قرر لبنان توسيع الاهتمام بالدعوى التي اقامها اهالي ضحايا مجازر مخيمي صبرا وشاتيلا اثناء الاجتياح الاسرائيلي لاراضيه عام 1982 ضد وزير الدفاع انذاك ورئيس الوزراء الحالي في اسرائيل ارييل شارون امام القضاء البلجيكي، وذلك كمحاولة منه لمنع اسقاط جرائم هذا السفاح بالتقادم. فقد نشطت التحركات الرسمية والسياسية والقانونية والشعبية اللبنانية مؤخرا، في اعقاب التطورات التي اوصت باحتمال طي ملف تلك الدعوى، وذلك بعد ان اتخذت محكمة العدل الدولية، قرارا الغت بموجبه حكما للقضاء البلجيكي بحق وزير سابق في الكونغو، الامر الذي دفع باسرائيل الى قيادة حملة دولية للتقليل من اهمية القوانين المعمول بها في بلجيكا لجهة محاكمة مجرمي الحرب، بغض النظر عن جنسياتهم وعن الامكنة التي ارتكبوا فيها مجازرهم. وجاء الرد اللبناني الاساسي من النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم الذي اكد ان القضاء اللبناني له الصلاحية في الملاحقة، لان الاقليمية منها متوفرة اذ ارتكبت الجرائم على أراض لبنانية، وضد لبنانيين، وتجاوزت الخط الازرق وطالت مواقع للقوات السورية في ضهر البيدر ولكون شارون رجلا عاديا بالنسبة الى لبنان الذي لايعترف حتى بدولة اسرائيل. ويضيف عضوم: ان الملف في الدعوى على شارون سيحال على النيابة العامة العسكرية للادعاء، ثم على قاضي التحقيق لاصدار مذكرات توقيف غيابية، تحول مذكرات توقيف دولية عبر الانتربول، واذا امكن عبر الانترنت. وجرى تدعيم ذلك الرد حقوقيا، فعززت المحامية اللبنانية مي الخنسا، وهي اول من تقدم بدعوى ضد شارون لمسئوليته عن مجازر صبرا وشاتيلا، من اتصالاتها وتحركاتها ولقاءاتها محليا وخارجيا، من اجل ابراز جرائم الحرب الجماعية التي ارتكبها القادة الصهاينة، وعلى الاخص شارون وشيمون بيريز وابرزها: مجازر صبرا وشاتيلا، وخطف مسئولين من المقاومة اللبنانية هما عبدالكريم عبيد 1989، ومصطفى الديراني 1994، اغتيال الامين العام لـ «حزب الله» عباس الموسوي، قتل 105 مدنيين لبنانيين في قانا بجنوب لبنان خلال قصف ملجأ لقوات الطواريء الدولية كان الاهالي قد احتموا به عام 1996، وغيرها من الجرائم. وتقول المحامية الخنسا انها تملك ادلة على ان شارون وبيريز ارتكبا 73 جريمة ضد لبنان منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948، حتى الان والحبل على الجرار، والشهود على هذه المجازر كثيرة، ومنهم اثنان من الناجين من مجازر صبرا وشاتيلا وهما: امونة يونس، وحسين اسماعيل اللذان يرويان لـ «البيان» مشاهداتهما اثناء ذلك. قصة شاهدة ـ تبدأ الشاهدة الفلسطينية أمونة يونس كلامها بالاجابة عن سؤال: ماذا شاهدت اثناء مجازر صبرا وشاتيلا؟ فتقول: «شفنا اللي ما بيتشاف» فعندما حصلت المجازر كان شارون فوق منزلنا تماما عند «المدينة الرياضية»، مخيم شاتيلا، كان يراقب مايجري بالمنظار وكنا مازلنا في المنزل انا وزوجي واولادي، نظرنا الى السطح فقالوا: هذا هو شارون، قلت لهم: الى اين ياترى يتطلع بمنظاره، الى الحرج الى شاتيلا؟، ودعوت الجميع ان نطلع من المنزل والمنطقة قبل ان يفوتوا علينا ويذبحونا، زوجي وابنتي رفضا الخروج، طلعت انا واثنان من اولادي، واحد عمره 12 والثاني سبع سنوات، هربنا باتجاه شارع حمد «منطقة الطريق الجديدة بالقرب من الجامعة العربية»، وبدأت المذبحة على مراحل من عصر ذلك اليوم وما بعده، ذبح وسلخ، عدنا لنرى ماحصل من مجازر، رأيت زوجي مقطوع الرأس، وابنتي مطخوخة بالرصاص في داخل البناية، واخي الذي كان مريضا على السرير، واولاده الاربعة مطخوخون جميعهم ايضا، وزوجة اخي كانت قد تمكنت من الهرب مع ولد صغير، كل الجيران الذين نعرفهم وبقوا في منازلهم كانوا مقتولين وهم لبنانيون وفلسطينيون، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، اطفالا ورضعا، كلهم مقتولون او مذبحون ومشوهو الجثث، كل الذين بقوا ولم يهربوا مثلي قبل المجزرة قتلوهم. واضافت: شعرنا بأن شيئا ما سيحصل لان الجنود بدأوا يقصفون بغزارة من منطقة المدينة الرياضية باتجاه الاحياء الداخلية في المخيم، وقالوا لنا ان شارون موجود في هذه المنطقة، فادركنا ان ثمة عملا ما يحضرون له، لكن لم يخطر ببالنا ان يكون بمستوى المجازر التي ارتكبوها. ثم قيل لنا، انا لم ار بعيني هذا المشهد، لكن زوجي اخبرني اياه، واصبح جيراننا والجميع يتحدثون عنه، ان امرأة كانت اتية الى المخيم من منطقة الحرج، وعند وصولها الى قرب مستشفى عكا اوقفها الجنود واطلقوا رصاصة على يدها وقالوا لها: اذهبي وقولي لاهل المخيم، ان مجزرة ستحصل، وبالفعل شاهد ابني هذه المرأة امام دكانة الدوخي وهي تركض صارخة: «مجزرة، مجزرة» انا لم اشاهدها كما قلت، لكن ابني الصغير هو الذي شاهدها وكان عمره انذاك 12 سنة، وجاء على الفور واخبرنا بما سمع وحصل، وبدأ العديد من الناس بالخروج من المخيم، تحسبا لوقوع مجزرة، ولولا تلك المرأة وطرحها لظل كل الناس في منازلهم، وهذا يعني ان عدد الضحايا كان سيرتفع الى اضعاف ما اوقعته المجازر عند حصولها بعد ذلك بقليل. هرب قسم منا، اما الذين بقوا فقد قتلوا جميعهم، ومنهم احد ابناء جيراننا وهو طفل عمره ثلاثة اشهر، اطلقوا عليه الرصاص. وقالت: لا أعرف بالتحديد نوع الاسلحة المستخدمة ولم اكن موجودة، وانا لن اشهد على شيء لم اره، لكن اشهد على ما رأيناه بعد المجازر، فقد استخدم الجنود الصهاينة الرصاص بالتأكيد من رشاشات ومسدسات، وعمدوا الى تقطيع الاحياء والجثث، أعلى رأس زوجي كان مقطوعا بآلة حادة، قد يكونوا استخدموا البلطات والخناجر والفؤوس والسكاكين وما شابه من آلات التقطيع والقتل. هذا امر واضح ومعروف ومثله ايضا جميع الذين بقوا احياء، على ندرتهم، شاهدوا شارون يدير العمليات العسكرية والمجازر، ويجول معطيا اوامره وتعليماته. واضافت: حملت ولدي الصغير وهربت باتجاه مخيم غزة، ولحق بي بعض عائلتي الفرا والدوخي من جيراننا، ووصلت ونمت ليلتي عند ابنتي المتزوجة قرب تربة الشهداء، حيث لحق بنا الى هناك ابني الذي كان عمره 12 عاما، واخبرنا عن حصول المجزرة، وعن المرأة اللبنانية التي طخوها بيدها، لتصرخ في المخيم وهي «تشرشر» دما: «مجزرة، مجزرة»، وعندما سمعت عما حصل نويت العودة الى المخيم لأرى ماذا احل بزوجي واخي المريض على فراشه واولاده ومن اعرفه هناك من اقارب وجيران. وبعد الظهر تمكنت من العودة عن طريق مقهى علي همدر لأرى الجميع مقتولين، وجثثهم مشوهة، كانوا رجالا واناثا مرمين وفي الغرف وعند مداخل المنازل «ربما اثناء محاولتهم الهرب» وعلى الطرقات، وكانوا من جميع الاعمار، لم ينج احد منهم، لم يبق مخبر واحد ليحدثنا عما حصل من فظائع وجرائم جماعية، مثلا كان الجنود يوقفون عشرات الاشخاص مقابل الحائط، ويطخونهم دفعة واحدة بالرشاشات من ورائهم، جدران المخيم كانت ملأى بالدماء السائلة. اغتصاب النساء ـ يقول الشاهد الناجي حسين اسماعيل: رأيت اثناء المجازر ابشع ما يمكن ان يراه، او حتى يتصوره انسان في حياته، حتى بالخيال يصعب تصديقه، انه صعب جدا جدا جدا، اكثر ما شاهدته هو اغتصاب الفتيات والنساء، وقد كان الاكثر تأثيرا في داخلي في ما بعد، لانني عندما رأيت ذلك لم يكن عمري قد تجاوز الثماني عشرة سنة، صحيح ان هذا هو عمر شاب، لكنني كنت ابدو انذاك طفلا، لان قامتي قصيرة، وجسمي نحيل، حتى ان شعر ذقني لم يظهر الا عندما اصبحت في الثانية والعشرين من العمر. وحتى بعض الجنود حاولوا اغتصاب النساء الحوامل، وعندما تمنعت واحدة منهن، وبدأت بضرب الجندي، هجم عليها وضربها على بطنها «ببلطة» حادة، فانشق الى قسمين ورأيت ما يشبه ولدا في داخله، والحامل قتلت على الفور بطبيعة الحال. وكان الجنود يقسمون بعضهم الى قسمين، الاول يجامع عناصره المعتدى عليها، وعندما ينتهون يتقدم عناصر البعض الاخر ويرشونها بالرصاص في مختلف انحاء جسمها. ورأيت اشخاصا كانوا يربطون قدمي الواحد منهم، كل قدم بحبل يربطوه بجيب، ثم يقلع الجيبان في اتجاهين معاكسين، فيتم فسخه. ولاحظت ان الجنود لم يفرقوا بين شخص واخر، لم اسمعهم يقولوا لاي واحد: «ابعد عنا انت» كانوا يأخذون كل شخص في طريقهم، ويضربوه بطريقة او بأخرى، وشمل ذلك الرجال المسنين والشباب والصغار وحتى الاطفال كذلك النساء من مختلف الاعمار، والحوامل كما ذكرت، رغم انني متأكد من ان احدا لم يكن يحمل اي سلاح من سكان المخيم، حتى لعبة الاطفال التي يسمونها «مسدس المياه» وهو ما يلهو به الاطفال والصغار عادة لرش المياه على بعضهم البعض. لذلك لم ير الجنود اي مسلح، كل ما قاموا به مجرد تقطيع وتنكيل ومجازر بالجملة، انهم يكرهون كل ما يسمى اسلام او مسلم على وجه الارض، كانوا يقولون للناس: انتم مسلمون، تحملوا اذن يا «....». كان الواحد يقول للاخر منهم بلهجة عربية وليست لبنانية وهم من العرب المجندين في جيش الصهاينة «كلهم مسلمون، لا ترحم واحدا منهم، ابدأوا بالنساء ثم بالرجال، دعوا الرجال يرون ماذا نفعل بنسائهم». واضاف: المجزرة الكبيرة حصلت عند حوالي الخامسة من فجر يوم الجمعة، كنت انا في المنزل الكائن عند مدخل مخيم شاتيلا، اول بئر حسن لجهة محطة المحروقات «الرحاب» كنت نائما عندما خلع خمسة جنود الباب فجأة وامسكوا بي من الوراء، فيما بقي ثلاثة في الخارج، ضربوا رأسي على الحائط، وسألوني اين يوجد سلاح؟ واين هم المسلحون؟ ثم بعثروا الاثاث ورموا خزانة الثياب ارضا بعد ان فتشوها، واقتادوني ووضعوني الى جهة اليمين عند اول «الرحاب» في بناية اصبح اسمها الان «ثانوية المصطفى». ادخلوني اليها، وجلبوا 14 شخصا من داخل منطقة بئر حسن، احدهم اسمه «ابو عدنان» واولاده السبعة، بقيت بينهم لفترة قبل ان يأخذوهم باتجاه المدينة الرياضية، حيث رشوهم بالرصاص وقتلوهم. وقال: عند مفرق صبرا اخذوني، وادخلوني في الزواريب لارشدهم الى اماكن اختباء المسلحين، وعندما دخلنا زاروبا، رأيتهم يقتلون، وفي زاروب اخر يغتصبون النساء، وفي ثالث كانوا يقومون بأعمال شنيعة من الصعب جدا علي ان اصفها واتحدث عنها، فظاعة لا يمكن لاحد ان يتصورها، مثلا كان الجنود يضربون رؤوس اشخاص يقطعونها ويفصلونها عن الاجساد واصحابها احياء، وكانوا يصرخون ويستغيثون ويتوسلون الجنود، حتى ان بعضهم كان يقبل اقدامهم لكن دون جدوى. وقال: افظع ما رأيت فتاة في الثانية عشرة تقريبا من عمرها نزع عنها الجنود ملابسها، وتناوبوا على اغتصابها، ثم رشوها بالرصاص، هذا حصل امام عيني، مشهد لا استطيع ان اتصوره، وقد آلمني اكثر من الالم الذي كنت اشعر به من اصابتي في قدمي بالرصاص، ومن فزعي من ذلك المشهد صار لدي اعاقة مازالت حتى الان لجهة عدم قدرتي على انجاب الاولاد، وحتي الان تزوجت اربع مرات، وفي كل مرة كانت زوجتي تتركني وتطلب الطلاق نتيجة تلك الاعاقة. رأيت شارون واضاف الشاهد اصابوني بالرصاص في بطني وساقي اثناء المجزرة رشني الجنود بالرصاص بعد ان نقلوني الى «المدينة الرياضية» حيث رأيت هناك ارييل شارون امامي فجأة. وقال: رأيته بالتأكيد، وكان قربه كلب من فصيلة «شيان لون» «الكلب الذئب» ويحمل ناضورا «منظارا» يستخدمه ليراقب ما يجري في المخيمات ومحيطها من اعمال قتل جماعي ومجازر وابادة، انا كنت اعرفه من خلال الصور التي يبثونها له على شاشات التلفزيون في الاخبار، خاصة اثناء اجتياح لبنان انذاك «1982» وحتى من قبل كنت اراه عبر التلفزيون في عدوان 1978 على الجنوب حيث كانوا يصورونه يراقب الخرائط، ويخطط للهجوم والعمليات العسكرية. وقرب «المدينة الرياضية» نظرت اليه وكنت على بعد امتار منه، وقلت في نفسي: هذا شارون، وكان واقفا الى حيث كان سوق الخضار انذاك، وكانت المجزرة شغالة وهو موجود، ويعطي تعليماته. ابقونا هناك حوالي الساعتين، فيما غادر شارون المكان بعد حوالي نصف ساعة من وصولنا، حيث تحادث مع الضباط والجنود بالعبرية، ولم نفهم ماذا قالوا.بعد ساعتين تقريبا، انزلونا من هناك الى «حي عساف» وقالوا لي: سنقتلك لانك تكذب علينا، ولاتريد ان تدلنا، لانك تعيش في هذه المنطقة وربيت فيها، وتعرف كل شيء فيها. تملكني الخوف، وصرت اقول لهم اشياء كاذبة عن وجود مسلحين هنا او هناك، وانا متأكد ان لا اثر لانسان فيها، الجميع هربوا او قتلوا «بضم القاف» بمعظمهم. ندخل الى منازل نرى الناس مقتولة فيها، ونجول في الزواريب نرى القتلى مكومين فوق بعضهم البعض، وجميعهم باللباس المدني، وحتى بثياب النوم، باعتبار ان المجزرة الواسعة حصلت فجرا كما ذكرت. عند ذلك اقتادوني مع ثلاثة نساء وبعض الشباب ورشونا بالرصاص، فاصبت وارتميت ارضا، ثم ارتمى فوقي قتلى بجثثهم الثقيلة، القتلى غطوني، لم ابد حراكا، فاعتقد الجنود انني اصبحت في عداد الاموات ايضا، وعندما غادروا المكان في «الحي الغربي» في المخيم حملت جراحي وهربت بصمت وسرعة، وهربت من خلال مشتل زراعي الى جهة الشمال، مقابل «سنترالخطيب» وبقيت اجرجر نفسي حتى وصلت الى محطة محروقات الخطيب، هناك وجدت احد عمالها ويدعى السيد مصري، «وكان مصري الجنسية» ويعرفني من قبل، فشاهدته جثة هامدة مرشوشا بالرصاص ومضروبا ببلطة حادة، قفزت من سور صغير ملاصق للمحطة وتوجهت الى مركز اسعاف قريب لـ «النجدة الشعبية» حيث ضمدوا جراحي واعطوني جرعات كثيرة من الادوية، وعندما تعافيت انضميت الى جهاز المسعفين في «النجدة» وعملت معهم لفترة بعد ذلك وكنت اعالج نفسي في الوقت ذاته عند بعض الاطباء الذين تعرفت اليهم بحكم ذلك. الان ادفع ثمن ما حصل معي في مجازر صبرا وشاتيلا، لا انجب، لا اعمل، اقصد الميسورين فلا يشفق علي احد، اعاني من وضع نفسي سيء للغاية، كما احتاج الى استكمال العلاج الصحي للاماكن التي اصبت فيها بالرصاص، وهذا يتطلب اموالا لدفعها للاطباء، وليس معي منها اي شيء. وها انا جئت سيرا على الاقدام اليكم في «البيان» في بيروت حيث مشيت اكثر من ساعة لأدلي بشهادتي عن المجزرة، لانه ليس لدي حتى دفع اجرة سيارة كل ذلك بسبب اسرائيل وشارون بالذات. محامي الشيطان من جهته، ينكر شارون عبر محاميه الشخصي البلجيكي اديان ماسيه على المحكمة البلجيكية اي حق في النظر في قضية الدعوى المقامة عليه حول دوره في مجازر صبرا وشاتيلا. من بين الدفوع الاسرائيلية التي يعرضها ماسيه ان شارون خضع للجنة تحقيق رسمية حول هذه القضية، وهي كانت تتمتع بجميع الصلاحيات القضائية. و الطريف ان ماسيه «يستنجد» بالقانون اللبناني نفسه، اذ يعلن ان موكله لو كان في لبنان، لما جرت محاكمته عن مجازر المخيمين «بسبب قانون العفو اللبناني» مضيفا انه: قدمت في لبنان دعوى اخرى ضد شارون، ولاجدوى من عقد محاكمة موازية في بلجيكا. ويرى الدفاع عن شارون ان تلك الدعوة تمس بسيادة الدولة العبرية وسيادتها القضائية: لان القانون الدولي يمنح حصانة مطلقة لرؤساء الدول تمنع تقديمهم الى محاكمة في دول اخرى. الجدير ذكره انه يساعد المحامي البلجيكي طاقم اسرائيلي موسع برئاسة المدير الدولي في النيابة العامة الاسرائيلية عيريت كاهان، ورئيس قسم اوروبا في وزارة الخارجية في اسرائيل دانييل ساك. وترى مصادر اسرائيلية ان استمرار البحث البلجيكي في القضية يمكن ان يقود الى ازمة لم يسبق لها مثيل في العلاقة بين البلدين، في ما تسعى اسرائيل الى دفع الحكومة البلجيكية الى تغيير القانون الذي يسمح بمحاكمة شارون، عبر ضغوط تمارسها