الملف السياسي:الإصلاح سنة الحياة السياسية لا يمتنع عليه نظام، ولا يهرب منه مجتمع، فهو إن آن أوانه وتوفرت شروطه سيفرض نفسه سلما أو عنفا. فالجماعات حينما تضع قوانينها، وحينما تنشئ مؤسساتها، وحينما تؤسس أنظمتها تستلهم روح عصرها وتعبر عن طبيعة إدراكها لمصالحها. وكلما اتسع مدى مشاركة الجماعة، وكلما عكست المؤسسات والقوانين والأنظمة عموم مصالح الناس، كلما أوتدت أسس الاستقرار في ربوعها ومدت آفاقه بعيدا. لكن مهما تشربت هذه المؤسسات بروح عصرها ومهما التصقت القوانين والأنظمة بعموم مصالح الجماعة، فإن دواعي التطور ومتطلبات التغير تجعلها تضيق باحتياجات أهلها، وتتباعد عن مستجدات مستقبلها. وقد أدركت الجماعات الواعية المستنيرة هذه الحقيقة، حيث جعلت في صلب أنظمتها وفي مركز مؤسساتها آلية الإصلاح تعمل لا تتوقف ولا تتريث. ولو نظر المرء الى اوضاع البلدان الرأسمالية من بداية حالها إلى لحظتها الراهنة، لوجد مسارا كله تنقيح وإصلاح يسابق الأزمات الاجتماعية حتى لا تدركه، وإن أدركته يرخي لها زمام الإصلاح حتى يستوعب ثورتها ويحتوي تمردها. وقبل ذلك، وضع الإسلام الحنيف الإصلاح في قلب منظومته الفكرية، حينما جعل الاجتهاد ركنا أساسيا في تطوير آلياته الفكرية، ومصدرا جوهريا في توليد نظمه وقوانينه وخلق مؤسساته. لكن الاحتيال عليه ومن ثم إغلاق بابه آل إلى حال نألم من عواقبه، ونتعذب من نتائجه. فالثورات والانقلابات والانتفاضات والتمردات ما هي إلا تعابير عن أوضاع سدت أمامها منافذ التغيير فلم تر مخرجا إلا الانفجار تماما كما تفعل الحمم في باطن الأرض التي تولد الزلازل والبراكين. والانفجار مفتوح على شتى الاحتمالات على الإصلاح أو على الردة أو على الفوضى. وما يجري في فلسطين هو الانفجار، الذي يريد البعض أن يقوده إلى الإصلاح، والبعض يسعى به إلى الردة، والبعض الآخر يمكر به إلى الفوضى. وسبب الانفجار هو الاحتلال الذي يضطهد الناس والذي يحرمهم من حقوقهم والذي يذلهم في معاشهم. وقد ضاعف من قسوته أن من ينظم الشأن الفلسطيني في ظل الاحتلال، كان عونا للاحتلال في فساده وفي عدم أهليته وفي أنانيته. فثورة الشعب الفلسطيني في صورتها الأصلية حرب على الاحتلال، وفي إطارها الخارجي يأس ممن يتولون زمام أموره، ومن قدرتهم على أن يحققوا له أهدافه وأن يصلوا به إلى حيث ينبغي أن يكون. فقد خيبوا أمله في النهج كما في الغاية. فمن يدعو إلى الإصلاح حقا هو الشعب نفسه. ومفهوم الإصلاح لديه ساطع كالشمس في غايته وفي وسيلته. فهو يريد استعادة حقوقه كاملة، ويريد نهجا واضحا يسير نحوها. وحقوقه لا تختزلها الدولة، فالدولة لن تكون على مقاسها، وإن تكن على مقاس مصالح متزعميه. فحق العودة يضيق به مفهوم الدولة المرفوع شعارها، كما أن النهج نحو إدراكها ليس هو الأشخاص الذين يسيرون عليه، بل وضوحه واستقامته. فالنهج ليس الزعيم الفلاني، وإنما الالتزام المعين الذي يكون من جنس الغاية. فغاية حق العودة يتناقض معها منهج القبول بالإبعاد تحت أية ذريعة، كما أن تقزيم حقوق الشعب الفلسطيني إلى منن على قادته تضييع للغاية وهدر لها. ومع أن الشعب الفلسطيني على وعي مستنير بغايته وبمنهجها، لكن بينه وبينها السلطة، وهذا هو مأزقه الحقيقي. وهذا الأمر وإن لا يبدو مأزقا في البلدان الأخرى لأن الحل يبدو سهلا بإزالة ما يقف في الطريق إلى الغاية، لكن فلسطين لا تعيش ظروفا عادية، فبين الشعب الفلسطيني وسلطته يقف الاحتلال. هذا هو المأزق، الانشغال بالاحتلال ومقاومته، أم بالسلطة وتغييرها. والسلطة لا تستطيع الإصلاح موضوعا، كما أن القوى الأساسية فيها لا تريده. هي لا تستطيعه، لأن ذلك يعني نهاية حقبتها. فهي تستمد مشروعيتها من اتفاقات أوسلو التي حددت، من بين أشياء أخرى، (هيكل المجلس، وعدد أعضائه، ونقل السلطات والمسئوليات من السلطة الإسرائيلية العسكرية وإدارتها المدنية إلى المجلس)، (إعلان المبادئ، المادة السابعة، الفقرة الثانية). بل إن اتفاقية المرحلة الانتقالية تحدد، نفس المادة، سلطات المجلس التنفيذية والتشريعية وكذلك الأجهزة القضائية الفلسطينية. فالمجلس التشريعي الفلسطيني الذي يمكن أن يسن القوانين الإصلاحية قد حدد له فضاء الحركة. وقد حدد مجال عمل المجلس بتحديد جوهري، وآخر فرعي. فأما الجوهري فهو أنه يعمل في إطار السيادة الإسرائيلية، وبالتالي فالخروج عن دواعيها يسقط حقه في الوجود. فكيف به مثلا أن يشرع منهجا للمقاومة ضد الاحتلال يضم كل فصائل المقاومة وأن يعتبر العنف سلاحا مشروعا. وهل يستطيع أن يعلن أن فعاليات فصائل المقاومة العسكرية مشروعة؟ حتى في المجال الاقتصادي فإن عمل السلطة الفلسطينية مقيد بالتعاون مع إسرائيل حيث أن تطوير البرامج المحددة في ملاحق الاتفاقيات مثل المياه أو الكهرباء أو بناء المرافئ أو المواصلات تقرره اللجنة الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة، أي أن عمل السلطة خاضع للفيتو الإسرائيلي. مرجعية اوسلو وتفسير شارون فالسلطة الفلسطينية لا تستطيع أصلا أن تناقش بعض الموضوعات كي تشرع فيها ما تراه مصلحة وطنية، ثم إن إصلاحها لما هو معوج في مجالات أخرى مسلط عليه سيف الرقابة الإسرائيلية والخطوط المرسومة لها. فالتشريع الذي يمكن أن يتم في إطار أوسلو ليس إصلاحا بل بناء على أسس أوسلو. هذا من ناحية الموضوعات وهو جوهر الإصلاحات، أما الإصلاح المبني على تغيير الأفراد لفسادهم أو فشلهم فدونه صعوبتان أساسيتان. الأولى، أن السلطة لا تسمح به لأنه سيهدم بناءها ويخل بتماسكها، فهي عموما فئات تقتات من اتفاقات أوسلو ويسند بعضها بعضا في جوهر المسيرة على أسس أوسلو وإن كانت تتخاصم على قسمة منافعها. وهذا لا يعني غياب أفراد في السلطة ذوي حمية ونزاهة لكنهم يبقون أفرادا لا يجمعهم رابط ولا ينظمهم ناظم في مواجهة الفئات المتخندقة دفاعا عن مصالحها. الثانية، أن تحرك القوى من مختلف حركات المقاومة يهدد بفتنة داخلية، لأن هذه الفئات تمتلك قوى أمنية مسلحة مأجورة ولها رصيد آخر في حركاتها الأصلية قد تستعين بها تحت لواء العصبية الحزبية والفئوية. ولقد حسمت السلطة الفلسطينية على ما يبدو أمرها، وقد ظهرت آيات ذلك في مواقف متعددة. فاتفاقيات بيتونيا ثم الاتفاق على سجن أعضاء الجبهة الشعبية ورئيسها، ثم اتفاقية كنيسة المهد