ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج الثانية بالضبط وماذا عن حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة من رئاسة الاتحاد الروسي؟ كيف وصل فلاديمير بوتين الى السلطة؟ وما هو الموقف الروسي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ هذه هي بعض الاسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب التصدي لها، ولاشك في ان الاجابات المقدمة تحمل الكثير من الجدة والجدية، فالمؤلف يفجيني بريماكوف هو احد ابرز رجال السياسة الروس الذين شغلوا مناصب حساسة، اتاحت لهم التعرف على حقيقة ما يجري وراء الكواليس حول اخطر القضايا التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة الماضية، فقد كان بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات السوفييتية الشهير «الكي. جي. بي» ووزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لوزرائها وكان احد أهم المرشحين لخلافة بوريس يلتسين، وهو احد اهم الاختصاصيين الروس في شئون العالم العربي والاسلامي. إننا امام كتاب تختلط فيه سيرة حياة يفجيني بريماكوف وذكرياته السياسية، هذا الرجل الذي استهل مسيرته السياسية قبل قرابة نصف قرن من الزمان كرس حياته واهتمامه منذ الستينيات للشرق الاوسط، وخصه بموضوع اطروحته لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ليمضي بعد ذلك سنوات عديدة في المنطقة، وخاصة في القاهرة، مراسلا لصحيفة «البرافدا» قبل ان يستأنف مسيرته السياسية نحو القمة في بلاده. في فجر السابع عشر من شهر يناير 1991، وعند الساعة الثانية و 45 دقيقة، أيقظ رنين الهاتف بريماكوف من النوم، كان المتحدث على الطرف الآخر هو ميخائيل جورباتشوف، الذي قال له: «يازوف ـ المارشال ديمثري يازوف وزير الدفاع ـ ويسمرتنيخ وكريوتشكوف هم في طريقهم الى الكرملين، وعليك الالتحاق بهم»، وكان وزير الخارجية الاميركي قد اتصل هاتفيا بوزير الخارجية السوفييتي الجديد بسمرتنيخ ليبلغه بأن العمليات العسكرية سوف تبدأ بعد عدة دقائق. لقد بدأت الحرب، كما كان متوقعا، بتوجيه ضربات جوية قوية، وفي الوقت نفسه تم توجيه صواريخ انطلاقا من السفن الحربية الاميركية الموجودة في مياه الخليج، فقصفت اولا المطارات ومحطات الرادار العراقي، وذلك قبل ان تقلع عدة اسراب من الطائرات القاذفة، خاصة من طراز «ستيلت» لقصف عدة مواقع عسكرية عراقية. ألم أقل لكم؟ كان يبدو ان الرئيس العراقي قد اعتقد، حتى اللحظة الأخيرة، ان القوات الدولية المتحالفة لن تقوم بهجومها، وكان ذلك بمثابة خطأ في الحسابات يضاف الى حسابات خاطئة اخرى ويروي بريماكوف انه خلال رحلته الثالثة الى بغداد ـ التي سيتم الحديث عنها لاحقا ـ وبعد ان كان الرئيس جورج بوش الاب، قد اقترح عليه ترتيب لقاء بين وزير الخارجية الاميركي ووزير الخارجية العراقي قال الرئيس العراقي لبعض المقربين منه: «لقد قلت لكم ان الاتحاد السوفييتي اراد ان يثير الخوف لدينا عبر الحديث عن الحرب الواقعة لا محالة، لكن الاحداث تجري باتجاه آخر تماما». وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي مني بها العراق بدا واضحا بسرعة ان اغلبية بطاريات الصواريخ المتحركة المكرسة لضرب دول مثل اسرائيل لا تزال فاعلة وهذه الصواريخ التي اطلقت عليها الصحافة خطأ تسمية «سكود» بقصد الاشارة الى مصدرها السوفييتي المزعوم انما كانت في الواقع هي صواريخ «الحسين» و «العباس» التي قام العراق بتصنيعها بمساعدة عدد من الشركات الالمانية الغربية وقد كان مداها يصل الى ضعفي او ثلاثة اضعاف مدى صواريخ «آر ـ 300» التي كان الاتحاد السوفييتي قد زود العراق بها كما زود عدة بلدان عربية اخرى بها وعرفت في الغرب باسم صواريخ «سكود» وقد كان العراق يولي اهتماما خاصا لاطلاق صواريخه على اسرائيل، وحيث ان الرئيس العراقي كان يراهن على قيام تل أبيب بالرد وبالتالي على الدعم العربي وعلى الدول الاسلامية عامة، وحتى تلك الدول التي كانت حتى آنذاك على الحياد او انها اتخذت موقفا مناوئا للعراق. وفي الواقع ضغط الرأي العام في اسرائيل على الحكومة باتجاه دفعها للقيام برد فعل عسكري لكن الولايات المتحدة ودولا اخرى بذلت جهودا دبلوماسية كبيرة من اجل تهدئة القادة الاسرائيليين، كذلك ناشدت موسكو ايضا الحكومة الاسرائيلية لضبط النفس مع ادانتها الصريحة لهجوم العراق ضد اسرائيل والمملكة العربية السعودية. كان التوتر يتزايد في ذلك الوقت، وكانت عمليات القصف واطلاق الصواريخ قد غدت اكثر فأكثر كثافة بينما كان عدد القوات العراقية في الكويت يتنامى.كانت الضربات تستهدف بشكل رئيسي اهدافا عسكرية عراقية او مصانع تعمل لحساب الجيش العراقي، وقد ركزت الولايات المتحدة قصفها على المفاعلات النووية وعلى المصانع الكيميائية وعلى كل المراكز التي بدا انها يمكن ان تساهم في صناعة اسلحة بيولوجية وبالطبع كان السوفييت قلقين مما يمكن ان تجره اصابة مثل هذه المراكز من آثار على الاراضي السوفييتية نفسها، لذلك امر ميخائيل جورباتشوف بأن يقوم العلماء ليلا ونهارا بقياس درجة الاشعاع في المناطق الجنوبية من الاتحاد السوفييتي والتي لاتبعد عن العراق سوى ما يتراوح بين 250 الى 300 كيلومتر. تم تشكيل لجنة لمراقبة الازمة في موسكو، وفي اليوم الثالث للمعارك، اي 19 يناير 1991، استدعى جورباتشوف عددا من المقربين منه المعنيين مباشرة بما يجري في الخليج، وذلك بقصد دراسة امكانية القيام بمبادرة سوفييتية جديدة بقصد وقف تلك الحرب في منطقة الخليج، وتم تكليف السفير السوفييتي آنذاك في بغداد بابلاغ الرئيس العراقي بالرسالة التالية: «اذا حصلنا ـ اي السوفييت ـ على وعد عراقي سرا بالانسحاب الكامل وغير المشروط للقوات العراقية من الكويت، فاننا سنطلب من الولايات المتحدة وقف اطلاق النار»، وكان الرئيس جورباتشوف قد ابلغ السلطات الاميركية مسبقا بالخطوات التي ينوي الاتحاد السوفييتي القيام بها، واذا كان بريماكوف يشير الى هذا، فان ذلك يعود كما يقول للاتهامات التي اطلقها اولئك الذين يجهلون الحقيقة، او انهم يعمدون الى تجاهلها ويعيبون على السوفييت انهم كانوا يتحركون دون علم الولايات المتحدة. حافظت بغداد على موقف الصمت يومين كاملين قبل ان تعلن رفضها لعرضنا، بل وذكرت الاذاعة العراقية انه حيال مثل هذه الاقتراحات فإن «من الافضل التوجه للرئيس بوش ـ الأب ـ مباشرة». على أرض الواقع على ارض الواقع كانت معاناة المدنيين العراقيين في بغداد وغيرها تتزايد اكثر فأكثر من جراء اعمال القصف واطلاق الصواريخ وجميع المحطات الكهربائية للبلاد كان قد اصابها الدمار، وكذلك الامر بالنسبة لمحطات تنقية