سواء في بلجيكا او فرنسا. الا ان نوابا بلجيكيين لا يكتفون برفض مثل هذه الضغوط، بل يطالبون ايضا بمحاكمة وزير الخارجية الاسرائيلية شيمون بيريز بتهمة اصدار الاوامر بقتل مدنيين لبنانيين في مجزرة قانا عام 1996 عندما كان رئيسا للحكومة في اسرائيل انذاك. ويؤكد محامو الضحايا رفض الحجج الاسرائيلية ويقولون ان القضاء البلجيكي مؤهل للنظر في الدعوى ضد شارون، وان تحويل القضية الى ملاحقات معلقة حاليا في لبنان غير جائز. لكن ثمة عوامل وظروفا دولية طرأت مؤخرا على مسار قضية مقاضاة شارون، طرحت اتجاها لطي ملفها، ووضعها في الحفظ، رغم ان المحامي ميشيل فيرستراتين، وكيل المدعية سعاد سرور وعدد من الناجين من مجزرة صبرا وشاتيلا والرابطة العربية ـ الاوروبية في بلجيكا، يؤكد: ان الوقت مازال مبكرا للتحدث عن اي بث في الدعوى المرفوعة ضد شارون امام المحاكم البلجيكية، على خلفية قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بالغاء مذكرة توقيف دولية كان قد اصدرها القضاء البلجيكي في حق الوزير السابق للخارجية في الكونجو عبدالله بروديا نومبازي. يوضح فيرستراتين: لا اريد ان اتحدث عن الموضوع من وجهة نظر سياسية، بل يجب علينا ان ننظر اليه من زاوية قانونية بحتة، ومن هنا نجد ان المعطى الوحيد الذي استجد على ملف الدعوى هو مسألة الحصانة الدبلوماسية لوزراء الخارجية وعلينا الا نضع المسألة في اوسع من هذا الاطار، او ابعد من قرار محكمة العدل الدولية «بحد ذاته»، في اشارة الى تصريح مستشار وزير الخارجية البلجيكية للشئون العدلية ايان دوفادر حول طي ملف مقاضاة شارون، بالاضافة الى تصريحات بعض المسئولين الاسرائيليين في الاتجاه نفسه استنادا الى قرار محكمة لاهاي. لكن رئيس الرابطة العربية ـ الاوروبية في بلجيكا دياب ابو جهجة يعتبر ان مسار الدعوى المرفوعة ضد شارون في بلجيكا هوالذي اثر على قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بابطال ملاحقة الوزير الكونجولي السابق من قبل بلجيكا وليس العكس بمعنى انه سواء الذين صوتوا ضد القرار او معه من القضاة تأثروا بالدعوى المرفوعة ضد شارون في بلجيكا. من جهته يقول المحامي مايكل فيرجاني الذي يمثل عددا من الفلسطينيين الناجين من مجزرة صبرا وشاتيلا في العام 1982 ان التحقيق في هذه القضية يمكن ان يستمر لان الصلاحية العالية للقضاء البلجيكي لم تعتبر غير قانونية، او منافية لمباديء الحصانة، ولا التحقيق الذي يجري في اطار هذه الصلاحية العالمية، مضيفا الاشارة الى: ان محكمة العدل الدولية طلبت من بلجيكا الغاء مذكرة التوقيف وليس الغاء التحقيق، الامر الذي يمكن اعتباره مطمئنا، ولافتا الى ان التحقيق في قضية صبرا وشاتيلا قد يستمر ثلاثة او اربعة او خمسة اعوام. وجهة نظر اسرائيلية لا يجمع الاسرائيليون على التصفيق لقرار «محكمة لاهاي» ذاك ولا على التفاؤل بانعكاساته الايجابية على قضية مجرمهم الحربي التاريخي ففي تقدير المحلل السياسي الاسرائيلي عكيفا الدار انه «حتى لو نفضت المحكمة في بلجيكا يدها من دعوى اقارب ضحايا مذبحة صبرا وشاتيلا، فمن غير المؤكد ان شارون سيتمكن من ارسال محاميه الى البيت ليرتاح. لماذا؟ يوضح الكاتب ـ المحلل في صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية مؤخرا: ان قلائل يتذكرون انه عشية الانتخابات الاخيرة لرئاسة الحكومة قدمت النائبة زهافا غلاؤون من «ميرتس» استدعاء الى المحكمة العليا، تطالب فيه بكشف كل الشهادات والمحاضر التي استخدمت كأساس لتقرير لجنة التحقيق الحكومية في قضية المذبحة «صبرا وشاتيلا» المعروفة «بلجنة كاهانا» يتضح ان القضية بقيت مفتوحة حتى هذا اليوم بالذات، وان المحاضر قد تسقط في ايدي المدعين من اخر مصدر يمكن ان يتوقعوه. في الاستدعاء الى المحكمة العليا كتبت محامية باسم غلاؤون، انه بما ان الموضوع حدث قبل اكثر من 18 سنة، وازاء حقيقة ان اسرائيل انسحبت من لبنان، لا يلوح خطر على امن الدولة من كشف الشهادات، وذكرت ان من حق الجمهور، بل من واجبه ان يحصل على المعلومات المتعلقة مباشرة بما حدث في صبرا وشاتيلا. استغلال بلجيكي يحرص البلجيكون ان يؤكدوا استقلالية قضائهم وقدرته وصلاحياته على محاكمة مجرمي الحرب وفق القانون الصادر في بلادهم عام 1993، وتعديلاته سنة 1999، وهو يتمتع بما يسمى في لغة القانون بـ «الصلاحيات الشاملة» التي تتيح محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ابادة، وجرائم ضد الانسانية، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة، او جنسية المدعي او المدعى عليه. ومن الطبيعي ان تبدي اسرائيل القدر الاكبر الممكن من معاداة ذلك القانون، ورفضه، واعتباره: مدخلا لان يتدخل القضاء البلجيكي في شئون لا تعنيه»، حسب تعبير رئيس دائرة اوروبا في وزارة الخارجية الاسرائيلية دانيال شيك في اعقاب الجلسة الاخيرة المعنية في بروكسل بتاريخ 28 نوفمبر الماضي. ويعتبر شيك انه: تم استغلال ذلك القانون «البلجيكي» سياسيا، لكنه لا يتوانى عن الاعتراف بأن المسئولين الاسرائيليين يواجهون صعوبة في قبول ان يحاكم رئيس وزراء في بلد اجنبي. من جهته ذهب شارون الى ابعد من ذلك، وان كان في الاطار نفسه، حيث اعتبر ايضا، عقب تلك الجلسة ذاتها: ان التهم الموجهة التي هي نتيجة سياسية واضحة عادية لاسرائيل، ومعادية للسامية وهي محاولة لمقاضاة دولة اسرائيل. ويخشى البعض ان يؤثر هذا المنطق سلبا في الدعم الاوروبي والدولي للدعوى ضد شارون، ويبرر تخوفه بالدلالات غير المشجعة لقرار «محكمة العدل الدولية، مطلع مارس الماضي، والذي الغى مذكرة توقيف دولية اصدرها القاضي البلجيكي بحق وزير خارجية الكونجرس السابق، «وفق ما اشرنا اليه اعلاه». لكن ثمة من يؤكد في مقابل ذلك ان الدعوى ضد شارون مستمرة، اذ يلفت احد وكلاء الادعاء المحامي اللبناني شبلي الملاط الى انه لاتوجد معطيات توحي بان القضية المرفوعة ضد شارون سوف تنتهي، لن نتخلى من جهتنا، عن الدعوى، فلدينا امكانية تمييز الحكم، وكذلك يمكن لمحامي شارون القيام بالخطوة ذاتها اذا كان القرار لصالحنا.