ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج الثانية بالضبط ؟ ماذا عن حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة من رئاسة الاتحاد الروسي؟ كيف وصل فلاديمير بوتين الى السلطة؟ وما هو الموقف الروسي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ هذه هي بعض الاسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب التصدي لها، ولاشك في ان الاجابات المقدمة تحمل الكثير من الجدة والجدية، فالمؤلف يفجيني بريماكوف هو احد ابرز رجال السياسة الروس الذين شغلوا مناصب حساسة، اتاحت لهم التعرف على حقيقة ما يجري وراء الكواليس حول اخطر القضايا التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة الماضية، فقد كان بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات السوفييتية الشهير «الكي. جي. بي» ووزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لوزرائها ويعد احد أهم المرشحين لخلافة بوريس يلتسين، وهو احد اهم الاختصاصيين الروس في شئون العالم العربي والاسلامي. إننا امام كتاب تختلط فيه سيرة حياة يفجيني بريماكوف وذكرياته السياسية، هذا الرجل الذي استهل مسيرته السياسية قبل قرابة نصف قرن من الزمان كرس حياته واهتمامه منذ الستينيات للشرق الاوسط، وخصه بموضوع اطروحته لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ليمضي بعد ذلك سنوات عديدة في المنطقة، وخاصة في القاهرة، مراسلا لصحيفة «البرافدا» قبل ان يستأنف مسيرته السياسية نحو القمة في بلاده. بمجرد النظر الى الوراء، لابد وان تصيبنا الدهشة امام السرعة التي تأرجح بها تاريخ روسيا حيث تجرى تبدلات عميقة ما كان تصورها ممكنا قبل خمسة عشر أو عشرين عاما لذلك من المهم الرجوع الى هذا الماضي القريب للكشف عن بعض الاحداث غير المعروفة جيدا وذات الاهمية الكبيرة في سياق محاولة فهم المجتمع الروسي. اذا كان الغرب قد عرف سابقا نشاطات معارضين من امثال اندريه سخاروف والكسندر سولجنتيسين وغيرهما فانه يجهل انهما لم يكونا الوحيدين اللذين هزا المنظومة السوفييتية، وانه ما كان لجهود المعارضين المعروفين ان تكلل بالنجاح لو لم يكن هناك آخرون كانوا قد نهضوا من قلب النظام السوفييتي ومؤسساته للاعتراض على جرائم قمع الجماهير وكذلك على الجمود الايديولوجي الذي عفا عليه الزمن وكان نشاط «معارضي» الداخل هؤلاء قد اتخذ منحيين ظهر الاول بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1956 حيث حاول البعض اقناع المواطنين السوفييت بأن ستالين قد زيف افكار لينين وبأنه المسئول اي ستالين، عن قتل الوف الابرياء وانه دمر الفلاحين بالطرق البربرية التي استخدمها في تطبيق العمل التعاوني، بل ودفع آخرون هذا النقد ابعد كثيرا من ذلك. هرطقة في الحزب منذ مطلع عقد الستينيات الماضي، اي قبل «البيرسترويكا» ـ نظام جورباتشوف ـ بفترة طويلة، كتب الكسي روميانتسيف رئيس صحيفة «البرافدا» ـ حيث كان يعمل مؤلف هذا الكتاب آنذاك ـ مقالا طالب فيه بوضوح بضرورة العودة الى المباديء اللينينية، مشيرا الى ان لينين نفسه كان قد طالب الصحافة الرسمية بانتقاد هيئات الحزب القيادية، بما في ذلك اللجنة المركزية بل و«المكتب السياسي» اذا رأت ما يستوجب ذلك وقد حاول احد مساعدي ميخائيل سوسلوف منظر الحزب الشيوعي السوفييتي آنذاك، الضغط على رئيس تحرير «البرافدا» كي يحذف المقولة الرئيسية في المقال فرفض ذلك وامتنع عن نشره، حيث تم سحبه من المطبعة. كذلك ارتفعت اصوات عديدة اخرى لشجب المقولات الجامدة الماركسية ـ اللينينية التي لا تتجانس مع الواقع الحي