المياه، والمضخات الضرورية لتشغيل المجاري تعطلت مما كان يهدد بانتشار الاوبئة باختصار قام الحلفاء بقصف اهداف من الصعب جدا وصفها بأنها عسكرية. كذلك اخذت الحرب ابعادا لها علاقة بالبيئة، اذ ان كميات النفط التي انتشرت في مياه الخليج شكلت تهديدا جديا للبيئة هذا فضلا عن تهديدات الرئيس العراقي باستخدام اسلحة الدمارالشامل التي بحوزته، اي الاسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية، لكن عددا من الاختصاصيين اشاروا الى ان العراق لم يمتلك السلاح النووي، او انما لم يكن مستبعدا ان يقوم برش غبار مشع فوق قواعد الحلفاء، بل وفوق اسرائيل وكان مثل ذلك المنظور مثيرا للقلق جدا ولم يكن السوفييت اقل انتباها لآليات الرد الاميركية والتي لم تكن تستبعد استخدام الاسلحة النووية التكتيكية اثناء المعارك الارضية ضد الجيش العراقي.وفي الفترة ما بين 26 و 29 يناير 1991 قام وزير الخارجية السوفييتي بزيارة الى واشنطن، وعند لقائه بوزير الخارجية الاميركي جيمس بيكر ابلغه بأن هدف الولايات المتحدة وشركائها في التحالف المناهض للعراق هو تحرير الكويت، وليس تدمير العراق، وقد اعلن الوزيران في بيان مشترك ان وقف العمليات العسكرية يعد امرا ممكنا اذا التزم العراق صراحة بالجلاء عن الكويت مع اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن. كان ذلك البيان المشترك يحدد بوضوح مهمة المجموعة الدولية بنقطة معينة، هي ارغام العراق على الانسحاب من الكويت من دون أي مقابل، وقد اثار ذلك نقدا شديدا في الولايات المتحدة كما انتقد الاميركيون بشدة النداء الذي تم بموجبه طلب الوصول الى سلام حقيقي بين العرب والاسرائيليين، كشرط مسبق لابد منه للاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، وكان من الواضح انه كانت في الولايات المتحدة قوى نافذة تطالب بموقف اميركي اكثر تشددا. وفي 9 فبراير 1991 اقترحت لجنة الازمة السوفييتية المكلفة بمتابعة ما يجري في الخليج على الرئيس جورباتشوف توجيه دعوة لطارق عزيز لزيارة موسكو، وكانت اجابة الرئيس السوفييتي هي التالية: «لا علينا نحن ان نرسل مبعوثنا مباشرة الى الرئيس العراقي» وختم قوله متوجها نحو بريماكوف: «ينبغي التحرك فورا!». بغداد تحت النار كان الذهاب الى بغداد اكثر صعوبة هذه المرة وقد رأى السوفييت ان افضل طريق يستدعي المرور عبر ايران، وقد وافقت طهران على نقل المبعوث السوفييتي بالطائرة من طهران الى بختاران (خرمشهر سابقا). كما وافقت على وضع سيارات تحت تصرف اعضاء الوفد بعد ذلك لنقلهم عبر رحلة تستغرق اربع ساعات للوصول الى الحدود العراقية. كان الطريق جبليا ومتعرجا، بالاضافة الى افراد الحرس كان عدد من المرافقين المحليين يمضون بصحبة الوفد السوفييتي في كل مرحلة من مراحل الطريق، بحيث ان كل سلطة محلية كانت تقوم بتسليم المهمة الى التي تأتي بعدها، وكانت عربات المرافقة تعود للشرطة وبعضها لحراس الثورة الاسلامية، وكان منظر المدن والقرى المدمرة بشكل كامل تقريبا في مسافة المائة كيلومتر الاخيرة التي تفصل عن الحدود العراقية مشيرا للرعب، وحيث كانت قد دارت اشرس المعارك بين العراق وايران خلال حربهما الاخيرة وعند الوصول الى بغداد اعلن طارق عزيز شجبه القوي للضربات الجوية التي تستهدف الاراضي العراقية، فأشار له بريماكوف الى