قبل أيام معدودة، وفجأة ومن دون سابق انذار، جرى توقيف خمسة اشخاص من كفر عبيدا وكور في شمال لبنان للتحقيق معهم في مسألة اغتيال المرحوم طوني فرنجية وعائلته في اهدن في العام 1978. وتعود عملية اهدن الى ما يقارب ربع القرن نتيجة خلاف نشب بين حزب الكتائب اللبناني وعائلة الرئيس الاسبق للجمهورية سليمان فرنجية. وقد ساءت العلاقة بين الطرفين حين قام انصار سليمان فرنجية باغتيال مسئول كتائبي، فرد بشير الجميل بعملية عسكرية اسفرت عن اغتيال طوني سليمان فرنجية وزوجته وابنته ونجا ابنه الذي بات زعيماً شمالياً ووزيراً ثابتاً في ظل حكومات ما بعد اتفاق الطائف في العام 1989. وشكلت عملية اهدن أول جرح عميق بين اللبنانيين الموارنة، ولا سيما بين موارنة الشمال وموارنة الجبل. وكما شكلت فاتحة مسلسل العنف داخل الفريق المسيحي. فجرى اغتيال بشير الجميل في سبتمبر 1982 بعد انتخابه رئيساً للجمهورية وقبل تسلمه مهامه بأيام. كما جرى اغتيال رينيه معوض في نوفمبر 1989 بعد تسلمه مهام رئاسة الجمهورية بأيام، وداني شمعون في ابريل 1990 اثر سقوط العماد اميل لحود عسكرياً. الى جانب الاغتيالات دخل المسيحيون منذ عملية اهدن في حالات مواجهة متلاحقة. في يوليو 1980 نفذ بشير الجميل عملية الصفرا، فجرّد حزب الوطنيين الاحرار من سلاحه. وفي مارس 1985، حدثت انتفاضة قادها سمير جعجع وإيلي حبيقة وإن أدت الى تبديل القيادات في حزب الكتائب والقوات اللبنانية. تلتها انتفاضة ثانية في يناير من العام 1986، تبعتها محاولة فاشلة من قبل إيلي حبيقة في سبتمبر من العام عينه. وفي يناير 1990 وقع أفظع صدام داخل الصف المسيحي عبر المواجهة المروعة بين الجيش اللبناني التابع للعماد ميشال عون والقوات اللبنانية التابعة لسمير جعجع. ومما لا شك فيه ان عملية اهدن كانت أم العمليات بمعنى انها ادخلت العنف وسيلة من وسائل العمل السياسي داخل الصف المسيحي الواحد. قبل عملية اهدن لم تسجل اية حالة من حالات الركون الى السلاح لحل النزاعات السياسية بين المسيحيين. بعد عملية اهدن اعتادت القيادات المسيحية الشابة اللجوء الى كل انواع العنف لحسم الصراع حول الزعامة المسيحية في لبنان. وتجدر الاشارة الى ان عملية اهدن لم تكن مجرد عملية عسكرية تضاف الى مسلسل العمليات العسكرية العديدة التي شهدتها حرب لبنان، بل هي عملية نوعية بدلت في جوهر الصراع على السلطة داخل الصف المسيحي، وأطلقت ممارسات ما كانت معهودة من قبل وأسفرت عن عدد كبير من القتلى والمهجرين وأدمت العديد من القوى والقلوب في شمال لبنان. وما ان عاد الحديث عن عملية اهدن حتى ارتفعت وتيرة المساجلات السياسية في هذا الموضوع، وعاد الجرح ينزف ويرجع ويقلق عددا كبيرا من الناس. وعلى الرغم من ان الافراج عن اربعة موقوفين من اصل خمسة اراح الكثيرين، لكن شبح الماضي عاد يخيم على الاذهان، وعادت الهواجس تدق باب الناس الذين يعانون حالات اقتصادية صعبة ومناخاً سياسياً غير صحي. وفي رأيي ان ابقاء ملفات الحرب مفتوحة يعني ابقاء جروح الحرب اللبنانية نازفة، وهذا الوضع يخدم المعارضة التي تستفيد من آلام الناس ومخاوفهم. مصلحة السلم الاهلي والوفاق الوطني وبناء الدولة ان يتم اقفال ملف اهدن على غرار كل ملفات الحرب اللبنانية. لقد حان وقت اقفال كل ملفات الحرب واصدار عفو عام يمحي آثار الحرب من النصوص بعد ان زال الكثير من آثارها من النفوس. ولا أتصور لبنانياً عاقلاً أو مواطناً يوافق على استمرار الحرب قضائياً بعد ان انتهت عسكرياً. اقفلوا ملف اهدن الذي فُتح بشكل فجائي. واقفلوا كل ملفات الحرب بشكل واع ومبرمج. وشرْعوا لعفو عام ينهي الحرب اللبنانية لصالح السلام اللبناني. شرط كل سلام هو ازالة آثار الحرب، وإزالة آثارها تقضي بقفل ملفاتها دفعة واحدة وإلى غير رجعة.