طيلة فترة الاسابيع الخمسة التي شهدت الاجتياح الاسرائيلي الشامل لمدن ومخيمات الضفة الغربية وما تخلله من مجازر للمدنيين من نساء واطفال عزل، وحصار مهين ومذل للقيادات الرسمية الفلسطينية، وتدمير لمقار ومنشآت السلطة، وطيلة ايام وليالي هذا العدوان المتواصل الذي بلغ ذروته في مجزرة جنين وحصار كنيسة المهد لم تتوقف مشاهد انكشاف عجز النظام العربي عن اتخاذ ليس فعلا للدفاع عن الحق والكرامة العربية، بل مجرد اطلاق تصريحات ذرا للرماد في العيون، تطمئن الشارع العربي الغاضب، بأن الروح لم تفارق الجسد المنهك وان الامل مازال قائما في انتظار لحظة الفعل. «بيان الاربعاء» طرحت على المنتدى الذي عقد في مكتب «البيان» بالقاهرة سؤالا هو «ماذا بقي من النظام العربي» في محاولة للوصول الى اجابات عقلانية، تقترب من التوصيف العلمي للحالة العربية الراهنة. وتشعبت تساؤلات، فرضتها الأزمة الراهنة، حول طبيعة النظام العربي.. ومستقبله، وأسباب حالة العجز التي يبديها إزاء مايواجهه من تحديات. وهل الظروف الدولية والإقليمية هي التي وضعت العرب في هذا المأزق، أم أن طبيعة النظم العربية كانت ستقود حتما إلى حالة الأزمة؟. ثم هل حدث الانفصال بالفعل بين «النظام العربي» و«الشارع العربي»، أم انها مجرد أزمة ستمر مثل غيرها.. وستنجح النظم الحاكمة في احتوائها؟! أسئلة كثيرة، يطرحها الموقف الخطير الراهن، وتساهم الندوة والمشاركون فيها في إجلاء جانب من الأجوبة والحقائق حول هذه الأسئلة. د.مصطفى كامل السيد: لا شك في صحة التوصيف بأن النظام العربي يجتاز أزمة تفوق كل ماعرفه في الماضي. فقد قيل بعد حرب الخليج الثانية، واتساع الهوة بين عدد من الدول العربية - خاصة الخليجية منها - وبين العراق، أن هذه أخطر أزمة يواجهها النظام العربي.. ولكن رأينا بعد ذلك ان هذه الهوة أخذت تضيق، وحدث مارأيناه من مصالحة بين العراق والمملكة العربية السعودية في «قمة بيروت» الأخيرة، وتراجعت حدة العداء في التصريحات الكويتية فيما يخص العراق. لكن الملاحظ انه طوال هذه الأزمة، ظلت جامعة الدول العربية هي «بيت العرب»، ولم تتردد الدول العربية في تأييدها ومحاولة دعمها، على اعتبار ان بقاء الجامعة يمثل «رمزا» لاستمرار قدر من وحدة المصير، على الأقل، بين الأمة العربية. من ناحية أخرى، وبعد حرب الخليج الثانية، لم يكن هناك من يتصور أن الدول العربية يمكن ان تساعد قوى خارجية في الإطاحة بنظام عربي لأنه أيا كان تحليلنا لما جرى في هذه الحرب، فإن الدول العربية التي ساندت العمل العسكري الهادف لإخراج القوات العراقية من الكويت كانت تقول ان هناك خرقا للقواعد التي ينبغي ان يقوم عليها النظام العربي، وخروجا على قواعد الشرعية الدولية. ولكن في الوقت الحاضر نشهد عددا من التطورات بالغة الخطورة، منها أن الدول العربية أصبحت تتخلى عن تأييدها لجامعة الدول العربية، وذلك لصالح قوى خارجية. فمثلا، كانت هناك محاولة قام بها الأمين العام للجامعة العربية «عمرو موسى»، لرأب الصدع في العلاقات بين الكويت والعراق.. وفوجئنا بمسئولين كويتيين يتهمون الأمين العام بأنه «خرج عن حدود منصبه!»، مع أن هذا المنصب يقتضي منه أن يحاول التوفيق بين الدول العربية. كما سمعنا - في السياق نفسه - مسئولين عرب يقولون ان القضية بين الكويت والعراق ليست عربية فقط، لكنها قضية دولية أيضا.. ومن ثم، فلابد من الحصول على موافقة القوى الدولية من أجل حل أزمة هي، في الأصل، عربية - عربية. كذلك، فإنه على الرغم من أن الأمين العام لمنظمة إقليمية يفترض انه يحظى بتأييد ودعم الدول الأعضاء في هذه المنظمة، ويسعى - بعد ذلك - للحصول على دعم ومساندة قوى أخرى.. إلا أننا نعتقد ان هذه هي المرة الأولى في تاريخ جامعة الدول العربية، التي نجد فيها ان عددا من الدول الأعضاء - وربما من بينها دولة المقر نفسها «مصر» أحيانا - لا تبدي حماسا لتأييده في بعض القضايا! وهكذا، فإن «الرمز» الذي كان قائما لوجود «نظام عربي» اصبح يتهاوى أمامنا، بسبب افتقاد التأييد من جانب قوى عربية أساسية. يضاف إلى ذلك، أن أي نظام إقليمي يسعى - على الأقل - لسلامة ووحدة أراضي الدولة المنضوية تحت لوائه، لكننا نقرأ الآن في الصحف الأمريكية ان الولايات المتحدة تعول على عدد من دول الخليج لكي تساند حملتها ضد العراق، ليس لأن الأخير يهدد أيا من هذه الدول.. ولكن لأن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترضى عن النظام القائم في العراق، وتعتبر أن الإطاحة بهذا النظام هو النهاية الطبيعية لما كان مفروضا أن يحدث بعد حرب الخليج الثانية. بل انه عندما يصرح المسئولون العرب بأنهم يعترضون على قيام الولايات المتحدة بحملة عسكرية ضد العراق، فإن الصحف وبعض المسئولين الأمريكيين يزعمون أن القادة العرب يقولون في العلن خلاف مايقولون في السر أو «الغرف المغلقة»، وانهم سوف يكونون مسرورين - حسب زعمهم - بالإطاحة بالنظام العراقي! وهكذا، إذا كان أحد الأسباب الرئيسية لوجود أي نظام إقليمي هو الحفاظ على «الوحدات» التي تدخل في تكوين هذا النظام، فإننا نجد هنا - في الحالة العربية - تفريطا، أو علامات على التفريط، من جانب عدد من الدول في الحفاظ على الوحدة الإقليمية لدولة مهمة في هذا الكيان. أيضا، فإن المفروض من النظام الإقليمي ان يحترم - على الأقل - الالتزامات التي قام على أساسها، ونحن نذكر هنا ان هناك معاهدة للضمان الجماعي بين الدول العربية، تلزمها جميعا بمساعدة أي دولة من بينها تتعرض لعدوان خارجي. ولكن - كما ذكرت - فإن هناك عددا من الدول العربية مستعدة، فيما