ان الحرب دائما كريهة، وروى له مشاهداته في الاراضي الايرانية، حيث كان الجنود العراقيون يقاتلون. كان الوفد السوفييتي قد وصل الى الحدود العراقية عند حلول الليل، وهناك تمت مشاهدة اعداد كبيرة من اللاجئين الذين كانت تتشكل اغلبيتهم من مواطني بلدان جنوب شرق آسيا والذين كانوا يشتغلون في بغداد ثم غادروها هربا من الموت عند بداية عمليات القصف التي قام بها الحلفاء. على الطرف الآخر من الحدود كان نائب وزير الخارجية العراقي والسفير السوفييتي في العراق بالانتظار كان الوقت متأخرا عندما تم التوجه الى بغداد كانت العربات تسير في خط واحد وكانت تتناوب اشعال الضوء القوي لبرهة قصيرة وسط الظلام الدامس من اجل كشف معالم الطريق، وعند الوصول الى بوابات بغداد تفرق الموكب، وكانت العربات قد وصلت الى العاصمة العراقية مغطاة بالوحول، ولكن الامر كان ايضا بمثابة محاولة القيام بعمليات تمويه. وحوالي الساعة الحادية عشرة مساء، تم الوصول الى فندق الرشيد، كان ذلك هو المكان الاكثر امنا، كما قيل في العاصمة، حيث كان يقيم الصحافيون الاجانب، وخاصة بيتر أرنت، من محطة «السي.ان.ان» الاميركية كانت الكهرباء مقطوعة ولم تكن هناك مصاعد وكان هناك اناء مملوء بالماء في كل حمام ان الامتياز الكبير الذي تمتع به بريماكوف، كما يقول، في جناحه الضخم كان تزويده بمصباح نفطي اي الامتياز الذي لم يكن يحصل عليه غيره. كان كل شيء هادئا في الوقت الذي كانت ساعة البدء بالقصف قد دقت منذ فترة مما دفع صحافيين اميركيين الى القول موجهين حديثهم للسوفييت: «ابقوا معنا فلربما يكون هذا سببا في توقف القصف». لكن صفارات الانذار انطلقت بعد اقل من ساعة ويؤكد «بريماكوف» اعتمادا على بعض الشهود، بأن فترة اليومين التي قضاها في بغداد شهدت عمليات القصف الاكثر شراسة. وفي ساعة متأخرة من الليل تم ابلاغ بريماكوف بان اللقاء مع طارق عزيز سيكون عند الساعة الحادية عشرة من ضحى اليوم التالي في منزل السفير السوفييتي وما ان تم البدء بالحديث حتى تلقى السوفييت الاتهامات من كل جانب على اساس ان الاتحاد السوفييتي اعطى بسياسته الضوء الاخضر لشن الحرب ضد العراق، فما كان من بريماكوف الا ان طلب من طارق عزيز الاختلاء معا لدقائق في حديقة المنزل حيث تابع هجومه مما جعل بريماكوف يعتقد بأنه يريد ان يختبر مدى متانة تعاون السوفييت مع الولايات المتحدة وبلدان التحالف الدولي الاخرى وانه يريد تقدير مدى اتساع الهامش «هامش المناورة» الذي يحظى به العراق بهذا الصدد. مراكمة الأخطاء قال بريماكوف لطارق عزيز ان العراق يراكم الاخطاء، وانه يريد انقاذ مالا يمكن انقاذه، وانه يتقدم في طريق مسدود، لن يكون بمقدوره الخروج منه وساق له كدليل على تحذيره قرارا اثار العالم اجمع ويتمثل في اعلان العراق عن نيته وضع سجناء الحرب ـ طياري القوة متعددة الجنسيات ـ في المنشآت الاستراتيجية التي كان قد تم قصفها، على ما يحمله هذا القرار من خرق لاتفاقيات جنيف .. وقد كانت اجابة طارق عزيز هي تجديد اتهاماته للاتحاد السوفييتي فأجابه بريماكوف: اننا لم نأت الى هنا كي نسمع مثل هذه الاقوال واذا كان هذا هو برنامج الرئيس العراقي فأعتقد انه علي ان اغادر بغداد اليوم؟ في المساء نفسه تم اللقاء مع الرئيس العراقي وكان بريماكوف توقع ان يتم اللقاء في احد الملاجيء تحت الارض بعيدا عن بغداد؟ لكنه جرى في الواقع في منزل بوسط بغداد مخصص للزوار الاجانب، وعند وصول الرئيس العراقي الى المبنى تمت اضاءته بواسطة محرك خاص، حيث اصطحب الرئيس العراقي معه جميع اعضاء القيادة العراقية وخلع معطفه وجلس بالقرب من مدفأة بعد ان نزع الحزام الذي كان يعلق به مسدسه وقد لاحظ بريماكوف انه قد فقد كثيرا من وزنه حوالي خمسة عشر الى عشرين كيلوغراماً منذ اللقاء الاخير معه. اراد صدام حسين في بداية اللقاء ان يظهر «حزم» الموقف العراقي، ولكن بدا ان لهجته وحدة تصريحاته كانتا بالاحرى موجهتين للذين معه اكثر مما هي موجهة للسوفييت.. كما لو انه كان يريد انقاذ ماء وجهه امام حكومته. وعندما اختلى بريماكوف والرئيس العراقي ابلغه بأن الاميركيين مصممون على القيام بهجوم بري كبير سيؤدي الى «كسر» القوات العراقية في الكويت، واضاف له ان السياسة هي فن الممكن؟ ولذلك عليه ان يعلن عن سحب قواته حسب جدول زمني معين وفي فترة قصيرة جدا اي انسحاب كامل وغير مشروط. لقد سأل الرئيس العراقي بريماكوف عما اذا كان يستطيع البقاء فترة اطول في بغداد اذ عليه ان يأخذ رأي مستشاريه وبما ان بريماكوف كان يخشى، كما يقول ان تتم «مطمطة» الامر فقد اخبر الرئيس العراقي بان عليه ان يغادر الفندق عند الساعة السادسة من صباح اليوم التالي فيما يصل الى الحدود الايرانية في الموعد المحدد سابقا، فطمأنه الرئيس العراقي بأنه يستطيع ان يجمع القادة العراقيين خلال الليل، وبأن طارق عزيز سيحمل خلال الساعات التالية الاجابة للسفارة السوفييتية، حيث ان شبكة الهاتف كانت معطلة بعد القصف. ذهب بريماكوف فورا الى السفارة السوفييتية حيث كان يوجد السوفييت الثلاثة عشرة الذين كانوا قد بقوا في العاصمة العراقية في ظروف صعبة، اذ لا ماء ولا كهرباء ولا تدفئة في البرد القارس ببغداد آنذاك، فضلا عن نقص البترول الذي عندما كان يساعد الحظ في الحصول على لتر او لترين منه لا يتم استخدامها في التدفئة او الاضاءة وانما في تشغيل الآلات التي تسمح بالمحافظة على الاتصال مع موسكو وكان موظفو السفارة السوفييتية الذين استمروا طواعية في العمل بالعاصمة العراقية يمضون معظم وقتهم مختبئين في انبوب حديدي واسع القطر ـ متران ـ مغطى بالتراب وبجذوع الاشجار بالطبع، لم يكن ذلك الانبوب يغني عن الملجأ الحقيقي، ولكن كما اكد اولئك الشجعان كان يحميهم بفعالية من الشظايا التي كانت تمطرها السماء عند القصف. وصل طارق عزيز الى السفارة السوفييتية عند الساعة الثانية صباح 13 فبراير 1991 وكان يحمل معه رسالة مكتوبة مفادها ان السلطات العراقية تدرس بجدية الافكار التي عرضها ممثل رئيس الاتحاد السوفييتي وانها سوف تعطي اجابتها عليها قريبا. واشار الرئيس العراقي الى انه سوف يذهب الى موسكو يوم الاحد التالي وبقي بريماكوف حائرا وتساءل عما اذا كان الرئيس العراقي لايدرك ان الوقت يضغط كثيرا وما اذا كانت لاتزال لديه بعض الآمال. وصل طارق عزيز الى موسكو مساء 13 فبراير 1991 على متن طائرة سوفييتية كانت قد وصلت خصيصا الى طهران لتلك الغاية وحضر بريماكوف المفاوضات عند وزير الخارجية السوفييتي اولا عند الساعة التاسعة صباحا، ثم في مقر الرئيس جورباتشوف عند الساعة العاشرة و45 دقيقة. لقد اقترح جورباتشوف على العراقيين الاعلان عن الانسحاب الكامل لقواتهم من الكويت مع تحديد فترة انسحاب قصيرة جدا، ثم اتصل حالا مع الرئيس الاميركي ومع عدة قادة اوروبيين، اما طارق عزيز فقد غادر موسكو الى بغداد عن طريق طهران كما جاء في 20 فبراير مساء ابلغت بغداد بريماكوف بأن طارق عزيز يتمنى العودة من جديد الى موسكو، وطلب من السلطات السوفييتية ارسال طائرة لنقله في اليوم التالي انطلاقا من نجتاران في ايران. في اليوم التالي كان جورباتشوف يتصل باستمرار ببريماكوف لمعرفة ساعة وصول طارق عزيز بدقة لكن كل ما كان هذا المفاوض السوفييتي يعرفه هو ان المسئول العراقي توقف في طهران لاجراء محادثات مع القادة الايرانيين وفي 21 فبراير وعند الساعة الثامنة و15 دقيقة ثم ابلاغ السوفييت بأن طارق عزيز هو في الطائرة بطريقه الى موسكو وبحيث تم الاقتراح على جورباتشوف بتنظيم لقاء صباح اليوم التالي في منزله، لكن الرئيس السوفييتي رفض ذلك الاقتراح، وطلب نظرا لدقة الموقف البدء بالمفاوضات بأقرب لحظة ممكنة. وصل طارق عزيز الى مطار موسكو بعد منتصف الليل بقليل وتوجه مباشرة الى الكرملين، حيث استمر اللقاء قرابة ثلاث ساعات لقد قبل العراق جلاء جميع قواته عن الكويت وكان ذلك هو الامر الاساسي لكن من جهة اخرى اكد العراقيون انهم لايستطيعون نقل قوات بتلك الضخامة خلال فترة قصيرة جدا، لاسيما وان عمليات القصف الجوي كانت قد دمرت الكثير من الطرق والجسور، وطلبوا مهلة لثلاثة او اربعة اشهر وتم تخفيض هذه المدة تحت ضغط السوفييت الى مدة ستة اسابيع فقط وانفض الاجتماع على اساس متابعة المفاوضات في اليوم التالي. وفي اللحظة التي كان طارق عزيز يغادر الكرملين طلب منه جورباتشوف الافراج عن مجموعة من الصحافيين وخاصة من العاملين في محطة السي.بي.اس التلفزيونية الاميركية كان قد تم اعتقالهم في الكويت من قبل القوات العراقية وكان وزير الخارجية الاميركي الاسبق هنري كيسنجر هو الذي طلب من جورباتشوف استخدام نفوذه لدى العراقيين لاطلاق سراح هؤلاء الصحافيين وكان مدير محطة السي.بي.اس قد شكر لاحقا السوفييت للدور الحاسم الذي لعبوه في عملية اطلاق سراح مراسلي محطته. وما بين الساعة الثالثة والساعة الرابعة فجرا جرت اتصالات هاتفية مباشرة بين الرئيس جورباتشوف والرئيس الاميركي جورج بوش ـ الأب ـ وقد كان بريماكوف الى جانب الرئيس السوفييتي مدة المحادثة التي استمرت حوالي ساعة ونصف الساعة لقد شكر بوش للسوفييت جهودهم لكنه اعترف بقلقه حيال مصير السجناء، سجناء الحرب، الذين يعيشون ظروف اعتقال صعبة جدا، كما اعرب عن اسفه للمدة الطويلة التي تم اقتراحها لجلاء القوات العراقية وعندما انتهى الحديث الهاتفي قال جورباتشوف لبريماكوف: «عند المفاوضات مع العراقيين لا تنسى بصفة خاصة ملاحظات الرئيس بوش». وفي صبيحة 22 فبراير 1991 تم التوصل الى الاتفاق حول عدة نقاط، النقطة الاولى والاساسية تتمثل في «قبول العراق تطبيق قرار الامم المتحدة رقم 660، اي الانسحاب مباشرة ومن دون شروط من الكويت لمواقع ما قبل الاول من اغسطس 1990». كما قبل العراقيون الانسحاب من الكويت خلال 21 يوما مع الانسحاب من مدينة الكويت خلال الايام الاربعة الاولى، واعلنوا ايضا عن قبول اطلاق سراح جميع سجناء الحرب، وترحيلهم الى بلدانهم خلال الاشهر الثلاثة التي تلي وقف اطلاق النار مع الموافقة على وجود مراقبين دوليين او قوات دولية لمراقبة احترام وقف اطلاق النار وانسحاب القوات العراقية. وقد وجه بريماكوف لطارق عزيز السؤال التالي: هل يمكن اعتبار ان العراق يقبل كل هذه الشروط؟ فأجابه بأنه بحاجة لتأكيد ذلك من قبل الرئيس العراقي مع اشارته الى انه متأكد من جوابه واقترح على بريماكوف مرافقته الى بغداد كي يكون معه اثناء «نقل الاخبار للرئيس العراقي»، لكن قصر الوقت لم يكن يسمح بذلك وتم اقتراح الاتصال هاتفيا مع القيادة في العراق وثم بالاتفاق مع طارق عزيز ارسال رسالة باللغة الروسية الى السفارة السوفييتية ببغداد بحيث يصار فيما بعد الى ترجمتها الى اللغة العربية بسبب تدمير آلات البث التابعة لوزارة الخارجية العراقية. الانذار الأخير في 22 فبراير عند الساعة السابعة مساء بتوقيت موسكو وجه الرئيس الاميركي بوش انذارا اخيرا للعراق طلب فيه منه سحب قواته من الكويت في مدة اقصاها اسبوع والجلاء عن مدينة الكويت خلال 48 ساعة والبدء بالانسحاب في 23 فبراير قبل الظهر بتوقيت نيويورك، ويوم 23 فبراير عند الساعة الثانية صباحا بتوقيت موسكو (22 فبراير في واشنطن) تلقى السوفييت ردا ايجابيا من الرئيس العراقي حول النقاط التي كانت قد تمت مناقشتها عشية اليوم السابق مع طارق عزيز. وفي اليوم نفسه ظهرا التقى طارق عزيز بالصحافة في وزارة الخارجية السوفييتية، واعلن صراحة قرار بغداد سحب قواتها مباشرة من دون شروط من الكويت، مشيرا الى مجموعة المشكلات التي كان قد تم بحثها في موسكو وفي مواجهة الاتهامات التي اطلقتها الصحافة الغربية بأن العراق يتأهب لتفجيرات آبار النفط الكويتية وشن حرب بيئية اعلن طارق عزيز عن استعداد بلاده لاستقبال وفد من المراقبين في اي لحظة من اجل التحقق من افتراء مثل تلك الاتهامات، ثم اعلن طارق عزيز في نهاية تصريحاته الصحافية ان قرار الانسحاب غير المشروط قد جاء استجابة لمطالب الرئيس جورج بوش. غادر طارق عزيز موسكو مباشرة بعد نهاية لقائه الصحافي وفي لحظة توديعه انتحى به بريماكوف جانبا وقال له: «الا ترى ان القيادة العراقية هي في تأخر مستمر عن الاحداث؟ فلو انك جئت مثلا الى موسكو في 17 فبراير بالاقتراحات نفسها التي قدمتموها يوم 21 فبراير لكان الوضع جيدا بل وافضل من هذا لو انه كان قد تم قبول الاقتراحات نفسها اثناء لقائي الرئيس العراقي في بغداد فلربما كان الوضع مختلفا تماما؟ الا تفهمون ان الوقت لم يعد يسمح بالمساومة او بالمناورات؟». وبعد ان حدث الهجوم البري بخسائره البشرية القليلة في صفوف قوات التحالف الدولي ردد البعض اسئة من نوع «هل كان ينبغي حقا البحث عن حل سياسي؟ او لم يكن الحل العسكري هو الافضل في نهاية المطاف؟ ان بريماكوف يعلن عدم اتفاقه مع مثل هذه النتائج، فكل خسارة بشرية هي مأساة، وقد كان هناك عشرات الالاف من القتلى والجرحى، وخلال العمليات العسكرية كانت المعلومات الخاصة بالضحايا وبالتدمير خاضعة للرقابة الصارمة في الولايات المتحدة لكن ما ان انزاح غبار الحرب الذي شكلته عملية «عاصفة الصحراء» حتى بدا حجم الخسائر العراقية الفادحة. كانت هناك امكانيات كبيرة لتتم الامور بصورة مغايرة لو ان العراق لم يقم باجتياح الكويت ولو لم يتأخر كثيرا في اعلان قبوله بالانسحاب ولو لم يدفع بعض الغربيين باتجاه الحرب ولكن «لو» «ليست سوى اداة للتمني».