وقد نشر «روميانتسيف» مقالين كان لهما صدى كبير حيث فند فيهما المقولة السائدة حول الموقع المركزي الذي تحتله الطبقة العاملة ـ البروليتاريا ـ في المجتمع وركز بالمقابل على الدور الكبير الذي يلعبه المثقفون. ولقد وصلت اصداء هذين المقالين الى اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي لكن كاتبهما، وهو عضو منتخب في اكاديمية العلوم رفض ان ينحني امام توجيهات موظفي الحزب، ولكن بعد فترة قصيرة تم عزله عن رئاسة تحرير البرافدا «ليعود الى ممارسة نشاطاته في اطار» اكاديمية العلوم لقد اصبح معارضا من داخل النظام في الفترة التي كان فيها رئيسا لتحرير مجلة مشكلات العالم ومشكلات الاشتراكية في براغ، حيث كانت لجنة تحرير هذه المجلة تضم ممثلين عن عدة احزاب شيوعية، لقد كانت بؤرة «هرطقة» داخل الحزب وكان يتعاون معها عدد كبير من الاشخاص الذين كانوا يحتلون خلال سنوات 1970 ـ 1980 مراكز عليا في القسم الدولي والقسم المختص بالبلدان الاشتراكية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، وقد كان عملهم رغم طبيعته المترددة وعدم تجسد نتائجه، مساهمة في تقريب الحزب من وقائع الحياة وانتشاله من جموده العقائدي «دوغمائيته». ويندرج ضمن الاطار نفسه مسار يوري اندروبوف الذي اصبح امينا عاما للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي بعد ان شغل منصب سفير الاتحاد السوفييتي في المجر حيث احاط نفسه بعدد من المستشارين الذين كانوا قد عملوا في اطار فريق مجلة «مشاكل العالم ومشاكل الاشتراكية» ويروي احد هؤلاء المستشارين ان افكار هؤلاء كانت تثير اولا بأول حفيظة اندروبوف لكنه ينتهي بالتأقلم معها بل والحرص على نقاشها بصراحة معهم. ولعب معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية دورا مهما في تلك اليقظة الفكرية وكان بريماكوف ـ المؤلف ـ قد عمل في هذا المعهد ثلاث مرات، المرة الاولى عام 1962 لبضعة اشهر فقط بعد ان كان قد عمل في اذاعة الدولة ليصبح وهو في سن السادسة والعشرين مسئول القسم العربي في تلك الاذاعة ثم مديرا مساعدا للقسم الخارجي كله، وذات مرة اثار غضب احد المسئولين في اللجنة المركزية مما سبب حرمانه من السفر للخارج، حتى كسائح لعدة سنوات وبعد فترة عمل في صحيفة «البرافدا» وعاد بريماكوف للعمل من جديد في «معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية» بعد ان كان قد حاز على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد واصبح نائبا للمدير. كان مدير هذا المعهد ومعهد الولايات المتحدة وكندا على صلات وثيقة مع الامين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي آنذاك ليونيد بريجينيف ويساهمان في اجتماعات مجموعة التفكير التابعة له التي كانت تلتقي عادة في «الداتشا» التي يمتلكها في موسكو. لقد بدا بوضوح ان مستشاري بريجينيف لم يكونوا يتحدثون الخطاب نفسه اذ كان هناك المحافظون الاقوياء جدا و«التقدميون» الذين كانوا يطالبون بضرورة التخلي عن الافكار الجامدة لكن كان هؤلاء واولئك يجدون من يصغى لهم في القيادة العليا للحزب هكذا كان ميخائيل جورباتشوف امين اللجنة المركزية للمسائل الزراعية يدعو الى منح هامش حرية اقتصادي كبير للتعاونيات ـ الكولخوزات ـ ولكن بريجينيف الذي كان ينوي في الفترة الاولى القيام بعملية اصلاحات على المستوى الداخلي للحزب كما على صعيد المجتمع المدني غير موقفه تماما اعتبارا من عام 1968 اثر الرعب الذي اصابه بعد «ربيع براغ» وصحته المعتلة بعد ذلك. وفي عام 1985 وبعد ان تولى ادارة معهد الدراسات الشرقية التحق بريماكوف من جديد بمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية وبصفة مدير هذه المرة بدلا من الكسندر ياكوفليف، الذي اصبح في ظل جورباتشوف المنظر الايديولوجي الاكثر جذرية في البيرسترويكا اي سياسة الاصلاح. كان معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية بمثابة المختبر الحقيقي لتوليد الافكار وكان قد تأسس بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وتمتع بموقع استثنائي بفضل قربه من بنى السلطة الحقيقية وكان مديره الاول «ارزومانيان» يمقت ستالين لذلك فتح ابوابه لعدد من الباحثين الممتازين الذين كانوا يعملون في «معهد الاقتصاد الدولي» الذي اغلقه ستالين بالاضافة الى مجموعة من الباحثين الشباب المهمشين. لقد كان مديرا «محميا» بسبب كون ان زوجته كانت اخت زوجة «ماكويان» المقرب من ستالين ثم من خروشوف. ويروي بريماكوف في هذا السياق كيف ان والدته الطبيبة كانت تنتقد بشدة ستالين وتصفه بـ «الاحمق» وبـ «البدائي الدموي» وذات مرة قال لها ابنها ـ المؤلف ـ محتجا: «لكن هل سبق لك وقرأت اي نص مكتوب لهذا البدائي؟!» فلم تتردد في الاجابة عليه قائلة: «ليست لدي اية نية للقيام بذلك، وما عليك سوى ان تشي بي للسلطات فهذا سيجلب السرور له»، يعترف «بريماكوف» بأن هذه الاجابة جعلت «العرق البارد يتصبب من جسده» فصمت ولم يعد ابدا للحديث في هذا الموضوع. أسرار ومواجهات لاشك في ان المواجهات التي كانت تقوم بين المحافظين و«التقدميين» صغيرة الى درجة انها تبدو غير ذات اهمية اليوم، لكنها كانت في سياق عقد السبعينيات الماضي اكبر من ان تثير السخرية وبكل الأحوال كانت التوقعات التي قدمها الباحثون التقدميون لتطور الاقتصاد العالمي في افق عام 2000 ـ كانت توقعاتهم في سنوات 1970 ـ تقول باستمرارية «وجود العالم الرأسمالي الذي كان من المفترض سقوطه في مزبلة التاريخ» كان التقدميون يؤكدون ان التطور الصناعي، على الرغم من النظريات الكلاسيكية للماركسية اللينينية، يتبع التوجهات نفسها في المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية، ان خصوم هذه الفكرة وعلى ما تتسم به من وضوح يستبعدون اية امكانية لتطبيق التجربة الغربية على الاتحاد السوفييتي «الاشتراكي». كان معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية يقدم تقاريره لمستشاري بريجينيف ثم الى جوربا تشوف شخصيا فيما بعد، كما كان يقوم بعدة دراسات عن مشروعات التحديث التي تشهدها عدة دول غربية وكان «المعهد» قد خاض معركة حامية الوطيس كي يبرهن على ان الرأسمالية الحديثة تختلف في كثير من مظاهرها عن تلك التي وصفتها الكلاسيكيات الماركسية، اللينينية لعل مثل هذا الامر يثير السخرية اليوم لكنه كان محط اعتزاز في وقته حيث تم اعتباره بمثابة «اختراق ايديولوجي» وقد كان باحثو المعهد هم اول من اكد بوضوح بان التكامل الاقتصادي في اوروبا الغربية كان بمثابة ظاهرة موضوعية ولا رجوع عنها، كما كانوا قد اكدوا بأن الطبقة العاملة لن تؤول حتما الى الفقر في النظام الرأسمالي مما كان يعني التشكيك بحتمية الثورات التي تقلب هذا النظام وشموليتها الكونية. في الواقع كانت العقبة الرئيسية التي تمنع المنظرين السوفييت من الرؤية بوضوح تكمن في رفضهم الاعتراف بامكانية وجود تأثير متبادل بين الاشتراكية والرأسمالية، لكن مجموعة من النشرات الصادرة عن «المعهد» اشارت الى امكانية التوفيق بين الاشتراكية واقتصاد السوق، كان الواقع يدفعنا بالنتيجة الى طرح مثل هذه المقولة. وفي منتصف عقد السبعينيات تعرف بريماكوف على الاقتصادي الامريكي الكبير فاسيلي ليونتييف السوفييتي الاصل، والذي كان مستشارا تجاريا للسفارة السوفييتية في برلين، حيث اختار الحرية والهجرة الى الولايات المتحدة ولقد اصبح احد الاقتصاديين ذوى الشهرة الدولية، وكانت نظرياته تحتوي على بعض السمات المستقاة من «التخطيط المركزي» اي الاشتراكي واثناء دعوته لالقاء محاضرة في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية بموسكو دعاه مدير المعهد الى منزله الفخم في احد الاحياء الراقية للعاصمة السوفييتية وبعد ان قام بجولة في المنزل وقاعاته الفسيحة صرح بخبث: «انني انظر حولي واقول لنفسي انه ربما لم تكن هناك اية ضرورة للهجرة». بكل الاحوال ينبغي القول ان اكاديمية علوم الاتحاد السوفييتي كانت حتى في احلك سنوات الجمود بؤرة حقيقية لحرية الفكر. وكان قد تم انتخاب يفجيني بريماكوف عضوا في اكاديمية العلوم في عام 1979 مما سمح له بالاطلاع على بعض الاحداث الفريدة خلال تلك الفترة التي اتسمت بنوع من رفض الاكاديميين لكبار موظفي الدولة والحزب عندما يتم ترشيحهم لعضوية اكاديمية العلوم. وتمثل حالة الفيزيائي الشهير اندريه سخاروف مثالا نموذجيا للحالة الذهنية التي كانت تسود داخل هذه الاكاديمية، وعلى الرغم من الرسالة المفتوحة التي نشرتها صحيفة «البرافدا» ووقعها عدد من اعضاء الاكاديمية نفسها فان الادارة السياسية لم تتوصل الى استبعاده منها. الاستراحة الدائمة وعلى صعيد السياسة الخارجية ادرك بريماكوف ومن لف لفه انه لابد من اعادة النظر بالافكار الجامدة السائدة، لقد كان يتم النظر الى التعايش السلمي بين المنظومتين الاشتراكية والرأسمالية على انه فترة استراحة في العلاقات بين المعسكرين، وقد بدت هذه الاستراحة دائمة في ظل وجود الاسلحة النووية مع انها لم تنه الصراع الايديولوجي، بالمقابل كانت بعض الاوساط الاميركية تأمل بالخلاص من الاتحاد السوفييتي وقد كان مثل هذا الامل قويا جدا في بداية فترة الحرب الباردة. ومن هنا جاءت مقدمات غياب الاستقرار في العلاقات الدولية وايضا واقع الحلقة المفرغة التي سادت على صعيد السباق للتسلح. وقد قامت معاهد ابحاث اخرى مثل «معهد الولايات المتحدة» ومعهد اوروبا باعداد دراسات سياسية بقصد مواجهة الميول التي يمكن ان تؤدي الى حرب نووية وقد كان الاتحاد السوفييتي يزيد من حجم ترسانته بطريقة تتناظر مع تزايد حجم الترسانة الاميركية، هذا في الوقت الذي لم يكن الاقتصاد السوفييتي قادرا على ان يحمل على كاهله وزن هذا السباق للتسلح، في الوقت نفسه كان معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية ومعاهد اخرى تقوم بتحليل نشاط منظمة الامم المتحدة التي بدت بمثابة اداة مفيدة لاقامة نظام دولي جديد كما تم تصور عدة صيغ للتبدل المطلوب في بنية هذه المنظمة من اجل ان تتماشى مع وقائع المستقبل. وقد لعب جريجوري موروزوف «دور المحرك في تلك الابحاث وهو زوج ابنة ستالين المدعوة سفيلتانا» لكن حياته كانت قد تحطمت عندما ارغم ستالين الزوجين على الطلاق، كما تم اعتقال والده ومنعه من رؤية ابنه واضطر كي يؤمن قوت حياته ان ينشر بعض المقالات باسم مستعار، اما سفيلتانا فقد اضطرت للهجرة الى الولايات المتحدة وعندما قررت العودة الى الاتحاد السوفييتي برفقة ابنتها المولودة في الولايات المتحدة حاول «جريجوري» بكل ما يستطيع مساعدتها كي تتأقلم مع نمط الحياة السوفييتية من جديد ولربما انها كانت تأمل العودة للحياة مع جريجوري من جديد كزوجة، لكنهما كانا قد اصبحا شخصين مختلفين الى درجة كبيرة تمنع ذلك. وطيلة عقد السبعينيات والنصف الاول من عقد الثمانينيات لم يكن للحكومة السوفييتية الا صلات متقطعة مع حكومة الولايات المتحدة الاميركية وبقية البلدان الغربية، لكن المعاهد استمرت باقامة صلات علمية مع نظرائها في الغرب من اجل البحث عن امكانيات التفاهم في المسائل الاكثر الحاحا. هكذا اقام معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية صلات وثيقة مع «المركز الاستراتيجي» التابع لجامعة «ستانفورد» ومع مرور الزمن تم شق طريق لـ «التفاهم» كان طريقا ضروريا وصعبا آنذاك. وذات يوم واثناء لقاء جرى في تبليس بجيورجيا بين باحثين سوفييت واميركيين كان من بينهم ديفيد روكفلر، قام بريماكوف بدعوة المشاركين لتناول طعام العشاء لدى اسرة جيورجية وقد كانت اسرة عمته ناديا خارادزي، التي كانت بمثابة السيدة الاولى في اوبرا تبليس كانت العمة ناديا ذات امكانية متواضعة مما اضطرها الى استعارة ادوات الطعام من جيرانها، وكان منزلها يقع في الطابق الثالث باحدى البنايات ولم يكن لدى سلطات البلدية الوقت الكافي من اجل تبييض جدران السلم المؤدي الى الشقة المقصودة، كانت تلك الجدران غير نظيفة فلجأت تلك السلطات الى حل فريد، اذ انها نزعت المصابيح الكهربائية مما اضطر الضيوف الى الصعود وسط ظلام شبه كامل وفي كل طابق كان القاطنون الذين عرفوا جميعهم بخبر العشاء ـ يفتحون الابواب كما في الافلام الايطالية القديمة لرؤية المدعوين، كانت تلك الامسية في غاية النجاح حتى ان ديفيد روكفلر قام بتأخير اقلاع طائرته الخاصة كي يخرج مع الضيوف الآخرين عند الساعة الثالثة صباحا.ومنذ مطلع سنوات السبعينيات شرع معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية بنسج حوار مع «المجلس الياباني للامن» خلال الفترات الاولى بدت اللقاءات حول الدوائر المستديرة وكأنها بمثابة «حوار الطرشان» لقد كان اليابانيون يلحون على القول بانه لا يمكن لليابان ان تطور علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي طالما لم يتم حل مشكلة «المناطق الشمالية» المقصود هو جزر كوريل التي كان الاتحاد السوفييتي قد ضمها عام 1945 وكان السوفييت يردون بنفس الالحاح بأن هذه المشكلة غير موجودة. الثلج يبدأ بالذوبان مع ذلك بدأ الثلج بالذوبان شيئا فشيئا وفي عام 1981 قام «ايشيرو سويتسوثمو» المسئول الياباني الاول عن اللقاءات المشتركة بكتابة جملة تدل على مضمون مثل ياباني شعبي قديم كي يقدمها لبريماكوف بمناسبة وفاة ابنه فجأة وهو في السابعة والعشرين من العمر، كان ذلك المثل الذي استغرقت كتابته ليلة كاملة يدعو من يقرأه الى تحمل الالام التي تصيبه والى التأمل بالخلود، بالتأكيد لم تنه تلك الحكمة اليابانية آلام الاب المفجوع لكنه لم ينس ابدا ذلك التعاطف. واثناء احدى اللقاءات مع رئيس الوزراء الياباني ياسوهيرو نكاسوني قال بريماكوف: «سيادة رئيس الوزراء فلنكن واقعيين ان الرأي العام لديكم لا يسمح لكم بالتخلي عن مطلب السيادة على تلك الجزر لكن في بلادنا ليس هناك من سيفهم ايضا تخلينا عن سيادتنا ما العمل اذن؟ هل نقوم بتجميد علاقاتنا ابديا على حساب مصالحنا ام نترك جانبا الحلول الاكثر تطرفا؟ في هذه الحالة الثانية قد يمكننا الاعتراف بأن هذه المشكلة قائمة بينما تتخلون انتم من جانبكم عن جعل اعادة الجزر بمثابة مطلب مسبق لتطوير العلاقات الثنائية بيننا ولنبدأ اذن بالتعاون في المجال الاقتصادي خاصة مما سيعزز تدريجيا الثقة المتبادلة ويرسي قاعدة صلبة لنقاش المسائل الاكثر تعقيدا. وكانت الدهشة كبيرة عندما قبل نكاسونى هذه الافكار مباشرة وقد كان الرجل الذي يقوم بالترجمة وهو ريو هاكو ذو الاصل الكوري الذي كان قد وقع في اسر الجيش الاحمر عند نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كان منخرطا في صفوف الجيش الياباني وبعد اطلاق سراحه قرر البقاء في الاتحاد السوفييتي وتزوج من سيدة روسية كما حصل على شهادة الدكتوراه. واثناء اول زيارة لليابان فاجأ بريماكوف بطلب شجاع آنذاك وهو ان يتصل هاتفيا بوالدته في كوريا الجنوبية، والتي لم تكن قد سمعت صوته منذ ثلاثين سنة وكانت تعتقد بأنه في عداد الاموات وبالطبع، كانت فرحة تلك الام لا تضاهى وهي تسمع صوت ابنها الذي كانت تظن انه قد مات منذ زمن طويل وبالطبع ايضا لم يتفوه احد بكلمة عن ذلك الاتصال الهاتفي في موسكو. ما الذي يطبخونه بالضبط؟ ان الفترة الواقعة بين عام 1970 وعام 1985 لم تشهد اي لقاء قمة اميركي ـ سوفييتي لكن جورباتشوف التقى مع رونالد ريجان خمس مرات وكان بريماكوف قد حضر البدايات الرسمية للحوار بين الرئيسين كان ريجان يريد اولا بناء الثقة عبر احترام اكبر لحقوق الانسان في الاتحاد السوفييتي وتسوية النزاعات الاقليمية قبل الخوض في مسألة الحد من التسلح، لكن شيئا فشيئا تمت مناقشة جميع الموضوعات وتخلى السوفييت عن مبدأ «كل شيء او لا شيء» وكذلك عن «فلسفة الرقابة» اي الرقابة الوطنية ـ السوفييتية ـ حصرا على عملية نزع السلاح.كان هناك حرص كبير على ان لا يبدو المجتمع السوفييتي منغلقا على ذاته وانما منفتحا على العالم ولكن لم يكن هناك اي مجال للانفتاح من جانب واحد وللاسف بدا ان الطرفين يجهدان من اجل عدم فتح مخابرهما العلمية لكل طرف امام الآخر وقد اشتكى الباحثون السوفييت من ان زملاءهم الاميركيين يريدون ان يعرفوا «ماذا يطبخون» ولكنهم بنفس الوقت يمنعونهم من دخول «مطبخهم» وفي اللقاء الثاني الذي ضم جورباتشوف وريجان في شهر اكتوبر من عام 1986 كانت الاجواء قد تبدلت كثيرا وبدا ان الوصول الى اتفاقات امر ممكن لكن لم يتم مع ذلك التوصل الى توقيع نص مشترك حول نزع السلاح. لقد كان جورباتشوف يتمنى ان تتوصل تلك القمة الى نتائج ملموسة وكان ريجان نفسه متألما من فشلها، ويذكر بريماكوف انه في اللحظة التي جلس فيها الرئيس الاميركي في سيارة «الليموزين» للانصراف اقترح عليه جورباتشوف وهو على الدرج القريب ان يعود للتوقيع على اتفاق حول الحد من التسلح لكن الرئيس ريجان لم يكن مستعدا لذلك لكن التقارب استمر كما بدأ السوفييت بالاعتراف باخطائهم مثل نشر صواريخ «اس.اس20.» في اوروبا الشرقية وارسال قوات الى افغانستان وتجاهل الاعمال التي كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها قد شرعوا بها من اجل عزل الاتحاد السوفييتي ووضعه في مآزق صعبة بالعديد من مناطق العالم. وعندما وصل جورج بوش ـ الاب ـ الى البيت الابيض في يناير من عام 1989 تأمل السوفييت ان يكون اقل «مثالية» واكثر «براغماتية» من سابقة ريجان وقد بدا بان الواقع يتماشى مع هذا الامل اذ اظهر الرئيس بوش حساسية اكبر من ريجان للشروع بنهج بعيد عن الايدولوجيات في العلاقات الدولية وابتعد عن التحليلات «الغالية على قلب الساسة الاميركيين» مثل تلك القائلة بانه اذا جهد الاتحاد السوفييتي من اجل تحسين علاقاته مع اوروبا الغربية او مع الصين فان هذا يعود لرغبته في شق صفوف الحلف الاطلسي او لعب ورقة جديدة ضد الولايات المتحدة. لكن جوربا تشوف قام بزيارتين تاريخيتين لكل من الهند والصين، وذلك على قاعدة الاعتقاد بأن العالم لا يدور حول الولايات المتحدة، كما يؤكد البعض ان للاتحاد السوفييتي ثم لروسيا مصالح مع العملاقين الآسيويين الكبيرين، الهند والصين لكن تنويع العلاقات لا يتم على حساب العلاقات مع الولايات المتحدة.