تثير الغيرة الامريكية المندفعة لعقد مؤتمر دولي في تركيا يخرج ساحة الشرق الأوسط من دائرة التوتر الأقصى والحرب المحتملة، غباراً من الغموض المدروس ليس حول مصداقيتها ـ وهي التي ستفقدها أساساً ـ بل فيما يتعلق بالأفكار والأهداف الامريكية المتوخى تحقيقها، أو الاصح، تمريرها من بين أقدام المتفاوضين وتحت طاولتهم. وما يزيد الابهام بلّة، ان مجرد الدعوة الى عقد مؤتمر على مستوى اقليمي مجرد أو اقليمي دولي يعني معطيين أساسيين: الأول، ان ثمة قرارات مرشحة للالغاء أو التعديل سبق ان اتخذت في مؤتمرات مماثلة سابقة، والثاني، ان هناك «نضوجاً» في عناصر ومعطيات باتت مهيأة لاعلان ربطها وتكاملها ايذانا بولادة مشروع سياسي جديد. وقد شكلت المؤتمرات الدولية العديدة في القرن الماضي مناسبات حتى لاعلان ولادة دول جديدة واعادة ترسيم حدود لدول قائمة وتوزيع ثروات وتنفيس احتقانات. ويبدو ان الدعوة الامريكية لمؤتمر دولي جديد في تركيا عند مطلع الصيف المقبل لن يخرج عن ضمن تلك الأطر المصيرية سياسياً وجغرافياً واقتصادياً بما يهييء المناخ لقيام ما يمكن تسميته بـ «جيوسياسية» جديدة للشرق الأوسط. ولا يخفي وزير خارجية لبنان محمود حمود ان الحكومة اللبنانية تملك «رؤوس أقلام» بشأن ذلك وان كان الغموض مازال سيد الموقف حيال أهداف المؤتمر الجوهرية التي قد يحددها المؤتمرون أنفسهم، فيما الأهداف التكتيكية واضحة ومن مظاهرها امتصاص تداعيات العدوان الاسرائيلي ـ الامريكي على الشعب الفلسطيني وتهدئة الشارع العربي وربما التوجه لالهائه بمستجدات خارج فلسطين، قد تكون ضربة عسكرية قاصمة ضد العراق أحد أبرز احتمالاتها. ويقول حمود مكتفيا بالاشارة الى «اننا نتابع عن كثب ما يدور في الأروقة الدولية حول مؤتمر دولي للسلام لم تتضح معالمه وأطره والجهات المدعوة اليه بعد، والمرجعيات التي يستند اليها، ولاتزال الأمور غير واضحة بالنسبة الينا في بيروت على الأقل. وبأي حال فإننا نرحب بأي دعوة تؤدي الى الحل الشامل والعادل والدائم للنزاع العربي ـ الاسرائيلي، ونشدد في الوقت نفسه على أهمية مرجعية مدريد التي التزمناها وقرارات الشرعية الدولية، هذا أم حيوي مهم». ثم يشير الى الاتفاق على أن تكون مبادرة السلام العربية هي المرجعية التي نلتزم بها، ونهتدي بكل مندرجاتها، ونحن نقول دائماً ان النزاع العربي ـ الاسرائيلي يجب ايجاد حل له، ويجب ان يكون جميع الاطراف ممثلين فيه ومدعوين اليه، وعدم استثناء أية جهة، وأي موضوع، على ان يشمل الحل جميع الأمور المتعلقة بهذا النزاع سواء لجهة أسبابه أو نتائجه وجميع القضايا المترتبة عليه». ـ نسأله: هل ترى ان على لبنان ان يشارك في المؤتمر الدولي للسلام حتى لو كان البحث محصورا في المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي؟ فيجيب الوزير حمود قائلا: ـ الواقع ما قيل على لسان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مازال غير رسمي حتى الآن، خاصة كجهة مشاركة لبنان في المؤتمر أو عدم مشاركته». ـ كيف يرى لبنان رفض السعودية عقد مؤتمر السلام؟ ـ لا أدري إذا كان هناك رفض، أنا قرأت ما قاله وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل لجهة تأكيده على «ان الصورة غير واضحة»، يجب ان نعرف ما هو مضمون هذا المؤتمر لنبني موقفنا على ضوء ما نعرفه بالتفصيل بجميع التفاصيل. والأمور كما تعلمون مرهونة بتفاصيلها ولا أحد يرفض طبعاً أي حل مبني على الأسس التي اتفقنا عليها، لكن يجب ايضا ان نعرف التفاصيل والآلية والجهات المدعوة والنتائج التي ستترتب عليه، كل هذه الأمور مازالت غير واضحة ومن المبكر اعطاء موقف نهائي حول الموضوع. حتى ما يُنقل عن الجانب الأمريكي لا يعطي الصورة الكاملة والواضحة، يجب التأني في هذا الأمر والتمهل بانتظار التفاصيل المهمة التي عليها نبني موقفنا. رأي أمريكي ويتولى سفير الولايات المتحدة في بيروت فنسنت باثل الرد بصورة غير مباشرة على الوزير حمود، فيوضح: ان الرئيس الامريكي جورج بوش قاد شخصياً مع وزير الخارجية كولن باول حركة نشطة بالنسبة لهذا الجزء من العالم بالتنسيق مع اللقاء الرباعي الذي يضم اضافة الى الولايات المتحدة الامريكية كلا من روسيا الاتحادية، الاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة وذلك في محاولة لايجاد مقاربة تنهي الاضطرابات في هذه المنطقة. وفي هذا الاطار أجرى الرئيس بوش سلسلة من المباحثات المكثفة والتنسيق مع القادة العرب والقادة الاقليميين في واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة بهدف الخروج بمقاربة مشتركة فيما يتعلق بالقضايا الصعبة التي تجتازها هذه المنطقة. وقد نتج عن تلك المباحثات الدعوة الى عقد مؤتمر دولي يتم تحديد شكله وجدول أعماله نتيجة التنسيق الحالي منذ بضعة أسابيع وبهدف تحديد أدق تفاصيله. وهذا كان رأي كل طرف مشارك في المحادثات، لجهة ان المؤتمر سيكون اطاراً بناء لايجاد حلول. وما نقوم به حالياً من خلال الجهود الدولية هو ان المؤتمر سيركز بشكل واضح على قرارات الشرعية الدولية وعلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. وعلى مرجعية مدريد وجوهر مبادرة السلام العربية التي أصدرتها القمة العربية الأخيرة في بيروت، اضافة الى الرؤية التي وضعها المسئولون الأمريكيون وفي مقدمتهم الرئيس جورج دبليو بوش والوزير باول حول قيام دولة فلسطينية، ولدينا خطوط عريضة لما نحن في حاجة اليه للوصول بذلك المؤتمر الى تفاصيله وجدول أعماله للمضي به قدماً. فرصة لروسيا حيال ذلك تحاول وجهة نظر عربية أساسية ان تبرز أهمية أي مؤتمر دولي مقبل إذا كانت روسيا عازمة فعلاً لا قولاً هذه المرة على كسر احادية الهيمنة الاحادية السياسية الامريكية على المنطقة. وفي هذا انجاز استراتيجي من شأنه ان يقلب طاولة الانحياز الامريكي الأعمى لاسرائيل أو التخفيف من غلوائه وحدّته، وفي كلتا الحالتين تبقى القضايا العربية خاصة في فلسطين هي المستفيدة الأولى. لكن هل روسيا جاهزة لتعلن في المؤتمر الدولي أوائل الصيف عودة دورها الى عملية التسوية والتفاوض في الشرق الأوسط؟ وهل عودة الموفد الروسي أندريه فيدوفين الى المنطقة مرتبطة بذلك في اطار مهمته التي يقول عنها السفير الروسي لدى لبنان بوريس بولوتين بأنها: «تهدف الى تطبيع الوضع المقلق بين الفلسطينيين والاسرائيليين من جهة، ثم البحث من جهة اخرى في امكانية توسيع فكرة عقد المؤتمر الدولي الجديد حول الشرق الأوسط من خلال التشاور مع مختلف الاطراف المعنية». ويحاول بولوتين ان يستعيد دوراً لبلاده مازال هشاً وضعيفاً منذ انهيار «نظام الجبارين في العالم» فيقول: انها تعمل في اتجاهات مختلفة كونها وبالدرجة الأولى، راعياً لعملية السلام، ثم لأنها عضو في مجلس الأمن الدولي، وهو يتمتع بحق النقض «الفيتو»: «كانت روسيا خلال ابريل الماضي رئيسا لمجلس الأمن، أضف الى ذلك انها عضو مشارك في «الرباعي الدولي». هذا يعني ان دورها فاعل سواء في اتصالاتها الثنائية مع عواصم دول القرار، أو مع دول المنطقة، أو مع الدول العربية والاسلامية بهدف ضبط الأوضاع الأمنية وافساح المجال أمام المعالجات السياسية. ويركز بولوتين على الدور المهم الذي لعبته روسيا خلال رئاستها مجلس الأمن الدولي في ابريل الفائت: «حيث اضطلع المجلس بمسئوليات مهمة جدا في تهدئة الأوضاع في الاراضي الفلسطينية، فلأول مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي (حسب بولوتين) يقوم المجلس بدور فاعل ومهم حيث أصدر مجموعة قرارات على جانب من الأهمية هي: 1402، 1403، 1405 والتي ساهمت الى حد بعيد في وقف العنف والحد من المأساة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. وقد لعب المندوب الروسي سيرجي لابروف دوراً مهماً لايجاد توافق بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن حول تلك القرارات تسهيلاً لصدورها». ـ كيف يمكن ان يصب ذلك في خانة دور روسي متميز في المؤتمر الدولي المرتقب؟ يجيب السفير الروسي: ـ إن الاتصالات ناشطة الآن لترتيب الأوضاع في المناطق الفلسطينية بهدف العودة الى مسيرة السلام، وهناك تفاهم بين روسيا والاطراف الاخرى، أي الأمم المتحدة وأمريكا وأوروبا، بأنه لا يمكن حل المسائل الأمنية بدون خطى سياسية متوازنة وفق مسار سياسي واضح. إننا نعتقد في روسيا انه من الضروري التحضير الجيد لهذا المؤتمر لضمان نجاحه، كما نرى انه من الضروري ان يستند الى الأسس التي حددتها الشرعية الدولية، خاصة مرجعية مدريد للسلام ومبدأ الأرض مقابل السلام، وقرارات مجلس الأمن المعروفة وهي 242 و338، بالاضافة الى العناصر الجديدة وهي القرار 1397 حول الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية، وايضاً العنصر الجديد والمهم وأقصد المبادرة العربية للسلام. ـ ماذا تنوي روسيا ان تطرح في المؤتمر الدولي؟ وهل صحيح انها ترى ان الطريق الى التسوية يجب ان يمر أولاً بوقف الانتفاضة؟ يجيب بولوتين موضحا موقف بلاده: ـ نحن مع وقف العنف لا الانتفاضة، ومع عدم اللجوء الى القوة واستخدام السلاح، لذلك فإننا نرى ان على المؤتمر الدولي ان يسير في ثلاثة اتجاهات بصورة متوازنة ومتوازية في وقت واحد وهي: 1ـ معالجة الأوضاع الأمنية واعادة الإعمار في المناطق الفلسطينية واعادة المسيرة السياسية. نحن كموقف روسي نطالب بتقديم كل التسهيلات للشعب الفلسطيني وازالة كل العراقيل والمعوقات أمام المنظمات الانسانية لتقديم المساعدات للسكان الفلسطينيين. ومن الضروري في هذه المرحلة تمكين السلطة الفلسطينية من استعادة دورها كي تتمكن من الامساك جيداً بزمام الأمور. 2ـ ان موسكو مهتمة بالناحية الانسانية، وقد أرسلت مساعدات فورية الى الفلسطينيين بطائرة خاصة، ومنذ بداية الأحداث أيدت روسيا الرئيس ياسر عرفات كزعيم شرعي للشعب الفلسطيني وطالبنا منذ البداية أيضاً برفع الحصار عن مقره وضمان أمنه وحياته. 3ـ هناك توافق كبير بين أعضاء «الرباعي الدولي» على وجوب وقف العنف، أي وقف اطلاق النار، ووقف العمليات الارهابية والتخلي عن منطق العنف واللجوء الى السلاح. ذلك لأن أي استخدام للقوة لا يمكن ان يحل المشكلة في الشرق الأوسط، فهذا الحل لا يكون إلا عن طريق اطلاق العملية السياسية في أسرع وقت ممكن. وفي موقف لافت يؤشر الى تمايز روسي شرق أوسطي وان مازال خجولا ودون المأمول عربياً حتى الآن، يقول بولوتين ان بلاده واثقة تماما: ان العملية السياسية يجب ان تنسحب على سائر القضايا الساخنة في المنطقة، خاصة باتجاه ضرورة سحب التهديدات الامريكية ـ الدولية بضرب العراق واسقاط نظامه الراهن. بيروت ـ وليد زهر الدين: