كان السؤال قبل عدة أسابيع في واشنطن: هل كانت اسرائيل تعرف عن عمليات 11 سبتمبر قبل وقوعها؟ السؤال اليوم في واشنطن هو: هل كان الرئيس جورج دبليو بوش يعرف عن عمليات 11 سبتمبر قبل وقوعها؟ هل هناك علاقة بين السؤالين الأول والثاني؟ الإجابة مغامرة لأنها تعتمد على نظرية المؤامرة، والعرب، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، متهمون وسوف يبقون متهمين بأنهم يلجأون الى نظرية «المؤامرة» لتبرير، وليس لتفسير، خروجهم من التاريخ، بدلاً من محاولة تدوينه، باعتباره أحداثاً ووقائع تجري تحت ضوء الشمس، تمهيداً للمشاركة في صنعه، وبعبارات أخرى فإن الحاكم العربي كان ومازال يعتمد نظرية المؤامرة لتبرئة الذات والقاء اللوم على الآخرين في كل ما يجتاح البلاد من ويلات ونكبات، وكانت ومازالت هذه النظرية تنسحب على الرعية، فالناس على دين ملوكها. مع ذلك، فإن نظرية المؤامرة تستحق هذه المرة على الأقل، المغامرة، لأسباب فاقعة في وضوحها ونكتفي منها حاليا بالعناوين. دور الموساد شبكة «فوكس» الاميركية ليست معروفة بتعاطفها مع العرب ولا مع المسلمين، ومع ذلك فقد بثّت في اربع حلقات مسلسلاً وثائقياً، تضمن عشرات المقابلات حول ما بات يعرف في اجهزة الاعلام الاميركية باسم «الاختراق الكبير» والمقصود هو اختراق «الموساد» الاسرائيلي لاجهزة الامن الاميركية واعتقال ثم الافراج عن «160»اسرائيلياً، تم تحديد العديد منهم بالاسماء والرتب التي يحملونها في جهاز الاستخبارات الاسرائيلي، كانوا متواجدين في المواقع نفسها التي انطلق منها انتحاريو «القاعدة» في هجمات 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك، ومن هنا فإن السؤال الذي طرحته تلك الحلقات التلفزيونية هو: هل كان جهاز الموساد يعرف مسبقاً بهذه العمليات، وكم كان يعرف، ولماذا لم يقم بابلاغ الاجهزة الامنية الاميركية بما كان يعرف؟ وباختصار هل كان جهاز الموساد الاسرائيلي طرفاً في المؤامرة مشاركاً فيها ام انه كان شاهداً فحسب؟ الخديعة الكبرى برنامج «فوكس» جاد في سياق الحديث عن مؤامرات اخرى اجتاحت شبكة الانترنت وظهر بعضها في وسائل الاعلام، ومن بينها ان مبنى وزارة الدفاع الاميركية في واشنطن «البنتاغون» لم يتم تدميره بطائرة مخطوفة بل بالمتفجرات لان اي اثر لم يظهر للطائرة بين الركام، وتناسلت المؤامرات والمؤامرات المضادة ومن بينها ان الحديث عن اية مؤامرة يهدف الى شيء واحد وهو: استبعاد اي دور للموساد في تفجيرات 11 سبتمبر، واغراق الجمهور بسيول من المؤامرات الجانبية لاخفاء «المؤامرة الكبرى» أو الخديعة الكبرى. كما سماها كتاب فرنسي، وهو دور الموساد في تفجيرات 11 سبتمبر. وقد راجت روايات بعد بث الحلقات التلفزيونية في «فوكس» عن ان لجان الاستخبارات في مجلس النواب والشيوخ في الكونغرس الاميركي سوف تبدأ حملة تحقيقات حول هذا الموضوع، ولكن وسائل الاعلام الأميركية وكذلك المسئولين الاميركيين لم يوضحوا ما اذا كانت هذه التحقيقات توصلت الى نتائج.. وحتى ما اذا كانت هناك اية تحقيقات. وبقيت علامة استفهام، وان صغيرة تحلق في الفضاء الاميركي. بوابة الجحيم ولكن فجأة وبعد اسابيع معدودة لايعود السؤال هل كان الموساد الاسرائيلي يعرف أو لا يعرف بل رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش، شخصيا يعرف او لا يعرف وكم كان يعرف ولماذا لم يبلغ شركات الطيران على الاقل بأن خطف طائراتها هو هدف محتمل لجماعة القاعدة التي يقودها اسامة بن لادن وفقا لمذكرة مختصرة رفعتها اليه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي. أي. أيه» في اغسطس وقبل شهر على الاقل من تفجيرات سبتمبر؟ وانفتحت على الرئيس بوابة الجحيم، وهو امر طبيعي لان حماية المواطنين هي مهمة الرئيس الاولى، وقد فشل فيها ولكن ما هو غير طبيعي ان يقود اللوبي اليهودي وجماعات «المسيحية الصهيونية» المحافظة هذه الهجمة على الرئيس، وما هو غير طبيعي ايضا ان هذا الهجوم الكاسح على الرئيس لم يستخدم معلومات جديدة تم اكتشافها، بل تقارير ظهرت مانشيتات على الصفحات الأولى في بعض الصحف الأميركية وكذلك الاوروبية بعد احداث سبتمبر وتم تسريبها من مسئولين في الاجهزة الامنية الاميركية دفاعاً عن كفاءتهم بعد ان بدأ الكونجرس تحقيقات عن اسباب فشل هذه الاجهزة في التحذير على الاقل من هجمات سبتمبر. اذن من هو المستفيد عندما تنتقل علامة الاستفهام الصغيرة المحلقة في الفضاء الأميركي من اتهام الموساد إلى اتهام الرئيس، بعد أن يتضخم حجمها عشرات المرات؟ في الإجابة نقتطف من افتتاحية «نيويورك تايمز» يوم 18 الشهر الجاري، قولها: «اننا لا نستبعد احتمال أن يقود سير التحقيقات عن اساءة التقدير الى البيت الأبيض بالذات»، ولكن تلك كانت البداية فقط، إذ بعد يوم واحد فقط من اثارة القضية، بدأت مكاتب المحامين في نيويورك وواشنطن، اعداد ملفات دعاوى ضد الرئيس، باسم عائلات ضحايا التفجيرات في نيويورك وواشنطن، تتهمه بالتقصير في حماية المواطن الأميركي وتطالبه.. بالتعويضات. خياران أمام الرئيس هنا يمكن ان نطرح السؤال: اذا صحّت نظرية المؤامرة وبدأ الخناق يشتد حول عنق الرئيس بوش لادانته بالتقصير، فما هي الخيارات امام الرئيس الأميركي؟ يتبادر الى الذهن اثنان: الأول محاولة التعتيم، بمساعدة جميع أجهزة الاستخبارات والادارة وسلطات الرئيس على أية معلومات يمكن ان تشير الى ان احداً كان يعرف مسبقاً بأحداث سبتمبر، وهو ما سوف يشغل الرأي العام الأميركي لفترة طويلة ويجعل الرئيس في موقع ضعيف يمكن ان يقدم فيه كل أنواع التنازلات لجماعات الضغط في الكونغرس بالذات، وفي طليعتها اللوبي اليهودي، وهو من بدأ الحملة ومازال يقودها حتى الآن. الخيار الثاني محاولة توسيع دائرة الحرب العالمية ضد الارهاب لتشمل دولاً ومناطق اخرى، فالهجوم، كما هو معروف، افضل وسائل الدفاع، وأميركا في زمن الحروب كانت دائما اكثر تساهلاً وتسامحاً مع الرؤساء المنتصرين، وحرب افغانستان التي ضربت ارقاماً قياسية في رفع شعبية الرئيس شاهد قريب على ذلك. وفي الحالتين فإن المستفيد الأول هو اسرائيل. هل يعني هذا ان يندفع العرب والمسلمون لتقديم التنازلات حماية للرئيس الاميركي من خصومه اليهود باعتبار ان عدوّ عدونا هو صديقنا، وبأن ما يعلنه من مواقف تجاه قضية فلسطين بالذات هو غير ما يضمره، وبأن الاعمال بالنيات؟ إذا حصل ذلك، وهو بدأ يحصل، فإن نظرية المؤامرة تكتمل