يبدو، للمشاركة في أي عمل عسكري تقوم به قوة من خارج هذا النظام ضد «وحدة أساسية» فيه. من جهة أخرى، نجد أن النظام العربي رغم انه كان رائدا في قطع خطوات على طريق التكامل الاقتصادي، أو - على الأقل - في اعلان أهميته، قبل تجمعات أخرى في العالم.. فإنه يتعثر على طريق تحقيق هذا التكامل. أضيف إلى ذلك كله، أن النظام العربي ليس عاجزا فقط عن تحقيق الأهداف التي يفترض أن يصبو إليها، ويجسدها على أرض الواقع، لكن هذا النظام لا يتكيف أيضا مع المتغيرات التي تحدث على مستوى العالم، ومتغيرات أخرى تحدث على مستوى الشعوب العربية نفسها. ومن الغريب ان نلحظ هنا أن منظمة الوحدة الإفريقية مثلا، التي نشأت بعد جامعة الدول العربية، قد تمكنت - على الأقل - من صياغة ميثاق لحقوق الإنسان والشعوب في افريقيا، وقامت لجنة افريقية لمتابعة تنفيذ وتفعيل هذه الحقوق. أما جامعة الدول العربية، فقد تم في إطارها صياغة ميثاق لحقوق الإنسان، لكن لم تصدق على هذا الميثاق سوى دولة واحدة حتى الآن، هي العراق. حتى لو تم التصديق عليه، فإنه يفتقد لأي آلية لتنفيذه.. مثلما هو الحال في اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان. وأعتقد ان السبب الأساسي في أزمة النظام العربي، إضافة إلى كل الأسباب السابقة، هو ان الدول العربية - منفردة - ترى مصلحتها في الأجل القصير تتوافق مع سعيها للخروج من قواعد هذا النظام. ومن ثم، فإن كل دولة عربية تسعى وراء مصلحتها في الأجل القريب، وتغفل قياداتها عن حقيقة أن هذا الأسلوب المنفرد سوف يعود بنتائج سلبية على النظام العربي ككل، في المدى المتوسط والبعيد، وعلى هذه الدولة نفسها أيضا. اسباب العجز العربي ـ هذا العرض، الذي قدمه د.مصطفى، يتناول مجمل الأوضاع التي انتجت الأزمة التي يعانيها النظام العربي، ولكن الوضع تطور مؤخرا، بعد ماحدث في فلسطين المحتلة، فهناك مذابح تجري على الأراضي والشعب الفلسطيني، بينما الأنظمة العربية عاجزة عن مواجهة هذا العدوان، أو عن الوفاء بماتطلبه شعوبها في مواجهته. والتساؤل المطروح الآن: كيف وصلنا إلى هذه الحالة، ولماذا زادت درجة العجز العربي، ثم ماأسباب هذا التباين بين مواقف الأنظمة العربية وبين ماتريده شعوبها؟! ـ د.أسامة الغزالي: عندما نتحدث عن النظام العربي، فإن المقصود به - بالتأكيد - هو أن هناك مجموعة من العلاقات المنظمة بين الوحدات المكونة لهذا النظام، وهي البلدان العربية الواقعة في هذا الإقليم، بغرض تحقيق الهدف الأسمى الذي يربط بين تلك الوحدات جميعها.. والتجسيد النظامي الأساسي البسيط للنظام العربي هو «جامعة الدول العربية» والحقيقة انه منذ نشأة النظام العربي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وحتى الآن.. مر هذا النظام بالعديد من التطورات التي تعكس تفاوتا في كفاءته وقدراته. وأنا أود أن أضع الواقع الراهن للنظام العربي في هذا السياق التاريخي بشكل عام، فمن المعروف انه نشأ مع ظهور الدول العربية المستقلة، عقب الحرب العالمية الثانية «1945م»، وبداية تأسيس جامعة الدول العربية.. وبدء محاولات التنسيق العربي تحت مسميات مختلفة، بهدف تحقيق الوحدة العربية بشكل أو بآخر.. حيث أدرك العرب ان هناك «شيئا ما» يميزهم ويجمع بينهم، وهذا التكتل الإقليمي يجعل لهم مصالح وأهدافا مشتركة. ثم، ومنذ العام «1955م».. وبعد بداية المد القومي الناصري، بدأت تتبلور المفاهيم الخاصة بهذا النظام.. وكان أن شهد العقد التالي - من «1955» حتى «1967» تقريبا - نموا ومدا في الحماس والمشاعر القومية العربية، وكانت علامته البارزة حرب عام 1956 وانتصار «الناصرية» فيها، هذه الدعوة التي لمست - بشكل أو بآخر - غالبية البلاد والشعوب العربية. ونحن نعرف أن المزاج العربي، في هذه الفترة، شهد نوعا من الحماس الجارف والدعوات القومية، اللذين ربما لم يتكررا بعد ذلك بنفس القدر، ونعلم جميعا أن هذا كله تأثر تأثرا شديدا بحرب «1967م».. حيث أظهر هذا النظام العربي انه يفتقد، في الواقع، الحد الأدنى من المقدرة والكفاءة في مواجهة التحديات الخارجية. ولهذا، فإن الفترة أو العقد التالي، من «1967» وحتى «1975» تقريبا، شهد ازدهارا وتطورا مهما في النظام الإقليمي العربي، تمثل في قدرة الدول العربية على أن «تكتل» طاقاتها في مواجهة عدوها، ومن أجل تحقيق أهدافها المشتركة. أتتصور أن سبب هذا يعود إلى انه بعد 1967، حدث نوع من «الاستفزاز» للجسد العربي وللقوى العربية.. وربما كانت أبرز علامة على هذه «الصحوة» في مواجهة النكسة الشديدة التي حصلت، هو «مؤتمر الخرطوم» في نفس العام، الذي حاول فيه العرب أن يقدموا صوتا واحدا وموقفا موحدا للعالم كله، حتى في ظل لحظات الهزيمة، وظهرت ماعرف بلاءات الخرطوم الثلاثة: «لا صلح.. لا إعتراف.. لا تفاوض». وهذا الموقف عكس - في الحقيقة - قوة في النظام العربي، في مواجهة الضغط الذي وقع عليه.. وكنوع من رد الفعل، لأنه كان هناك تخوف عربي عام من ان تفسر تلك الهزيمة على إنها تعني «نهاية» العالم العربي، ونهاية المقاومة والآمال العربية. وذهب «عبدالناصر» وهو منكسر ومهزوم إلى «الخرطوم»، وعاد وحوله هذا الإجماع العربي.. وبالتالي كشفت الأحداث وتداعياتها عن أن هناك نوعا من «الانتعاش» في النظام العربي، بعد النكسة التي أصابته. وأنا أتصور أن ذروة أداء مانسميه «النظام العربي»، كانت - بعد ذلك - في عام 1973م.. لماذا؟ لأنه في هذا العام تمكن العرب، للمرة الأولى في تاريخهم.. ونرجو إلا تكون الأخيرة، من أن يقفوا موقفا مشرفا في مواجهة عدوهم، وخاضوا حربا ناجحة.. لم تكن عسكرية فقط، وانما استخدم أيضا «سلاح البترول» في تنسيق رائع بين «الأسلحة» العربية المختلفة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، وكانت هذه فترة مجيدة في الأداء العربي. ولذلك، لم تكن مصادفة أن يتحدث العالم - بعد هذه الفترة - عن «القوة العربية السادسة»، وتخيل العالم أن هذه بداية «صحوة» قد تكون مخيفة.. ويجب ان توضع في الحسبان، وبدأ بالفعل في التحسب والتدبر لها. ولكن، مالبث هذا كله ان اختفى، بسبب تداعيات حرب .1973. من اتفاقيات «فض الاشتباك» الأولى والثانية، خاصة الأخيرة منهما، وبدء الشقاق على الصعيد العربي إزاء مايحدث بالنسبة لإسرائيل، حيث بدأت «نكسة» أخرى للنظام العربي، تداخل معها سلوك «أنور السادات» وذهابه إلى إسرائيل عام 1977، ثم حدثت نكسة أخرى اكثر خطورة بسبب الصلح المصري الإسرائيلي - حيث أصبحت مصر في ناحية.. وبقية العرب في ناحية أخرى، ودخلنا «دوامة كبرى» نعلمها جميعا، وطالت هذه المرة كثيرا.. حيث دخل العرب الثمانينيات من القرن الماضي وهم منقسمون، ولم يكن هناك - في الواقع - مايمكن ان يسمى «نظاما عربيا».. لأن أقطابه المحورية كانت متنافرة. وبعد وفاة «السادات» بدأت الأمور تختلف قليلا، وظهرت محاولات لتنسيق المواقف لمواجهة الخطر الإسرائيلي وغزو لبنان، إلى أن ظهرت - في أواخر الثمانينيات - بوادر لحدوث نوع من «الالتئام» في النظام العربي، ولكن هذا لم يستمر طويلا للأسف.. حيث فوجئنا، في عام 1990، بالغزو العراقي للكويت.. وماترتب عليه من مشكلات أخرى للنظام العربي، حيث دخلنا في معارك عربية - عربية، مع وجود القوى الخارجية الأخرى. ورغم مرور أكثر من «10» سنوات على هذا الغزو، وخروج القوات العراقية من الكويت، إلا أننا لا نستطيع ان نقول إن النظام العربي قد شفى تماما مما أصابه بعد هذه المحنة، وان كانت الجروح قد بدأت تلتئم.. ولكن ببطء شديد. ومع مؤتمر القمة العربية الأخيرة في «بيروت» كان هناك إحساس بظهور «حد أدنى» من الاتفاق بين العالم العربي، وبدأت تداعيات أزمة العراق والكويت - التي استطالت لأكثر من عقد كامل - تجد، في هذا المؤتمر بالذات، نوعا من «الحل» الذي فاجأ العالم.. وكان هذا أحد أهم إنجازات المؤتمر، وشهدنا تلك المصالحة التي حدثت بين العراق والسعودية. والأهم من ذلك، انه حدث «توافق» بين كافة الأطراف العربية، بما فيهم العراق وسوريا وليبيا.. وبقية الدول، على مشروع عربي واحد للسلام - الذي قدمته السعودية - والتعامل مع الصراع العربي - الإسرائيلي. وهذا - في حد ذاته - يعتبر أمرا مشرفا، حتى في منظور العالم الخارجي، فهو يعني ان العالم العربي كله قدم إسهاما أو مبادرة للسلام.. وهذه من اللحظات القليلة التي بدا فيها العرب وكأن لهم «استراتيجية» واضحة محددة، تقول: «هذه هي مطالبنا». انما المثيرة للدهشة في هذا كله، ان هذه العلامة على التوحد في النظام العربي، بعد فترة طويلة من الانقسام، جوبهت من جانب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية برد الفعل الذي كان يبدو كما لو كان «مفاجأة» لنا جميعا، وهو ليس كذلك تماما، ففي نفس اليوم الذي صدرت فيه قرارات ومبادرة القمة العربية كانت تسبقه بساعات «عملية نتانيا» الفدائية، ويقتنص «شارون» هذه الفرصة.. وبحجة «مواجهة الإرهاب» حدث ماحدث من اجتياح لأراضي الضفة الغربية، وتم هذا بتواطؤ أمريكي.. لا شك في ذلك، وأحبطت بالتالي هذه العلامة على التوحد في النظام العربي. لكن ماهو أسوأ من ذلك، ليس فقط إحباط هذا التوجه العربي، وانما «حالة العجز» التي بدت شديدة الوضوح في مواجهة هذا «الغزو الشاروني» للنظام العربي، والتي ظهرت في وقت كان المواطن العربي يفترض انه في مواجهة هذا الغزو وهذه الهجمة.. وهذا التجاهل الشديد لمبادرة السلام العربية، يمكن ان يوجد موقف عربي فيه حد أدنى من الاتفاق.. وحد أدنى من الصمود. لكن الواقع يقول إننا فوجئنا جميعا بحالة من التشتت تفوق كل ماكان متصورا، واتسمت التحركات العربية في الأسابيع الأخيرة بأنها تكاد تكون «فردية» صحيح أننا نسمع ان هناك «تنسيقا عربيا» واتصالات هنا وهناك، لكني - في الواقع - لا أتصور إلا إنها تحركات وتصرفات منفردة، لا تتسق حتى مع حالة «الاتفاق العام» التي كانت موجودة في مؤتمر بيروت، وكأن كل ما أنجز قد أصابه الشرخ أو العطب المفاجئ! من التوافق الى التشتت ـ لماذا انتقلت الدول العربية إذن من «حالة التوافق» التي تحققت في بيروت، إلى حالة التشتت والعجز عن مواجهة مايحدث؟! ـ د.محسن خليل: اعتقد ان الحديث عن الموقف في إطار النظام العربي لابد ان يدفعنا إلى ان نستذكر حقيقة تميز هذا النظام عن غيره من النظم الإقليمية. وأرى أن أحد مفاتيح تفهم مايجري في وطننا العربي، هو الاستذكار الدائم للطبيعة والخصوصية التي تسم هذا النظام، إذ انه نظام إقليمي قومي أولا وقبل كل شئ.. وهذه «الصفة القومية» تنشئ نمطا من العلاقات بين وحدات النظام، تختلف عن النمط الذي يسود العلاقة بين وحدات أي نظام إقليمي آخر.. وكذلك طبيعة التفاعلات بين هذه الوحدات ستكون مختلفة، ثم الآثار التبادلية بين تلك الوحدات هي أيضا من طبيعة مختلفة. فنحن عندما ننظر إلى خريطة النظام الإقليمي القومي العربي، سنجد أن مايجري في احدى وحدات هذا النظام ينتقل إلى الوحدات الأخرى بطريقة الانتشار.. أو مايسمى - مجازا - بنظرية «الأواني المستطرقة»، بينما لا نجد هذا التأثير قائما في أي نظام إقليمي في أي مكان من العالم على الإطلاق. ففي النظام العربي، عندما يحصل نهوض في مصر، تجد هذا النهوض ينعكس على الوطن العربي من أقصى المحيط إلى أقصى الخليج، والعكس صحيح.. فعندما يحدث نوع من النكوص في مكان ما من الوطن، تنسحب آثاره على الجميع. الإضافة الأهم والأخطر من ذلك، في تحديد طبيعة هذا النظام، ان الشعب العربي في أي وحدة من وحدات النظام يشعر بأنه جزء مكمل لبقية الأجزاء الأخرى.. وبالتالي فهو معني بما يحصل، سواء بالسلب.. أو الإيجاب.. فهو في حالة الإيجاب معنى باستلهام القدوة والنموذج الذي يجري في مصر أو سوريا أو السودان أو العراق أو اليمن وغيرها.. وفي حالة السلب، ينتفض الشعب العربي أيضا ويحدد موقفا.. ويبيح لنفسه أن يتدخل وأن يعارض وأن يتحرك، لأنه يشعر بأن السلبيات يتحملها هو.. وان النظام السياسي في هذه الوحدة أو تلك من وحدات النظام، يتصرف في قضية تمسه. هذه الحقيقة انعكست على صانع القرار السياسي، ولذلك نجده يتصرف بتحفظ شديد.. وبحذر، وأحيانا بريبة، إزاء أي حدث في المنطقة. وللأسف أن بعض وحدات هذا النظام تتصرف بحذر - أيضا - من الشارع لديها، وتدخل أحيانا في علاقة غير وفاقية.. وغير تكاملية، بينها وبين الشعب في إقليمها أو دولتها ولذلك نجد أن النظام العربي عانى سلبيتين رئيسيتين في هذا الإطار: الخلاف بين الوحدات التي يتكون منها هذا النظام، ثم الخلاف بين الحاكمين والمحكومين.. وفي الحالتين هو الاختلاف على مايجب ان تكون عليه مواقف وسياسات الوحدات المكونة لهذا النظام الإقليمي القومي العربي. لذلك، إذا استعرضنا واستذكرنا النشأة الرسمية للنظام الإقليمي العربي، ممثلة في جامعة الدول العربية فسنجد ان إقامة الجامعة كانت محاولة لاحتواء والتوفيق بين المد القومي الجارف على المستوى العربي، الذي كان يتطلع ان تتوج مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية بإقامة «الدولة العربية الواحدة»، وبين التحفظ والقلق من جانب الدول والأنظمة حديثة الاستقلال وحديثة التكوين على كيانيتها القطرية من هذا المد القومي الصاعد والجارف. ولذلك وضعت عناصر هذا النظام لكي تقنن وتلجم «الاندفاعة القومية» والمحتوى القومي لمشاعر الشعوب العربية في ذلك الوقت، لصالح تهدئة مخاوف الدول والأنظمة. وهذا هو بالضبط ماأدى - في تقديري - إلى مانسميه - «التناقض داخل النظام العربي»، الممثل في تضخم «الدولة القطرية» على حساب الهدف القومي والعلاقات المشتركة والمصيرية القومية بين وحدات النظام الإقليمي العربي، ومن جهة أخرى فشل «الدولة القطرية» نفسها. اذن، هناك سياسات تعمدت ان تكرس «الكيانية القطرية» وتحولها أحيانا إلى مايسمى «الكيان المرادف للأمة» إلى الحد الذي يجعل بعض الدول العربية تصف شعوبها بأنها «أمة» وهناك دساتير في أقطار عربية تطلق على الشعب في الدولة كلمة «الأمة» فهناك - كما قلت - «تضخم» في الدولة القطرية، وفي الوقت نفسه أنشأت هذه الدولة «مصالح» لأبناء الشعب في هذا البلد مرتبطة بالدولة القطرية، فاصبح لها نفوذ على الشعب.. وتستطيع ان تؤثر في حركة الشارع. من جهة أخرى، فبقدر ماتضخمت الدولة القطرية.. وبقدر ماامتلكت - إلى حد كبير - نوعا من التنظير الذي يبرر لها هذه الكيانية، نجد أنها سجلت إخفاقا هائلا في إثبات شرعيتها، سواء على المستوى العسكري والأمني، أو على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتنموي، وكذا على المستوى العلمي والتكنولوجي.. ولذلك لا نجد في إطار وحدات النظام الاقتصادي العربي على الإطلاق، سواء الغنية منها أو الفقيرة.. الكبيرة والصغيرة، من استطاعت - كدولة قطرية - أن تثبت كفاءة عالية في شرعية أدائها السياسي أو العسكري أو الاقتصادي. ومن هنا، أنا أعتقد ان العطب والوهن الذي تسلل إلى النظام العربي مدخله كان هذا الضعف في شرعية الأداء. ولنأخذ مثالا الجانب الاقتصادي، نجد عجزا في موازين المدفوعات في أغلب الدول العربية تقريبا، وبطالة عالية.. مما أدى إلى الاستدانة من الخارج. وتنامي الديون الخارجية يجعل الدولة مضطرة لأن تخضع لشروط الجهات المقرضة، وانعكس هذا الخضوع على القرار السياسي.. فلم يعد حرا، وبات محكوما بكثير من القيود. هذا عن الدول ذات العجز المالي. وعندما نأتي للدول ذات الفائض، سنجد «تبعية» مماثلة من حيث الجوهر.. فهناك إحساس يتولد لدى دول الفوائض المالية أنها لا تستطيع ان تحميها، وتحتاج إلى من يساعدها في توفير هذه الحماية، وخاصة من ما يخيل لها انه «طمع» من أشقائها في إطار النظام العربي في ثروتها. وبالتالي تعتمد على جهات من خارج النظام الإقليمي، وتفقد - أيضا - استقلالية القرار السياسي. وهكذا نجد أن كلا من دول العجز أو دول الفائض المالي قد فقدت، بدرجة أو بأخرى، قدرا من حرية قرارها السياسي. وعندما تفقد وحدات النظام الإقليمي العربي استقلالية قراراها السياسي، لا تستطيع أن تنتظر منها مواقف تنسجم مع تماسك ومصلحة النظام ككل، أو حتى مصلحة كل وحدة من وحدات هذا النظام. لذلك كله، اعتقد ان المدخل الصحيح يتمثل في أن تعي عناصر النظام الإقليمي العربي انهم في كل الأحوال لن يستطيعوا ان يسجلوا كفاءة أداء عالية، سواء على المستوى العسكري والأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي.. ولا على مستوى العلاقة التكاملية بين الحاكم والمحكوم داخل أية وحدة من وحدات هذا النظام، إلا من خلال العودة إلى الإطار القومي. الأمن الجماعي اللواء صلاح سليم: من المفيد الإشارة هنا، إلى انه عندما أبرم «بروتوكول الإسكندرية» في 7 أكتوبر 1944 ، سمى النظام الإقليمي العربي «جامعة الدول العربية».. ولم يسم «منظمة الأمم العربية» مثل منظمة الأمم المتحدة التي أنشئت بعد ذلك بعام واحد، مع أن الجامعة