بعد اجتماع رباعي عقد في واشنطن مساء الثالث من مايو 2003، وضم كلاً من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، فوجئت الأوساط السياسية في العالم العربي بوزير الخارجية الأمريكي كولن باول يعلن عن مؤتمر دولي لبحث النزاع في منطقة الشرق الأوسط بداية الصيف المقبل. ويقول ان الأطراف الأربعة بحثوا الطريقة المثلى للأعداد للمؤتمر، وأنهم سيجرون مباحثات مع الأطراف المعنية لوضع مبادئ تستخدم كقاعدة للمؤتمر. وفي الوقت الذي أوضح فيه ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن المؤتمر سيعقد على المستوى الوزاري، إلا أنه لم يكشف عن تفاصيل مكان أو تاريخ انعقاد المؤتمر مكتفيا بالقول ان ترتيباته سيتم تحديدها خلال الأعمال التحضيرية، وإزداد الموقف غموضا مع التصريحات الأمريكية بأن ما يجرى الاعداد له هو مجرد لقاء أو اجتماع وليس مؤتمرا. ماذا يعني كل ذلك ؟ وما الهدف من ذلك المؤتمر ؟ وما مصير قرارات المؤتمرات السابقة والمعاهدات التي نجمت عنها ؟ وليس معلوما حتى الآن، رغم أن يونيو المقبل هو الموعد المقترح لانعقاد المؤتمر، من هي الدول والأطراف التي تشارك في هذا المؤتمر وهل تشارك دول مثل سوريا ولبنان وهل تشارك السلطة الفلسطينية، ولا هو معلوم مستوى التمثيل في المؤتمر وان كان ثمة حديث أمريكي غائم أنه سيكون على المستوى الوزاري، فشارون يتحدث عن مؤتمر إقليمي للسلام بدون فلسطين وعرفات وبدون سوريا ولبنان، أي أنه يتحدث عن مؤتمر للسلام يخترق به العالم العربي ويجلس فيه إلى جانب رؤساء دول عربية لم يطبعوا علاقاتهم الرسمية بعد مع إسرائيل، ومن ثم يحقق لهذه الأخيرة هدف التطبيع، الذي هو الثمن الذي يفترض أن يدفعه العرب في مقابل الانسحاب الإسرائيلي حتى حدود4 يونيو وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، لكن دون أن تضطر إسرائيل إلى دفع ثمن التطبيع المتمثل بالانسحاب وقبول الدولة الفلسطينية المستقلة. المؤتمر المقترح إذن هو محاولة أمريكية - إسرائيلية لوضع أسس تصور جديد للمنطقة تصور يقوم على حصد نتائج ومكاسب سياسية للعدوان العسكري الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية. فالعدوان الإسرائيلي الذي استهدف اجتياح أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية نتج عنه تدمير شامل للبنية التحتية الفلسطينية، وتخلص من كثيرين من نشطاء الانتفاضة أو هكذا يظن بوش وشارون، ومن ثم فإن هذه لحظة مناسبة لاعادة صياغة خريطة المنطقة بتكريس إبدال مفهوم المقاومة المشروعة بمفهوم الإرهاب والحصول على التنازلات الفلسطينية والعربية التي لم يمكن الوصول إليها خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل حاليا. ان من ينظر إلى القضايا والموضوعات التي يضعها الأمريكيون على جدول أعمال المؤتمر المقترح، يصل إلى اقتناع بأن هدف المؤتمر ليس هو الوصول إلى سلام ولا حل القضية الفلسطينية بالتفاوض، ولكن التوصل إلى أسس جديدة للعلاقات الإقليمية في المنطقة تجعلها جزءا من الأسس الجديدة للعلاقات الدولية، والتي تقوم بالأساس على مكافحة الإرهاب وتصنيف العالم إلى أشرار (هم الإرهابيون والذين يساندونهم ) وإلى أخيار ( هم الولايات المتحدة وحلفاؤها ) فضلا عن فرض علاقات التعاون الاقتصادي والإقليمي مجددا على البلاد العربية. لقد عقدت مؤتمرات وإتفاقيات كثيرة من قبل كانت كفيلة بإحلال سلام حقيقي، ولكن إسرائيل التي لا تريد السلام عرقلت تنفيذ تلك الاتفاقيات. المسألة إذن ليست مسألة مؤتمر يعقد ولكنها مسألة نوايا