لمساعديه الا ان العامل البشري اي تجنيد العملاء يبقى العنصر الارجح في نشاطات الاجهزة السرية الاميركية هكذا يرى بريماكوف ان الاميركيين لم يقتنصوا فرصة تخفيف التوترات مع السوفييت واعداد قواعد لعبة جديدة في مجال الاستخبارات و«الكرة لم تكن في ملعبنا» على حد قوله. وفي نوفمبر 1991 ساهم بريماكوف في ندوة بالولايات المتحدة نظمتها مجموعة العمل السوفييتية ـ الاميركية المكلفة بدراسة مستقبل الامن، وقد حضر من الجانب الاميركي العديد من موظفي وزارة الخارجية ونائب وزير الدفاع ونائب رئيس لجنة رؤساء اركان الجيوش وممثلين كبار عن مجلس الامن القومي الاميركي و«فريتز ارمارث» رئيس المجلس القومي لجهاز السي.اي.ايه. اما مدير هذا الجهاز فلم يحضر.. لقد كانت الرسالة اذن واضحة. اثناء المداخلة التي قدمها بريماكوف شرح امكانية تلاقي مصالح اجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة وروسيا في عدد من الميادين مثل مكافحة الارهاب وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة بل وطرح عددا من الطرق الملموسة للتعاون مثل تبادل المعلومات واعداد وتنفيذ اعمال مشتركة بما في ذلك على الصعيد الوقائي والنضال ضد المنظمات الاجرامية والتنسيق في مجال تجارة الاسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية. كذلك طرح بريماكوف «الضوابط الاخلاقية» التي تحكم عمل الاجهزة السرية من وجهة نظره والتي تستبعد الطرق العنيفة والاكراه على التعاون، هذا الى جانب احترام حقوق الانسان. لقد استمع الاميركيون بانتباه شديد لحديث بريماكوف، ولكن لم تثر اقتراحاته اية اجابة ملموسة. لقد ضاعت الفرصة اذن، فرصة الوصول الى شكل من اشكال التعاون بين اجهزة القوتين العظميين، لاسيما وان العاملين في جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي كانوا يدركون تماما معنى التبدلات التي كانت تجري في بلادهم مع هذا لاشك بأن البعض منهم كانوا يحنون الى الامجاد السابقة للكي.جي.بي ويحلمون بالعودة الى تقاليد زمام القيادة لكن امثال هؤلاء لم يكونوا يمثلون سوى اقلية قليلة جدا لكن الاغلبية مثل بريماكوف وغيره كانوا يقبلون التبدلات الجارية ويرفضون «التعمية» الايديولوجية ويطالبون بتوسيع الهامش الديمقراطي وبالتالي كانوا مستعدين بالمحصلة الى ولوج طريق التطور. بعد قول هذا كله لم يكن بريماكوف ورفاقه ينكرون ماضيهم جملة وتفصيلا ولم يكونوا ساذجين الى درجة التفكير بأن نهاية الحرب الباردة تعني نهاية تنافس بين مختلف الدول.