حرية الكلمة والديمقراطية وجهان لعملة واحدة لا يمكن ان ينفصلا، بل ان الحق والحرية في التعبير لا يمكن الاستغناء عنهما في اطار اي نظام ديمقراطي، ومن مسلمات، العمل الانساني القول بأن مهنة الصحافة والبحث عن المتاعب لاتزدهر ولاتتطور الا في مناخ عام تسوده الحريات باشكالها المختلفة، وبالتالي فان تراجع حرية الصحافة لا يعني سوى انحدار وانحسار القيم النبيلة للصحافة والصحفي معا وبالتالي للحياة الاجتماعية برمتها، وربما من قبيل التكرار القول بانتشار ظاهرة التناقض بين المثالية والواقعية في كافة المجالات الحياتية، الا ان الامور تكون اكثر وضوحا في القضايا الانسانية وخاصة الديمقراطية التي تزعم دول العالم قاطبة بممارستها من اجل اسعاد ورفاهية شعوبها فيما تطرح معطيات الواقع حقائق مغايرة تماما لمواصفات الانسانية الفاضلة، بل يمكن القول انه مع تسارع التطورات التكنولوجية والحضارية تتسع الهوة بين تلك المثل وتطبيقاتها على ارض الواقع ففي اليوم العالمي لحرية الصحافة ويوم الصحافة العربية الذي وافق يوم الاثنين 6 مايو، تشدقت غالبية الدول بقدسية هذين اليومين، وتطلق الشعارات والبيانات التي من شأنها لو نفذت، لفرغ العالم من مساويء الانظمة وممارستها ضد حرية الرأي والتعبير. وتدلل المؤشرات والبيانات الدولية حقيقة المخاطر التي تهدد حرية الصحافة في ارجاء العالم الى تدهور حالة حرية الصحافة خلال عام 2001 حيث ارتفع عدد ضحايا حرية الرأي والتعبير والنشر بشكل واضح مقارنة بالعام 2000 حيث أدى الى مصرع 72 صحفيا 9 منهم قتلوا خلال الهجمات الامريكية ضد افغانستان ثم كولومبيا والفلبين، بينهم نحو 10 صحفيين واعتقل 120 خلال 2002 وتم رصد 500 حالة اعتداء في 140 دولة خلال عام 2001 واوائل العام الحالي منها 71 حالة من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة فيما بلغ عدد المعتقلين 238 صحفيا في 140 دولة اكثرهم في الصين التي تعتقل 35 صحفيا وبورما 15. وتعني تلك الارقام ان الرأي الاخر ومباديء الديمقراطية ذاتها تعيش مرحلة خطيرة تتطلب معها ممارسة الضغوط على الحكومات بكافة الوسائل المتاحة لوقف نزيف القتل والقمع والتخويف والاعتقالات التي تطال الصحافيين الباحثين عن الحقيقة والكاشفين عن الاقنعة المزيفة للديمقراطيات المزعومة ومن ابرز تلك الحالات التي نعيش لحظاتها وتفصيلاتها، الممارسات القمعية المنهجية التي اتخذتها وتنفذها حكومة الكيان الاسرائيلي برئاسة ارييل شارون ضد رجال الاعلام والصحافة الفلسطينيين والاجانب في الاراضي الفلسطينية التي اعادت اسرائيل احتلالها منذ اوائل شهر ابريل الماضي، مما يجعل الكيان الصهيوني العدو الاقوى في معاداة الحريات الاعلامية والانسانية والديمقراطية. الصين وبورما في المقدمة كشف تقرير اللجنة الدولية لحماية الصحافيين التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، بأن الصين وبورما تحتلان المرتبة الاولى في قارة اسيا في مجال انتهاك حقوق الصحافيين فيما تحتل سوريا وايران المرتبة الاولى في منطقة الشرق الاوسط في مجال انتهاكات حرية الصحافة والاضرار بالصحفيين خلال العام الماضي، اما في افريقيا فكانت اثيوبيا، سيراليون، توجو، تونس وزيمبابوي، وفي اوروبا الوسطى، بيلاروسيا واوكرانيا، وروسيا، وفي امريكا اللاتينية ترأست كولومبيا قائمة دول القارة «قتل فيها 9 صحافيين على المركز الاول في المجال نفسه وحوالي 31 صحفيا منذ عام 1997» فيما مازالت دول البلقان «كوسوفو، صربيا، مقدونيا» والاتحادالسوفييتي السابق «روسيا واوكرانيا» تعتبر من الاماكن المحفوفة بالمخاطر بالنسبة للصحفيين، وفي الوقت نفسه يشير التقرير الى اتساع دائرة الاعمال القمعية ضد الحرية الصحفية والنشر في اوروبا الغربية «فرنسا، اسبانيا، وايرلندا الشمالية» وفي الولايات المتحدة الامريكية. وقد بلغ عدد الضحايا من الصحفيين خلال عام 2001 نحو 62 قتيلا، موزعين على النحو التالي: افغانستان 9، بنجلاديش 2، بوليفيا 1، الصين 1، كولومبيا 9، فرنسا 1، جورجيا 1، جواتيمالا 1، الهند 1، اندونيسيا 1، اسرائيل ـ فلسطين 4، العراق 1، كوسوفو 1، الكويت 1، لاتفيا 1، مقدونيا 1، المكسيك 2، نيجيريا1، برجواي 1، الفلبين 5، روسيا1، صربيا 1، الصومال 1، اسبانيا1، سويزلاند1، تايلاند2، اوغندا 1، اوكرانيا2، المملكة المتحدة1، الولايات المتحدة2، الجزائر2، انجولا1، وفي الوقت نفسه بلغ عدد الضحايا من الصحافيين منذ بداية العام الحالي 2002 10 قتلى، موزعين على 8 دول بالتفصيل التالي: بنجلاديش1، كولومبيا 2، الكيان الاسرائيلي 1، المكسيك 2، المغرب 1، باكستان 1، روسيا1، اوغندا 1. اعتداءات في 140 دولة ويحدد التقرير اجمالي حالات الاعتداء على الصحافة وتتمثل في الاغتيال والاعتداء والاعتقال والتحرش القانوني نحو 500 حالة فيما بلغ عدد رجال الاعلام والصحافة داخل السجون نحو 118 صحافيا في 140 دولة فيما ينتظر 15 منهم اجراءات المحاكمة في بورما، اما الصين فتحتجز حتى الان نحو 35 صحافيا والتي توصف بانها السجان الاول لحرية الكلمة في العالم، يذكر ان عام 2000 شهد مقتل 32 صحفيا واعتقال 300 اخرين فيما تم حظر اكثر من 295 وسيلة اعلامية في الوقت الذي يعاني فيه اكثر 500 صحافي من عدم الاستقرار بحيث تعتبر حياتهم مهددة بالاعتقال او القتال او النفي. وبالرغم من ذلك يرى التقرير بوجود مؤشرات على تحسن ملحوظ على حرية الصحافة والنشر في دول اوروبا الوسطى والشرقية وخاصة في رومانيا حيث يؤكد مدير جمعية الصحفيين المستقلة وجود ضغوط مؤثرة ضد كبح حرية التعبير والرأي بشكل عام فيما يشير الى ان الحالة الانسانية لحرية الصحافة مازالت تسوء في دول جنوب ووسط قارة اسيا وخاصة في بنجلاديش وبورما حيث تعرض العديد من الصحفيين للاعتداءات والتهديدات والمضايقات والضرب المتواصل، ويذكر ان القبضة الحديدية والتسلط والقمع الذي تمارسه الانظمة الحاكمة في العديد من دول العالم، اجبر العديد من الصحافيين وهيئات حقوق الانسان غير الحكومية على استخدام وسيلة اتصال اعلامية تجنبهم سهولة الوقوع فريسة لمحاولات الانظمة الحاكمة، وذلك من خلال الاستعانة بالانترنت واصدار صحف الكترونية انتشرت بين الصحفيين الافارقة والروس والصينيين بشكل واضح. اوضاع القارة السوداء يوضح التقرير بأن الحياة الصحفية على الساحة الافريقية تظل محفوفة بالمخاطر حيث يتعرض الصحفيون للاعتقال المتواصل والتهديدات العنيفة وخاصة في سيراليون حيث يتم انتهاج اسلوب رسائل التهديد بالقتل والتصفية الجسدية ولايقل الحال خطورة في زيمبابوي حيث يشكل الرئيس روبرت موجابي العمود الصلب العنيد في التعامل مع الصحافة والصحفيين وخاصة خلال فترة الانتخابات حيث قام بطرد العديد منهم الى خارج العاصمة لضمان عدم نقل الصورة الحقيقية التي تجرى على ارض الواقع، وبشكل عام فقد تحسنت اوضاع الصحفيين الى حد ما في اثيوبيا خلال عام 2001، وقد ارتفع عدد الصحفيين القتلى في افريقيا الى 11 صحفيا خلال عام 2001، مقارنة بنحو 7 في عام 2000، فيما يبلغ عدد رجال الصحافة الافارقة القابعون في السجون خلال عام 2001 نحو 15 صحفيا افريقيا منذ 31 ديسمبر 2001، على النحو التالي: اريتريا 11، اثيوبيا 1، رواندا 1، جزر كوموروز 2. وفي امريكا اللاتينية احتلت كولومبيا المرتبة الاولى في محاربة الصحافة والصحفيين حيث قتل نحو 9 من مراسلي الصحف المتنوعة فيما هرب اكثر من مئة الى الخارج خوفا من القمع والارهاب حيث قتل منذ سبتمبر 1997 اكثر من 31 صحفيا في كولومبيا. وفي الوقت نفسه اتهم التقرير السنوي للمعهد الدولي للصحافة الذي اصدره في شهر فبراير الماضي، بفيينا تحت عنوان «الحرب ضد وسائل الاعلام» اتهم الولايات المتحدة بالتلاعب في النشرات الاخبارية التي تطلقها المؤسسات الاعلامية المختلفة المسموعة والمرئية والمقروءة الخاضعة لها، محذرا من استغلال الانظمة الديمقراطية العمليات العسكرية التي تشنها واشنطن على ما يسمى بـ «مكافحة الارهاب» بهدف الوصول الى الغاية المرجوة ممثلة في تكميم افواه كافة الوسائل الاعلامية اشخاصا ومؤسسات وقال «ديفيد دادج» الذي اعد التقرير ان «الاسلوب الذي انتهجته واشنطن للرد على الوسائل الاعلامية بل محاولتها الغاء حق التعبير لتلك الوسائل كانت مفاجأة كبرى لنا خلال عام 2001. وفي اسيا واجهت الصحافة والصحفيين مأزقا كبيرا من حيث الاعتقالات والمطاردات والتهديدات خلال عام 2001 وعلاوة على ما حدث في الصين وافغانستان التي قتل فيها 9 صحفيين خلال الهجمات العسكرية الامريكية اواخر العام الماضي، هناك نيبال التي ضربت رقما قياسيا في اعتقال وتعذيب الصحفيين الذي بلغ عددهم 31 صحفيا، وفي بورما تم اعتقال اكثر من 15 صحفيا في نهاية 2001 اما الصين فقد اعتقلت اكثر من 35 صحفيا احدهم يدعى جيانج وبينج بسبب انتقاده لعمليات الفساد داخل الاجهزة الحكومية، وهو الحاصل على جائزة حرية صحافة من قبل اللجنة الدولية لحماية الصحفيين في عام 2001. الشرق الاوسط وفي منطقة الشرق الاوسط وبخصوص حالة الصحافة في العالم العربي خلال العام الماضي تشير التقارير الصادرة عن الهيئات والمنظمات العربية المتخصصة في مجال الصحافة وحقوق الانسان الى وجود بوادر انفراج وبداية التحسن على اوضاع الصحفيين وممارساتهم المهنية التي وصفت بأنها بداية بزوغ التوجهات الديمقراطية في العالم العربي ما عدا ما يحدث في الاراضي الفلسطينية، وتدلل على ذلك بصعود تيارات كانت محظورة في الماضي وتحول انظمة الى حكم الدستور والمؤسسات الديمقراطية مثال ذلك ما حدث في الكويت ومصر من تزايد نفوذ التيارات الاسلامية في البرلمان من خلال الانتخابات الشرعية، علاوة على الانتخابات المحلية في دولة قطر. ومن ابرز صور المعاناة المهنية في المجال الصحفي ما تعيشه العناصر الاعلامية والصحفية في الاراضي الفلسطينية في مواجهة الحملات الصهيونية والاسرائيلية المستمرة منذ انطلاق انتفاضة الاقصى، ومن صور ذلك قيام جيش الاحتلال الاسرائيلي بمحاولة تركيع العمل الصحفي في الاراضي المحتلة من خلال ممارسة ابشع صور القمع والتنكيل والمضايقات التي من شأنها اعاقة العمل المهني للصحفي، اضافة الى تدمير البنية التحتية الاعلامية من مبان ومعدات التصوير وقصف محطات الراديو والتلفزيون الفلسطينية ومهاجمة مقرات بعض الصحف المحلية وقصفها في بعض الحالات كما تم الاعتداء خلال الحملة الاخيرة في الضفة الغربية على معظم المكاتب الصحفية المحلية والعربية والاجنبية ومصادرة بطاقاتهم وحظر عمل بعضهم في تلك المناطق وابعادهم خارج الاراضي الفلسطينية مثلما حدث لمذيع ابوظبي، ورصد المعهدالدولي للصحافة اكثر من 71 حالة انتهاك واضح لحرية العمل الصحفي، من قبل قوات الاحتلال من جانب سلطات الاحتلال ضد الصحفيين الفلسطينيين والاجانب العاملين هناك ولايزال منهم ثلاثة قيد الاحتجاز، فيما ارتفع عدد المصابين من بين الصحفيين ليصل الى 10% من شهداء انتفاضة الاقصى الحالية، كما تعرضت العديد من دور الصحف والمطبوعات الفلسطينية للقصف او الحصار. وباختصار فقد رصدت المنظمة العربية لحرية الصحافة في تقريرها السنوي الذي نشرته الشبكة الالكترونية «البوابة» الحالة الواقعية للصحافة العربية خلال العام الماضي وذلك في النقاط التالية: 1 ـ زيادة الميل نحو تعديل تشريعات الصحافة المعمول بها في العالم العربي 2 ـ اتساع قائمة ضحايا الدفاع عن حرية الرأي 3 ـ صمود الصحفيين الفلسطينيين في مواجهة قيود الاحتلال.