وتصورات، اما أن تكون مع السلام أو ضده. إن الموقف في المؤتمر ليس موقفا مبدئيا بالقبول أو الرفض ولكن موقف مبني على مقدمات لنتائج خطيرة تحدث إذا ما تمت الدعوة إلى المؤتمر دون تحقيق الشروط الموضوعية لنجاحه. وأعتقد أن من الشروط الموضوعية المطلوب توافرها في أي جهد مبذول للتوصل إلى تسوية سياسية في الشرق الأوسط، هو ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي الفلسطينية التي اجتاحتها القوات الإسرائيلية في عدوانها الغاشم على الشعب الفلسطيني ثم ضرورة توافر رعاية دولية للجهود الرامية لتحقيق السلام، أي أن يكون للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا الإتحادية دور واضح في كل التطورات المترتبة على هذا المؤتمر، ذلك أن انفراد واشنطن برعاية المفاوضات العربية - الإسرائيلية يدفع إسرائيل إلى التشدد والتطرف وأيضا التهرب من تنفيذ الاتفاقيات، اعتمادا على ان واشنطن سوف تتولى توفير الغطاء السياسي لها مهما تفعل أو تتنصل من التزاماتها، وعادة ما تكون محصلة ذلك مراوغات ومناورات إسرائيلية وتهربا من تنفيذ الاتفاقيات، بل وخرق الالتزامات وعدم احترام الاتفاقيات التي وقعت عليها واشنطن بصفة ضامن. وكذلك من الشروط الموضوعية الجوهرية أن يكون المؤتمر المقبل لبنة إضافية توضع فوق ما سبق من بناء بشأن التسوية السياسية للصراع العربي- الإسرائيلي، أي أن يكون المؤتمر المقبل المقترح ضمن الإطار العام للمؤتمرات الدولية التي جرى عقدها منذ نهاية حرب أكتوبر 1973، كما أنه من الضروري أن يجري المؤتمر المنشود وفق قرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات التي تم التوصل إليها وفي إطارها، وأنه كلما تعارض الحل المطروح مع مكونات هذه القرارات تزايدت احتمالات الفشل وعادت دوامة الصراع من جديد. أيضا لابد أن يتضمن المؤتمر الدولي المزمع عقده تصورا محددا لترتيبات مسبقة في الأراضي الفلسطينية بالإضافة إلى جدول زمني محكم للعملية برمتها، وصولا إلى توقيع الاتفاقيات النهائية، أما الترتيبات المطلوب اتخاذها على الأرض فلابد أن تبدأ بالانسحاب الشامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية التي أعادت احتلالها أخيرا، مع تعهد واضح بعدم تكرار هذه الاعتداءات في المستقبل، والإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية والذين اعتقلتهم قوات الاحتلال في عدوانها الأخير على الشعب الفلسطيني. ويأتي في السياق نفسه ضرورة توقف الإدارة الأمريكية عن ترديد إدعاءات الحكومة الإسرائيلية والتي تقول ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ضالع في أعمال تصفها بالإرهابية ضد إسرائيل وهي الدعاوى التي تستند إليها المزاعم الإسرائيلية في محاولة لتجاوزه والبحث عن قيادة فلسطينية بديلة، فمثل هذه الأقوال مرفوضة جملة وتفصيلا، فالرئيس عرفات منتخب من الشعب الفلسطيني في انتخابات ديمقراطية نزيهة أشرف عليها المجتمع الدولي، وبالتالي فإن اي دعوة لتجاوز الرئيس عرفات أو تغييره هي بمثابة دعوة لتعطيل إرادة الشعب الفلسطيني الذي انتخب عرفات رئيسا له. كما أن مثل هذه الدعوة الإسرائيلية الشارونية التي ترددها عناصر في الإدارة الأمريكية، تعد تدخلال سافرا في الشأن الفلسطيني الداخلي، وعملا غير مسبوق في تاريخ المفاوضات الخاصة بتصفية قضية احتلال أجنبي تقليدي لأراضي شعب آخر. إن واشنطن مطالبة بأن تتوقف تماما عن ترديد الأكاذيب الإسرائيلية، وأن تتريث قبل التورط في تصريحات لا تفيد عملية التسوية السياسية ، وتضر بدور واشنطن في العملية برمتها، فهناك الحاجة إلى أن تميز واشنطن بين الإرهاب المدان والمرفوض وبين أعمال المقاومة الوطنية المشروعة ضد قوات الاحتلال والتي يجيزها القانون الدولي بل ويحث عليها ميثاق الأمم المتحدة الذي وضعته الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. إن المؤتمر المقترح لايمكن اعتباره هدفا في حد ذاته، وإنما يجب التركيز على مضمون المؤتمر، كما يجب أن يتحول حديث الأمريكيين والأوروبيين عن رؤيتهم لدولة فلسطين إلى مسار سياسي عملي يضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي، وبدون ذلك يكون المؤتمر مناسبة للاستهلاك المحلي، ولن تكون له نتائج مهمة، ولن يسفر عن دفع المسيرة السلمية، ذلك أن إسرائيل ترفض حتى الآن الاعتراف في أي مفاوضات بسقف طموحات الشعب الفلسطيني وهو السلام مقابل الانسحاب إلى حدود 4 يونيو 1967. إن المبادرة المطروحة تحمل في طياتها من المخاطر أكثر مما تحمل من فرص حقيقية نظرا لاختلال موازين القوى لمصلحة إسرائيل، فالحصار مازال قائما على الأرض الفلسطينية، وإسرائيل تحتفظ لنفسها بمواصلة عدوانها واجتياحها للمناطق الفلسطينية دون اعتراض من أحد. فبعد أن انتهى شارون من مهمته في تدمير السلطة الوطنية الفلسطينية وذبح أبناء الشعب الفلسطيني بمباركة أمريكية- هي الأولى من نوعها في التاريخ الإنساني - جاء الدور على عملية (جني الثمار) التي تتمثل في العودة إلى نقطة الصفر في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وتجاوز كل الاتفاقيات السابقة، بما في ذلك الاعتراف بالسلطة الوطنية الفلسطينية. وقد جاء التبني الأمريكي لفكرة المؤتمر أو الاجتماع الشاروني ليضيف المزيد من علامات الاستفهام إزاء الدور الأمريكي الحقيقي في عملية سلام الشرق الأوسط، كما أن هذا الموقف وضع الترحيب الأمريكي بمبادرة السلام السعودية - العربية في محل شك كبير، حيث لا يمكن وصف هذا الترحيب بالجدية، وإنما فقط استهدف هذا الترحيب امتصاص الغضب العربي سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، ومن ثم يمكن تمرير هذه المرحلة وتسيير الأمور كما تريد إسرائيل. ولعل مكمن الخطر في فكرة طرح هذا الاجتماع الشاروني أنه يعيد تشكيل صياغة عملية السلام بالطريقة التي تريدها إسرائيل والولايات المتحدة، تكريسا للأمر الواقع وقفزا على كل الاتفاقيات والحقائق التي تبلورت عبر النضال الفلسطيني الطويل. ولعل هدف المؤتمر المقترح هو التغطية على جرائم الحرب الشارونية واتاحة الوقت الكافي لسفاح القرن للاستمرار في العدوان على الفلسطينيين، وفي تغيير الوضع الديموجرافي على الأرض، أي أنه محاولة جديدة لإدخال المنطقة العربية في نفق غير واضح من المفاوضات غير المجدية. ولا يعدو المؤتمر أن يكون وسيلة لتطويع المنطقة العربية كي تقبل دون مناقشة التصور الأمريكي - الإسرائيلي الجديد القائم على مكافحة الإرهاب، الذي يعني في هذه الحالة منع الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في الكفاح المشروع، حتى نيل الاستقلال والتحرير، وهو ما يمكن أن ينتج أثارا سلبية خطيرة على مستقبل الأمة. ان العرب بحاجة ملحة وسريعة الآن لدعم التضامن والتنسيق وصولا إلى موقف عربي موحد في أي مفاوضات قادمة سواء كانت على شكل مؤتمر دولي أم غيره، ذلك أن ثمة ظروف دقيقة تمر بها المنطقة، يخشى معها من أي انزلاقات تطول الثوابت التي بنى عليها العرب حقوقهم، الأمر الذي يتطلب منهم دراسة واقعية قبل المشاركة في أي مؤتمر جديد. بقلم: د. محمود مرتضى ـ كاتب مصري