قامت على أساس إنها تكتل قومي.. ورغم ذلك سميت جامعة «الدول» العربية، والهدف الأساسي من قيام أي نظام إقليمي، يكون هناك اتفاق في المصالح بين وحداته.. وتدعمها الثقافة المشتركة والظرف التاريخي.. ومقومات التقارب الديني واللغوي وغير ذلك، هذا الهدف هو «الأمن الجماعي» بشقيه الأساسيين: الأول هو الاقتصادي والتكنولوجي، والثاني هو الشق العسكري. فإذا توفر التعاون الاستراتيجي الاقتصادي الذي يصل إلى درجة التكامل، ثم إلى «الوحدة» إذا كان هذا التكتل قوميا ومبنيا على أسس صحيحة، وإذا تحقق الأمن الجماعي في الجانب العسكري.. بالدفاع المشترك الحقيقي، أمكن أن نقول إن هذا النظام ناجح، في بنائه، وانه يحقق المطلبين الرئيسيين في «الأمن الجماعي». وعندما أدركت جامعة الدول العربية هذه النقطة، أبرمت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي في عام «1950». وهي معاهدة بنودها جيدة، وليست كما ذكر بعض المنتقدين لها، وياليتنا نستطيع ان نطبقها، وهذه المعاهدة منذ أبرمت بدأت بسبع دول.. أخذ عددها في التزايد حتى وصل إلى «18» دولة بانضمام الإمارات العربية المتحدة عام «1978» ولكن لنا أن نتساءل: ماذا حققت المعاهدة في الجانب العسكري؟.. مع ان الدول العربية تعلمت درسا حادا في جولة «1948» مع إسرائيل، عندما حشدت الجيوش العربية التي دخلت الحرب في فلسطين «ثلث» عدد القوات التي استطاعت الدولة الصهيونية ان تحشدها! وهذا لأن المسألة، سواء كان في الجانب الاقتصادي أو العسكري.. والى يومنا هذا، ان هناك فرقا بين مانسميه استراتيجية «القوى الشاملة» و«القوى المؤثرة».. وبالنسبة للعالم العربي فإن قواه «الشاملة» عظيمة، بترول واقتصاد وطاقات بشرية.. وكم ضخم من الأسلحة والمعدات وغيره، ولكن القوى «المؤثرة» هي التي تستطيع ان تحشدها الدولة أو الأمة لتحقيق هدف معين، وفق أسلوب محدد.. وبتخطيط زمني وقيادة مشتركة تمتلك التصميم على الوصول إلى هذا الهدف. وللأسف، فإن فكر «القوى المؤثرة» في الصراعات العربية مع تهديدات الأمن القومي الخارجية، لم يكتمل سوى مرة واحدة.. في حرب «أكتوبر 1973» ففي الجانب العسكري، كانت هناك معاهدة دفاع مشترك بين مصر وسوريا مباشرة، وليست تلك التي في إطار جامعة الدول العربية، وكانت معاهدة محددة البنود.. ووصلت إلى قمة ليس «تنسيق» التعاون فقط، بل «تنظيم» التعاون العسكري بين الدولتين، في كل المستويات: الإستراتيجية والتعبوية والتكتيكية. وساند هذا التعاون انه كان هناك «عمل اقتصادي» جيد، وهو توظيف «سلاح البترول» وكذلك الدعم الاقتصادي للدول التي تخوض المعركة في زمن الأزمة. وليس سرا ان الجزائر - مثلا - دفعت للاتحاد السوفييتي السابق - إبان حرب 1973 - ثمن أسلحة ومعدات «لواء مدرع» كامل، وصل إلى الجبهة المصرية خلال إدارة الحرب. فهذا الوجود للتعاون الاستراتيجي والاقتصادي والعسكري لم يتحقق، كما قلت إلا في حرب أكتوبر. كانت هناك محاولة في إطار معاهدة الدفاع العربي المشترك، في بداية الستينيات «1961»، وكانت ناجحة.. عندما شكلت قيادة عربية وقوة أمن عربية، لحل الأزمة التي نشبت بين العراق والكويت. وياليت هذا النموذج تكرر عندما غزا العراق الكويت عام «1990»، لكن لم يحدث هذا. وكانت هناك محاولة أخرى، لم تثمر ولم تنجح، في عام «1976».. عندما لم تكتمل عملية تشكيل قيادة وقوة أمن عربية، يمكنها ان تعمل لحل مشاكل الاقتتال في لبنان.. ووقف نذر ومقدمات الحرب الأهلية، ولكن هذا الموضوع لم يتم.. وتوقف التعاون العسكري العربي، طبقا لمعاهدة الدفاع المشترك، في نفس ذلك العام «1976». وعندما حدثت مأساة الغزو الإسرائيلي للبنان، فيما سمى بـ «عملية سلام الجليل» عام 1982، وقف العرب جميعا عاجزين أمام محاصرة عاصمة عربية - هي بيروت - لأول مرة في مسار الحرب العربية - الإسرائيلية. وعندما غزا العراق الكويت «1990»، جرى «توظيف» لمعاهدة الدفاع المشترك لأننا بهدف مساندة بلد عربي تعرض للعدوان وفي واقع الأمر أن فهمنا أيضا للدفاع المشترك في هذا التوظيف لم يكن واضحا ودقيقا، لأننا عندما قررنا دعم الكويت لم نتنبه إلى ان التحالف متعدد الجنسيات الذي أدارته الولايات المتحدة الأمريكية، لم تدره استراتيجيا وفق مبدأ القيادة المتحالفة أو المشتركة، لكنها طبقت منطق ومفهوم «قيادة التنسيق».. الذي بموجبه انفرد القائد الأمريكي بإدارة العمليات وقيادتها، وجعل الهدف الاستراتيجي للحرب ليس فقط مجرد تحرير الكويت.. ولكن تدمير العراق بالدرجة الأولى. وحتى عندما شاركت القوات العربية، وكان بعضها كبير الحجم.. مثل القوات المصرية التي كانت الثانية - من حيث العدد - في القوات المشاركة في التحالف.. وقصرت عملياتها على مسرح الكويت وحده، فإن تلك القوات العربية عملت وفق «قيادة تنسيق».. وليس وفق قيادة متحالفة ومشتركة. ويعني ذلك انه حتى عندما تشترك دول عربية مع قوة كبرى في عمليات عسكرية، فإنها تنسى أيضا مبدأ «القيادة المشتركة»، الذي لم يتحقق إلا بين مصر وسوريا فقط في عام 1973. ثم، كيف نبحث ونتحدث عن التنسيق العسكري.. وعن القيادة المشتركة وتفعيل معاهدة الدفاع، بينما نجد ان الجامعة العربية نفسها لم تجتمع بعد كارثة انقسام العالم العربي عام 1990 سوى في اجتماع طارئ عام 1996 بالقاهرة. ثم قمة طارئة أخرى في أكتوبر 2000 بالقاهرة أيضا، وبعدهما كانتا القمتان الدوريتان في «عمان» 2001 وبيروت 2002 وفي كل الأحوال، لم يطرح مطلقا في أي من هذه القمم العربية تفعيل معاهدة الدفاع المشترك. ورغم إنني اعلم ان هناك عناصر عسكرية في جهاز جامعة الدول العربية، ولها جهود طيبة في مجال توحيد المصطلحات، وقد شاركت في بعضها أثناء عملي بالقوات المسلحة المصرية، لكنني أزعم ان الجامعة العربية تفتقر إلى وجود «أمانة عسكرية» قادرة وفعالة، حتى لمجرد إعداد الدراسات التي يمكن ان تخدم بناء جهد منسق من أجل تفعيل معاهدة الدفاع المشترك. نأتي إلى الجانب الاقتصادي، نجد أن الدول العربية التي تعاني - كما أشار السفير محسن خليل - درجات من التبعية السياسية والاقتصادية، التي تؤثر في استقلالية قرارها السيادي، لا تجد دعما عربيا.. رغم أن العرب يملكون - في اللحظة الراهنة - أرصدة في بنوك الغرب تبلغ 1500 مليار دولار، كودائع وحسابات استثمارية، منها 800 مليار في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها.. تتقاضى عنها الدول والرأسماليون العرب فائدة منخفضة. ولكي تكون المقارنة من الواقع، نجد أن حجم التدفقات الاستثمارية العربية السنوية إلى دولة مثل مصر - كأكبر سوق عربي - لا تصل إلى مليار جنيه، أي نحو «200» مليون دولار فقط سنويا. اذن فكر التكامل الاقتصادي العربي غير واضح. وعندما فكرت مصر في الجمع بين التعاون الاقتصادي والعسكري، بأن يكون هناك تمويل مشترك في مجال التسليح، انطلاقا من حقيقة ان الدول التي لا تنتج غذائها وسلاحها.. لا يمكن ان يكون عندها استقلال اقتصادي وسياسي أو حرية قرار عسكري، فأنشأت «الهيئة العربية للتصنيع».. ولكن كانت النتيجة ان «اختلقت» أسباب عن قيمة أصول المصانع التي دخلت فيها، وخلافات حول سياسة الإنتاج وسياسة التسويق، ثم انسحبت الدول العربية الثلاث التي كانت - إلى جانب مصر - أطرافا في الهيئة ولسنا في حاجة إلى تأكيد انه ما من دولة عربية تستطيع بمفردها الدخول في مشروعات كبرى لتطوير صناعة السلاح وبرامج التسلح، إلا باستثمارات عربية مشتركة. وأيضا من المهم وجود تنسيق في هذا المجال، بحيث لا تتكرر صناعة أسلحة أو ذخائر في أكثر من دولة عربية، تحقيقا للتكامل.. وتوفيرا للتمويل. النقطة الأخيرة في حديثي، انه عندما حدث الصدع الرئيسي في النظام الإقليمي العربي في حرب الخليج الثانية، لم تتنبه الدول العربية جميعها أن العالم يتحول إلى نظام دولي جديد يبنى على التكتلات الاقتصادية، وعلى وجود «وحدات مهيمنة» في قلب النظام العالمي، هي القوى العظمى والكبرى التي تملك إمكانيات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية فائقة، ثم دول «تابعة» في أطراف هذا النظام.. وهي دول العالم الثالث التي لم تستطع ان تدخل في تحالفات مبنية على مصالح مشتركة، ولم تقدر ان تدعم وجودها سويا في إطار منظمات إقليمية، والولايات المتحدة، القوة العظمى الرئيسية في عالمنا الآن.. والوحيدة لسنوات مقبلة، تريد ضرب كيانات المؤسسات والمنظمات الإقليمية.. والهيمنة عليها، من خلال السيطرة على.. أو إقامة علاقات وثيقة مع الدول المحورية أو الأساسية في أي نظام إقليمي. وبالنسبة للعالم العربي، فالولايات المتحدة تريد هذه العلاقات الخاصة مع دول رئيسية، مثل مصر والسعودية وسوريا والجزائر.. وكذلك العراق، إذا استطاعت تغيير نظام الحكم فيه.. وجعله مواليا لها. وهي تحاول عن طريق تلك العلاقات التأثير على النظام الإقليمي العربي، بما يخدم مصالحها وأهدافها. نظرية الحلول المنفردة! د.مصطفى: أريد أن أعود إلى بعض جذور أزمة النظام العربي، وأقول إنه صحيح ان هذا النظام يتسم بطابعه القومي، الذي كان يمكن ان يشكل «عنصر قوة» لو تم البناء على الوحدات القطرية للنظام من اجل تطوير هذا الطابع القومي. بعبارة أخرى ان الطابع القومي كان سيصبح عاملا من عوامل قوة النظام الإقليمي العربي، لو تم الاعتراف بأن هناك واقعا قطريا آخر.. وانه ينبغي البناء على هذا الواقع، وليس تجاوزه دون ان تكون الظروف مناسبة لذلك. ولهذا نرى انه بسبب هذا الطابع القومي، جرى «الاستهانة» بالحدود فيما بين الدول العربية، ووجدنا بلدانا عربية لا تعترف أصلا بالحدود التي تفصلها عن دول عربية أخرى، وتقوم باجتياحها.. وتفرض سيطرتها عليها. أو أن نجد بلدانا عربية تعجز عن حل منازعات الحدود فيما بينها، لأن منها من لا يعترف باستقلال الدولة الأخرى وسيادتها على أراضيها. وهكذا، بدلا من أن يكون الطابع القومي عنصر قوة للنظام العربي، أصبح - في الحقيقة والواقع - واحدا من أسباب المنازعات والخلافات داخل هذا النظام. ولهذا السبب اعتقد ان منظمة الوحدة الإفريقية كانت في وضع أفضل من جامعة الدول العربية، لأن ميثاق المنظمة الإفريقية - منذ نشأتها عام 1963 - يقر بخصوصية الحدود الموروثة عن الدول الاستعمارية، لذلك لم تواجه المنظمة مشكلات خطيرة مثل تلك التي واجهتها الجامعة العربية. وأعتقد ان هناك أزمتين لم تنجح جامعة الدول العربية في التعامل معهما، في الوقت المناسب، بحكمة وفعالية. فلابد أن نعترف ان وجود القوات السورية في لبنان لا يحظى بموافقة أطراف لبنانية منها الأطراف المسيحية.. ومع ذلك فإن هناك تقبلا عربيا للوجود السوري في لبنان، على الرغم من أن ذلك يسبب - بكل تأكيد - توترا بين الشعبين والأزمة الثانية كانت غزو العراق للكويت 1990. رغم ذلك كله، ما زال هناك تطلع إلى كيان قومي عربي أوسع، ولكن - في الوقت نفسه - من دون وضع استراتيجية واقعية للتعامل مع الكيانات القطرية القائمة. ولا أقول ان وجود هذا الكيان ينبغي ان يستمر، لأنه من الطبيعي ان يكون هناك سعي لتحقيق التكامل لكن لابد من وجود تلك الاستراتيجية الواقعية التي اتحدث عنها.. لنقل الكيانات القطرية إلى مرحلة أعلى من التكامل والتضامن، دون محاولة للقفز على واقع وجود تلك الكيانات. من ناحية ثانية، وفي سياق تفسير أزمة النظام العربي في الوقت الحاضر، هناك دور - بالتأكيد - تلعبه القوى الخارجية في هذه الأزمة، ولكن هناك - أيضا - مسئولية يتحملها أطراف هذا النظام. ولا شك ان جانبا من الأزمة يعود إلى التحولات العميقة في النظام العالمي، التي تمثلت في انهيار الاتحاد السوفييتي.. وبالتالي عدم وجود قوة مناوئة للولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت طرفا فاعلا في النظام الإقليمي العربي بحكم مساندتها الكاملة لإسرائيل. حيث أصبح عدد من القيادات العربية يرى انه لا سبيل لمواجهة إسرائيل، بسبب التأييد الأمريكي، ولأنه ليس هناك قوى أخرى مناوئة للولايات المتحدة. والأخطر من ذلك أن هذه القيادات العربية لا ترى إنها عاجزة فقط عن مواجهة إسرائيل بشكل منفرد، بل تعتقد أيضا ان الدول العربية لا تستطيع الوقوف مجتمعة أمام إسرائيل! أي انه حتى إذا كان هناك تضامن عربي، كما حدث في «أكتوبر 1973» تفضيل بعض هذه الدول فهناك الآن «قناعة» لدى عدد لا بأس به من القادة يرون أن الدول العربية سوف تعجز عن التعامل مع إسرائيل. وهذا يفسر تفضيل اللجوء إلى حلول منفردة مع الدولة العبرية، وجدنا ذلك في حالة مصر، وفي حالة الأردن، وكذلك القيادات الفلسطينية.. وربما تكون هناك دول عربية أخرى مرشحة لأن تسلك نفس المسلك لو رأت إمكانية لأن تحصل على «تسوية ما» بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا أقول أن أزمة النظام العربي لا تعود إلى التغيرات العالمية وحدها، وانما - في جزء منها - إلى إدراك القيادات العربية ان التضامن العربي لن يؤدي بها إلى بلوغ أهدافها. وأعتقد هنا ان الرئيس المصري «أنور السادات»، منذ اتفاقية «فض الاشتباك» الثانية «سبتمبر 1975» كان قد وصل إلى قناعة بأنه لا يمكن الوصول إلى تسوية لقضية احتلال إسرائيل لجزء من سيناء. إلا عن طريق «صلح منفرد» معها، تباركه الولايات المتحدة الأمريكية، وانه أيا كان مستوى التضامن العربي.. فإنه وحده لن يكون كافيا لكي يجعل مصر تستعيد أرضها المحتلة. وقد نختلف أو نتفق حول خطوات وسياسات «السادات»، لكن المؤكد ان هذه القناعة كانت موجودة أيضا في الأردن، وكذلك لدى القيادات الفلسطينية التي تخلت عن محاولة الوصول إلى موقف عربي مشترك، بالتوافق مع سورية والأردن ولبنان، ولجأت - من خلال اتفاقية أوسلو - إلى صلح منفرد أيضا. هذا كله يفسر عدم وجود «أمانة عسكرية» في جامعة الدول العربية حاليا، لأنه إذا كانت البلدان العربية صادقة مع نفسها فسوف تقيم هذه الأمانة العسكرية، التي يمكن ان يترتب على وجودها نقلة في التعامل مع إسرائيل. وعندما كان النظام الدولي قائما على «الثنائية القطبية» كانت هذه الأمانة موجودة.. وتنشط في بعض مجالات التعاون العسكري المشترك، وحينما تغير هذا النظام لم تر الدول العربية أي فائدة أو جدوى للتعاون العسكري فيما بينها متعللة بأن الهوة شاسعة في ميزان القوى بينها وبين إسرائيل.. وليس هناك قوة عالمية أخرى تعوض الدول العربية عن هذه الفجوة. يمكن ان نعترض على هذا التصور، لكن اعتقد انه كان التصور بعض الحاكم لسلوك القيادات العربية. مشكلات النظام العربي إذن، يفاقم منها عدم إيمان بعض القيادات بجدوى التضامن العربي فهي لا ترى ان هذا التضامن يمكن ان يحدث نقلة كيفية في تعاملها مع القضايا الداخلية في الوطن العربي. أضيف إلى ذلك، انه ينبغي الاعتراف بالدولة القطرية وقبولها، وينبغي تشجيعها على حل المشكلات التي تواجهها.. لأن أحد أبعاد الأزمة التي يواجهها النظام العربي الآن، ليس فقط في غياب التضامن.. وحالة العجز العام عن الفعل، وانما أيضا هناك احتمال أن بعض الواجدات المكونة لهذا النظام سوف تتفكك. ففي السودان - مثلا - المسألة ليست خطرا فقط، ولكن كان هناك وعد - بالفعل - لسكان الجنوب من الحكومة السودانية بأن تسمح لهم بالاستفتاء حول ما إذا كانوا يريدون الاستمرار في كيان سياسي واحد مع الشمال، أم يرغبون في الاستقلال. وهناك أيضا مايجري في العراق الآن، من انعدام سلطة الدولة المركزية على الشمال.. وتقلصها في منطقة جنوب العراق. كذلك هناك أزمة طائفية، لم تختف تماما، في الجزائر. لذلك أعتقد انه لبناء نظام عربي، لابد - أولا - من الاعتراف بالدولة القطرية وتقويتها، ثم نحاول أن نبني - على أساس هذا الاعتراف - نظام إقليمي فاعل في المستقبل المنظور. ضعف عام.. وتناقضات! ـ إذن.. هل تعبر حالة العجز الحالية عن فشل العمل العربي المشترك، وهل يمكن التفاؤل في إمكانيات تعافي النظام العربي.. أم أن الشواهد حولنا تجعلنا أكثر تشاؤما، في ضوء زيادة التدخل الأجنبي في شئون المنطقة، وتوسيع وزيادة عدد القواعد العسكرية الأجنبية في بلدان عربية، ووضع دول أخرى على خريطة الاستهداف - سواء الإسرائيلي أو الأمريكي - مثل العراق وسوريا ولبنان؟! ـ د.أسامة الغزالي: أريد - أولا - أن أبدي ملاحظة سريعة، بالنسبة لما قيل حول طبيعة جامعة الدول العربية، تفسر لنا كثيرا مما يحدث الآن. فقيام الجامعة لم يكن الغرض منه على الإطلاق تحقيق الوحدة العربية، إنما كانت أداة للتحايل على موضوع الوحدة العربية، مثلما قال السفير محسن خليل، فهي تجمع بين دول.. وبالتالي كانت حلا عبقريا للاستجابة للمشاعر القومية الجارفة واحتوائها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الأقطار والكيانات القطرية إذن فهي جامعة للدول العربية وستظل كذلك بمعنى إنها تحافظ وتكرس القطرية العربية. ننتقل إلى الحديث عن الوضع الراهن، ونلاحظ ان أوقات التهلهل والضعف في النظام العربي ارتبطت - أساسا بالحروب والأزمات، وهذه مسألة لها منطقها.. لأن الكيانات الإنسانية مثلها مثل الكائن البشري، فهو أساس نشأتها يظهر معدنها ليس في اللحظات العادية.. وانما في لحظات الخطر، التي تكشف عن الإنسان الضعيف أو القوي.. الشجاع أو الجبان.. الصلب أو المتردد. وهذه كانت تجربتنا دائما في العالم العربي إذ يبدو مظهرنا عاديا في اللحظات العادية، فإذا ما أصابتنا أزمة انكشفت كثير من الحقائق التي لا نعرفها، أو «نتعامى» عنها. والسؤال المطروح: لماذا حدث هذا الآن؟!.. أولا: يجب ان نعترف انه في مقدمة أسباب حالة العجز والانكشاف الواضحة للنظام العربي، التي ظهرت الآن في مواجهة هذه الأزمة، ضعف البلاد العربية منفردة.. يجب ان نسلم بأننا كأقطار عربية، بالرغم من بعض التفاوتات هنا أو هناك، نعاني حالة من الضعف العام. ففي الجانب السياسي نجد ان النظم العربية لم تعرف الديمقراطية إلا بشكل جزئي هنا أو هناك، والأداء الاقتصادي - سواء على المستوى القطري أو الإقليمي - لم يشهد إنجازات يمكن ان تقارن بأي منطقة أخرى من العالم. نفس الكلام يمكن ان يقال عن الجانب العسكري أيضا. هناك إذن حالة من الضعف العام تعاني منها الأقطار العربية كل منها على حدة، وهذا انكشف في الأزمة الأخيرة. ملاحظة أخرى يجب رصدها وتسجيلها، هي أننا نتحدث دائما عن تجانس عربي وعلاقات مشتركة وأهداف واحدة، إنما يجب ان نلاحظ وجود اختلاف مهم في العلاقة بين أعضاء وأقطاب النظام العربي ووحداته وبين العالم الخارجي، وهو اختلاف بين.. ربما نتعامي أو نتغافل عنه. على سبيل المثال: السعودية عضو في النظام العربي. والعراق قطر في نفس النظام، لكن لا نستطيع - على الإطلاق - مقارنة علاقة كل من الدولتين بالولايات المتحدة الأمريكية، والأمر نفسه ينطبق على عدد آخر من الدول العربية.. فهناك تفاوتات واختلافات بينة في العلاقة بين وحدات النظام العربي والعالم الخارجي، نتغافل عنها أو نعتبرها مسألة ثانوية.. لكنها قضية حقيقية، تعكس واقع العالم العربي. والمشكلة في الحقيقة ليست في اختلاف أو تفاوت هذه العلاقة، وانما في أننا لم نوظفها بشكل إيجابي في مصلحة النظام العربي. تساؤل آخر فرضته الأحداث الأخيرة: لماذا لم تتم درجة أفضل من التشاور والتفاعل والتنسيق بين البلاد العربية بعد اجتياح «شارون» للأراضي الفلسطينية؟ وهل لأن القمة العربية كانت منعقدة وليس من المتصور عقدها مرة أخرى بعدها بأسبوع أو عشرة أيام؟ أظن ان هذه اعتبارات شكلية، والواقع يقول إننا فوجئنا بحالة من الشلل الغريب وغير المتوقع. هناك نقطة مهمة، يجب أن نأخذها أيضا بعين الاعتبار، هي ان هناك حالة من «التناقض الحاد» في المنطقة العربية - لا أدري سببا لها - بين الفيضان الجارف للمشاعر العربية، سواء بين بعضنا البعض.. أو في مواجهة العالم الخارجي، وبين واقع العجز الفعلي الذي يلف الأنظمة والمجتمعات العربية نفسها.. فكمية المشاعر أعلى بكثير من سقف الإمكانات الفعلية للحركة. وربما هذا يتصل بما ذكره د.محسن عن مايميز العالم العربي من مشاعر فياضة تجمع بين أقطاره ومجتمعاته وشعوبه، وهو يتحقق الآن في هذه المظاهرات الملفتة التي خرجت في كل الأقطار العربية لتأييد الشعب الفلسطيني والحقيقة أننا أمام «حالة توحد» شعوري ونفسي عالية جدا، لكنها ليست مترجمة في الواقع إلى عمل حقيقي.. ولا أقول ذلك بالنسبة للحكومات فقط، وانما على مستوى المجتمعات أيضا.. فليس هناك عمل منظم وهذه المسألة يجب ان تبحث، حتى نعرف ونفهم سر هذه الفجوة بين الفيضان الشعوري الجارف وبين هذا العجز العربي - الرسمي والشعبي - عن الحركة والفعل. من المهم أيضا ان نتنبه إلى ضرورة إعادة صياغة علاقات العالم العربي مع العالم الخارجي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية فنحن الآن نواجه استقطابا هائلا في العالم، صنعته الولايات المتحدة.. التي وضعت نفسها - وخلفها عدد من دول العالم - في جهة، وماتسميه «الإرهاب» في جهة مقابلة ونحن نعلم جميعا ان هذا الإرهاب في الذهن الأمريكي هو ماتعتبره تطرفا عربيا إسلاميا ضد الولايات المتحدة، وهذا هو الواقع الحقيقي.. حتى لو ادعى الأمريكيون غير ذلك، وهم يتعقبون هذا «الإرهاب» في كل مكان. فهل نحن في العالم العربي نواجه هذه المسألة بدرجة عالية من الشجاعة والمناقشة والفهم؟. أمريكا تسعى الآن، بطريقتها الخاصة، لكي تعدل ليس فقط من بنيان هذه المجتمعات أو أنظمتها الاقتصادية.. إنما أوضاعها السياسية وثقافتها وفكرها، بل ومناهجها التعليمية، فماهو موقفنا في هذا.. وماالذي نقبله، وماالذي نرفضه.. وهل سيسمح لنا أصلا بالاختيار وحرية الحركة؟ أسئلة كثيرة تطرح الآن، وربما أسهمت هذه المحنة - في مواجهة الغزو الإسرائيلي - في أن نكتشف هذه العيوب التي بدت واضحة في الجسد العربي، الرسمي والشعبي، وان نبدأ في المواجهة الواعية والفعالة لها. وربما كانت لحظات الانتكاسة والمحنة والأزمة للنظام العربي، هي التي توحي ببعض مسالك الإصلاح والتغيير. فلسفة العجز! د.محسن: أود أن أعلق على ماذكره د.مصطفى، في تحليله لبعض جوانب الشلل في النظام العربي، عندما تحدث عن وجود القوات السورية في لبنان.. وأيضا دخول العراق إلى الكويت «1990» كأحد أسباب هذا الشلل.. وأنا أعتقد أنه باستعراض مسار النظام العربي، نجد أن عوامل الضعف والعجز فيه تسبق هذين الحدثين اللذين أشار إليهما. فالنظام العربي لم يفعل شيئا - مثلا - إزاء الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان «1982» ومحاصرة بيروت،كذلك كان هناك تجزئة وإنقسام في الموقف العربي إزاء الكيان