بإبعاد المقاومين، ثم البدء بالاعتقالات للمناضلين في غزة، كلها لغة واضحة في دلالاتها القريبة والبعيدة لا تخفى إلا على الأعمى أو ذي الهوى، تبين أن السلطة قبلت بالتفسير الشاروني لاتفاقات أوسلو بشأن مهامها الأمنية. كما أن السلطة الفلسطينية أرسلت محمد رشيد مستشار رئيسها إلى واشنطن ليعرض عليها خطتها من أجل ذلك. وقد صرح رشيد لوكالة رويترز قائلا (إن جهودا تبذل من أجل إحداث التغييرات الرئيسية في السلطة في مجالي الأمن والسياسة قبل انعقاد المؤتمر الدولي الخاص بالشرق الأوسط). ثم أكد على التزام السلطة باقتلاع المقاومة قائلا (نعلم أن الولايات المتحدة لن تقبل مسألة الأسلحة وأن يكون للمنظمات السياسية ميليشيات خاصة بها، ونحن ملتزمون بأن يكون جهاز الأمن الفلسطيني الجهاز المسلح الوحيد). وأزال رشيد كل غموض حول دور الجهاز الأمني المسلح حينما شدد على أنه (القادر على حماية التزاماتنا أمام الأطراف الأخرى بما ذلك إسرائيل إلى جانب السيطرة على الموقف الأمني في الأراضي). وهل بعد ذلك من بيان؟ فالسلطة قررت الارتداد إلى مسلمات أوسلو ولكن بتفسير شاروني لها، التي لا ترى دورا للسلطة سوى دور لحود مزينا ببعض المراسيم للفرجة الشعبية. أما الإدعاء بأن الانتخابات لا يمكن أن تجرى بوجود الاحتلال، فهو لإخفاء المقايضة. فإسرائيل وأمريكا لا يهمهما الانتخابات بقدر ما يهمهما التزام السلطة بطلباتهما. فمعظم حلفاء أمريكا يتحلبون الاستبداد من قمم رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم، ولا تحرك ساكنا إلا حين تريد ابتزازهم. بل أن السلطة كان يمكن، على الأقل، أن تقف عند بوابة الإصلاح لو قامت بثلاثة أمور، في الحد الأدنى. الأول، انتخابات فورية على كل المستويات، الثاني، فصل كامل وحاسم بين المفاوضات والمسئوليات العامة الأخرى، وأن يمنع المفاوضون من التوزر في مسئوليات عامة أخرى إلا بعد مرور خمس سنوات على انتهاء الوظيفة التفاوضية. الثالث، أن تشكل لجنة من جميع فصائل المقاومة للتحقيق في الفساد المنسوب إلى المسئولين. وما يريده الحلف الأميركي الإسرائيلي واضح كالنهار وساطع كالشمس، وهو إنهاء المقاومة التي أضحت تستنزف بشكل صارخ قدرات إسرائيل المعنوية والمادية الداخلية والخارجية. وكذلك، القبول بحلهما الذي يخلق أمراء على عدد الجزر التي ستقوم في الضفة الغربية. ففي هذه الفوضى سيتلهى أمراء الجزر بشد حبال المنافع كل إلى جزيرته. وتسند أطراف من النظام العربي هذا الحال يملي عليها ذلك عاملان. الأول، أن الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية أصبحت مصدر زعزعة لأنظمتها من حيث أنها كشف متواصل لهشاشتها وزيفها وعدم مشروعيتها. الثاني، الضغط الأميركي الذي لا تستطيع له دفعا ولا تملك حياله ردا، فكل واحد منها كالسلطة الفلسطينية مغلول بقيود أوسلو الخاصة به. والمفارقة المؤلمة والمحزنة أن درب السلطة الجديد القديم يقود إلى الصدام العاجل أو الآجل مع فصائل المجتمع الفلسطيني التي لا تواجه السلطة الفلسطينية خوفا من نتائج هذا الصدام. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن