لا غرابة ان يشي حاضرنا المشين بمستقبلنا الاليم ان كانت ذاكرتنا مثقوبة بهذا الاتساع، حيث نواصل متع الحياة ورائحة الجثث الباحثة عن مجرد قبر مازالت تزلزل الضمير العالمي. حدثت المجزرة واقارب الضحايا مازالوا قرب رائحتهم تحت الانقاض، ولما نزل نحن نمارس ذات الفجيعة: النسيان! ذهبت هبتنا ادراج العادة اللامبالية، واسقطنا من اجندتنا لحظة تضامن يومية لشهداء سقطوا دفاعا عن كرامتنا، بخلنا عليهم بفعاليات ضغط على الانظمة كي تبقي في اعلامها واجندتها السياسية على سخونة المجزرة، علها ترتدي زي النضال الدبلوماسي باسمها بعد ان خلعت زي الحرب نهائيا. ولا غرو في ان يواصل الصهيوني لعبة الفتك الجماعي ضد الفلسطينيين ومن قبلهم اللبنانيين والسوريين والمصريين ان كان التسامح والنسيان هو الرد العربي المعهود، ولا يضير السفاحون الصهاينة ان يستمرئوا التلويح بالمجازر في وجه العرب في القادم من الايام طالما نحتمي بالبلادة من المواجهة. نمر على قائمة المجازر: دير ياسين، قبية، بحر البقر، السموع، صبرا وشاتيلا، قانا.. ومخيم جنين، نتمعن فيها لاغراض الدراسة وحفظ الواجب فقط، لم تستوقفنا انات الضحايا ولا الشرف العربي المسفوح منذ الاغتصاب الاول لفلسطين. هنالك خلل ما في تركيبة العربي نفسه، هذا الذي اشتهر في الغابر من الازمان بانه لا ينام على ضيم ولا ينسى ثأرا، هل هي موجة التغريب فعلت فعلها، ام هي سنوات التدجين على ايدي انظمة لم تتقن سوى هذه الحرفة؟! ايا يكن فان الصحوة باتت شرط وجود لنا امام ارتداد المجتمع الصهيوني الى عقيدته التوسعية، وما يبدو اليوم من بطش في فلسطين هو مقدمة لمستقبل عواصم العرب. وهذه الصحوة ليست بالمهمة الصعبة في ظل متغيرات تعيننا ان اتقنا استثمارها، وفي مقدمتها تثمير حالة التضامن الناشئة في جميع البلدان العربية حتى ان الحدود بدت وهما امام هذا التوحد في الهم، كما ان شفافية المعلومة الفاضحة للكيان الصهيوني باتت في متناول الضمير العالمي الذي اعلن وجوده من خلال مظاهرات غير مسبوقة في شوارع العالم هتفت ضد السفاحين العبرانيين. قوى المجتمع المدني في اقطارنا مدعوة الان بالذات للبدء في برامج وفعاليات تستثمر كل ماسبق وفي المقدمة تنظيم محاكمات شعبية لشارون في كل عواصمنا وبتغطية اعلامية ضخمة تكشف للعالم حقيقة ما جرى في مخيم جنين. ولا ينبغي التقليل من اهمية استمرار المظاهرات والمسيرات السلمية البحتة للضغط على حكوماتنا لبدء حملة دبلوماسية واعلامية هدفها محاكمة السفاح والضغط على الادارة الامريكية لتفرج عن صور الاقمار الصناعية ومختلف اجهزة التجسس التي ثبتت مقدرتها على تصوير النمل، لكشف تفاصيل المجزرة. ولابد ان تشمل الحملة هذه ايضا ملاحقة الحكومة البلجيكية للتحقيق من صحة التقارير التي تحدثت عن نجاح اقمارها في توثيق محاولات الجيش الاسرائيلي نقل جثث الشهداء واخفائها في اماكن متفرقة من ارض فلسطين. ولايغيب عن البال ايضا ضرورة تبني الجامعة العربية لهذه الحملة وتوليها مسئولية دعم محاكمة شارون امام المحاكم البلجيكية، وتسنيد هذه القضية بشواهد المجزرة الجديدة. نحن الان امام مفترق مصيري: فاما ان نسهل للصهاينة استمرار نهش لحمنا.. واما ان نطلق مرارة هذا اللحم علقما يسد شهيتهم حتى عن الحياة. خالد ابو كريم