الملف السياسي: تعلمنا دروس التاريخ الحديث والمعاصر أن تقويم مسار الحركة الوطنية للشعب الذي يعاني من الاحتلال طويل الأمد والمقرون بالاستعمار الاستيطاني، وتجديد قياداتها، يعتبران ضرورة أمن قومي مستمرة لتحقيق مصالح الشعب وأهدافه التي تتمثل في حق تقرير مصيره وانتزاع حريته واستقلاله من العدو الغاصب، وتأكيد وحدته الوطنية وحماية صفوفه من الاختراق وتطهيرها ممن يخلطون الحلول الوسط بالتفريط في بعض الحقوق المشروعة للشعب أو متطلبات تكامل أراضيه والحفاظ على سيادته الكاملة عليها. ويصبح هذا الاصلاح المنشود في المسألة الفلسطينية حتمية ملحة استراتيجيا اذا أريد للانتفاضة الفلسطينية أن تتحول الى حركة تحرير شعبية واسعة النطاق تجمع بين التفاوض والمقاومة المخططة ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وتتصدى للتآمر الاسرائيلي، لفرض هدنة ممتدة في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، والاكتفاء بحل مرحلي أو انتقالي فيهما دون الاقتراب من قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات وحدود الدولة الفلسطينية والمياه، ولخداع الدول العربية بالمؤتمر الدولي أو الاقليمي للسلام، في الصيف المقبل، الذي يقفز الى مسائل التطبيع والتعاون الاقليمي قبل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وهو جوهر المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت عشية العدوان الاسرائيلي في مارس الماضي. ذلك التآمر الخطير الذي تستغل فيه اسرائيل ما حققته عمليا من وقف أو تقليص الانتفاضة الفلسطينية الثانية دون أن ينال الرئيس عرفات أو شعبه الصابر أي مقابل سياسي للتضحيات الكبرى التي قدمها الفلسطينيون طوال شهور انتفاضة القدس الطويلة، وخلال عملية الجدار الواقي التي لا تزال مستمرة حتى الآن من خلال الاختراقات المتكررة للمدن والقرى الفلسطينية، والاغتيالات الغادرة لعناصر المقاومة الوطنية، والاعتقالات العشوائية التي قفزت بعدد الأسرى الفلسطينيين الى أكثر من سبعة آلاف انسان في معتقلات النقب وسجون اسرائيل. بدايات التغيير والاصلاح سلم الرئيس ياسر عرفات بوجود أخطاء في مسيرة السلطة الفلسطينية منذ عام 1996 سواء في الداخل أم في ادارة العلاقات مع اسرائيل. ولقد استجاب المجلس التشريعي الفلسطيني لدعوة الرئيس عرفات للاصلاح الشامل والمتدرج، سياسيا وأمنيا وماليا واداريا، واقترح في اجتماعه يوم 16 مايو الجاري اجراء انتخابات رئاسية فى مارس 2003، وانتخابات برلمانية خلال عام من الآن، وطالب النواب عرفات بتشكيل مجلس وزراء فلسطيني جديد خلال 45 يوما. ويعتبر هذا التطور الديمقراطي ـ على الأقل شكلا ـ تلبية لضغوط غالبية الرأي العام الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة أم في مخيمات اللاجئين في الأردن وسوريا ولبنان، وبما يحقق ما أبدته بعض الدول العربية، وبخاصة مصر والسعودية، من ضرورة تشكيل سلطة فلسطينية قوية تحظى بالتأييد الجماهيري في المرحلة القادمة بعد عملية الجدار الواقي التي ضربت البنية الأساسية لمؤسسات السلطة، وكذا أغلب جماعات المقاومة في فلسطين المحتلة، وتحقق نوعا مطلوبا من جماعية القيادة في مواجهة حكومة شارون اليمينية التي تحاول تقسيم الضفة الغربية وغزة الى ثماني مناطق منفصلة تخضع للسيطرة الأمنية الاسرائيلية الكاملة، والتسويف في الانسحاب من المناطق التي اجتاحتها قوات الاحتلال الاسرائيلي منذ 29 مارس الماضي.كذلك فان حركة فتح، التي يقودها الرئيس عرفات بنفسه، لا تكتفي بطلب القضاء على الفساد والانحراف من جانب بعض الوزراء والقيادات الأمنية الفلسطينية، أو وجوب استبعاد بعض عناصر الحرس القديم التي اغتربت في تونس وعادت الى وطنها مع عرفات لتشغل أغلب المناصب القيادية في السلطة الفلسطينية وأجهزتها وتسعى لجني ثمار العودة، بل تطالب فتح بالرقابة التشريعية على أداء الأجهزة التنفيذية. ومن جهة أخرى فان الادارة الأميركية تطالب بتغيير جذري في السلطة الفلسطينية قد لا يمس عرفات نفسه فى المستقبل القريب، وان كان يضمن ألا ينفرد بالقرار السياسي، وبحيث تحظى حكومته بتأييد جماهيري فعال عند استئناف المفاوضات السياسية على المسار الفلسطيني الاسرائيلي. وقد طلب البيت الأبيض في منتصف شهر مايو الجاري من عرفات اجراء اصلاحات سياسية معلنة في السلطة الفلسطينية لاسيما اجراء الانتخابات المحلية والبرلمانية دون اشتراط الربط بينها وبين الانسحاب الاسرائيلي من المناطق «أ» الخاضعة لسلطة الحكم الذاتي والمفترض ممارسة السيادة الوطنية الفلسطينية عليها.وقد وصل الضغط الأميركي الى حد أن الكونجرس يدرس اصدار قانون، قبل نهاية شهر يوليو القادم، يفرض عقوبات على منظمة التحرير الفلسطينية تمنع عرفات من دخول الأراضي الأميركية، وتغلق مكاتب المنظمة في الولايات المتحدة، وتجمد أموالها، وتقيد أنشطة ممثليها في الأمم المتحدة. الموقف الاسرائيلي نشير هنا الى أن آرييل شارون يعتبر اعادة تشكيل السلطة الفلسطينية شرطا مسبقا قبل التفاوض السياسي، بل يصل طموحه الى محاولة اقصاء عرفات نفسه وفرض قيادة بديلة ترفض الكفاح المسلح في الضفة الغربية وغزة على الرغم من أنهما منطقتان محتلتان طبقا للقرارات الصادرة من مجلس الأمن، وأهمها القرار 1967242، والقرار1973338، ثم القرار 20021405.ويأمل شارون أن يطول ويتعقد الخلاف بين صفوف الفلسطينيين حول توقيتات وجوانب الاصلاح، وأسبقياتها، وأن يتأخر الدعم الدولي والعربي لاعادة اعمار ما دمرته آلة الحرب الاسرائيلية في الضفة الغربية وغزة خلال عملية الجدار الواقي، وما قبلها، بما يعيق المفاوضات السياسية، ويتيح مجرد تخفيف الحصار الخانق للمدن والقرى الفلسطينية، والتركيز على التنسيق الأمني بين قوات الاحتلال وأجهزة الأمن الفلسطينية التي ينتظر اعادة تشكيلها وتوحيدها بمشورة أميركية مباشرة يتولاها جورج تينيت مدير المخابرات المركزية بنفسه اذا وجد فسحة مناسبة من الوقت في ظل الأزمة الحالية التي انهمكت فيها الادارة الأميركية نتيجة تجاهلها تقارير المخابرات ومكتب التحقيقات الفيدرالي التي قدمت للرئيس جورج بوش في صيف 2001 بشأن العمليات الارهابية المحتملة في عمق الأراضي الأميركية. أولويات الاصلاح ان تشكيل حكومة أو سلطة تنفيذية جديدة قبل نهاية يونيو القادم يحتل الأسبقية الأولى فلسطينيا وعربيا، وقد يكون مناسبا خفض عدد الوزراء من 32 وزيرا الى 16 ـ 20 وزيرا كما اقترحت الادارة الأميركية على عرفات نفسه لتقليل تعقيدات وبيروقراطية القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتيسير متابعتها في اطار من مركزية التخطيط. ويجب أن يستقطب عرفات الى حكومته عناصر من المقاومة الاسلامية الفلسطينية في اطار تجنب انقسام الجبهة الداخلية المنهكة والمتوترة بعد عملية الجدار الواقي. والأولوية الثانية في رأيي هي اعادة تنظيم أجهزة الأمن الفلسطينية شاملة الشرطة والأمن الوقائي والمخابرات مع تجنب الازدواجية في مهامها ومسئولياتها وصراعات النفوذ بين قادتها، وبشرط ضرورة استبعاد من حامت حولهم شبهات التواطؤ أو التقاعس عن مواجهة الاجتياح الاسرائيلي للضفة الغربية، وتسليم المعتقلين من عناصر المقاومة الى العدو الصهيوني، وبخاصة جبريل الرجوب الشهير بعلاقاته الشخصية مع الموساد، ومع شين بيت، وبانحرافاته المالية. ومن المهم الاستجابة لتوصية أعضاء المجلس التشريعي أن يشرف وزير الداخلية على أجهزة الأمن، وأن يشارك في عضوية مجلس للأمن القومي يرأسه الرئيس الفلسطيني بنفسه، وينأى بمرؤوسيه عن التدخل في السياستين الداخلية والخارجية والقيام بالأنشطة الاستثمارية!! وأتفق مع ما يطالب به بعض أعضاء المجلس التشريعي بشأن ادخال كل الموارد في ميزانية السلطة الفلسطينية فلا يعقل أن تستمر ادارة شركة البترول الفلسطينية مستقلة عن هذه الميزانية !! ويجب انشاء نظام فعال للرقابة المحاسبية على ايرادات ومصروفات وودائع السلطة الفلسطينية. والأولوية الثالثة هي اصدار القانون الأساسي الذي يتضمن حقوق المواطن الفلسطيني، ثم تنظيم مؤتمر جامع للمصالحة الوطنية الشاملة بين قوى الداخل، يتلوه مؤتمر آخر للقوى الفلسطينية في الداخل والخارج واللاجئين، تستضيفه عاصمة عربية كالقاهرة أو الرياض التي سبق أن كانت الراعية بل وصاحبة الدور الرئيسي في ابرام اتفاق الطائف عام 1989 الذي يعتبر حجر الأساس في الوحدة الوطنية اللبنانية. ولا شك أن المصالحة والاصلاح سينعكسان بالايجاب على الموقف الفلسطيني في التفاوض، ويقللان من حجم اختراق أجهزة المخابرات الاسرائيلية لمؤسسات السلطة الفلسطينية وبخاصة الأمن الوقائي، وقيادات منظمات المقاومة، وهو اختراق رهيب بدا واضحا في سهولة القبض على المقاتلين خلال عملية الجدار الواقي في الضفة الغربية لنهر الأردن، كما أدى الى اعاقة تشكيل قيادة عسكرية موحدة لفصائل المقاومة الفلسطينية. أما الانتخابات البرلمانية والرئاسية فهي مقبولة بالقطع من حيث المبدأ، لكن شروط وتوقيتات اجرائها سوف ترتبط بالقطع بتطورات الصراع الفلسطيني/الاسرائيلي على الأرض حتى نهاية العام الحالي. ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط