يشكل التياران القومي والإسلامي أوسع القوى الحية داخل المجتمعات العربية وبشكل خاص اذا ما انطلقنا من تعريف المؤتمر القومي الاسلامي لمن يدخل في اطار التيار القومي ومن يدخل في اطار التيار الاسلامي.. يعرف المؤتمر القومي الاسلامي التيار الاسلامي بأنه كل من ينطلق من اجتهادات اسلامية بصرف النظر عن المذهب الذي يلتزم به. ويعرف التيار القومي بأنه كل القوى التي تنطلق من أيديولوجية قومية، واشتراكية، أو ليبرالية، أو مسيحية. المهم بالنسبة للمؤتمر ان يكون عضو المؤتمر القومي الاسلامي ممن يؤمن بأهمية الحوار مع الأطراف الأخرى، ويعترف بحقها في حياة حرة كريمة، ومواطنة متساوية، ومشاركة فعالة في قضايا الوطن والمجتمع. ليس هناك من يملك الحقيقة المطلقة التي لا تقبل اجتهادا آخر، ولا رأياً مخالفاً. الكل ملتزم بالنهج الذي يقول: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. لقد اقتنعت قيادة التيارين ان الصراع بينهما لم يستفد منه الا الطغاة في الداخل والاعداء في الخارج. ولا خيار امام التيارين للنجاح في المواجهة والتصدي الا بوحدتهما ونبذ الصراع فيما بينهما. والحوار وحده هو سبيلهما لتحقيق ذلك.. بفضل هذه القناعة تداعى الفريقان الى لقاء موسع انعقد في بيروت عام 1994. وقد ضم أغلب قيادات التيارين. وكان شعار الطرفين «لنتعاون فيما نتفق عليه ونعذر بعضنا البعض فيما نختلف فيه». لكن أربع قضايا أساسية اعتبرها المؤتمرون أساساً لأي اتفاق. إذ بدون الاتفاق حولها يصعب ان يكون هناك اتفاق. هذه القضايا تتعلق بالإسلام، بالوحدة العربية، بالديمقراطية، بالصراع العربي الصهيوني. أثار القضية الأولى التيار الاسلامي والذي أكد انه بدون الاتفاق حول موقف واضح من الدين الاسلامي فإن من الصعب الاتفاق حول أي نقطة أخرى. والانطباع القائم ان التيار القومي يعادي الدين الاسلامي ويعمل على تهميشه في حياة مجتمع أغلبه من المسلمين. وهذا أمر يستحيل القبول به أو التعامل مع قوى تمارسه وتدعو إليه. رد القوميون ان الاسلاميين في خضم الصراع السياسي بين التيارين افتعلوا هذه القضية كعمل سياسي لتشويه صورة القوميين داخل المجتمع والحقيقة ان القوميين ـ عن قناعة كاملة ـ يرون ان العروبة جسد روحها الاسلام. ولو عاد الاسلاميون وقرأوا أدبيات القوميين بإنصاف وحيادية لتبينوا هذه الحقيقة. ولا ينكر القوميون ان بعض الفئات قد شطحت وأعطت بما كانت تطرحه مفهوم العداء للدين الاسلامي وقد استغل هذا الطرح لتعميمه على كل القوميين. بعد حوار ونقاش مسئول وصريح توصل التياران الى اتفاق يؤكد ان الدين الاسلامي هو الخلفية الثقافية للأمة بحكم انه دين الأغلبية وهو بالنسبة لغير المسلمين تأريخ وثقافة وحضارة. طرح القوميون من جانبهم القضية الثانية وهي قضية الوحدة العربية مستنكرين موقف التيار الاسلامي العدائي للوحدة العربية ودون مسوغ أو مبرر. وأكدوا من ناحيتهم ان الاتفاق حول قضية الوحدة العربية ـ بصرف النظر عن شكل هذه الوحدة ـ يعتبر أحد الأسس لاتفاق التيارين وتعاونهما. وقد اعترفت قيادات من التيار الاسلامي بأنهم فهموا دعوة الوحدة العربية بشكل خاطئ فقد تصوروا أن الهدف منها هو قطع الطريق على وحدة الأمة الاسلامية. ولم ينكروا أيضاً ان الصراعات السياسية بين الأنظمة العربية قد عملت على الاستفادة من نقطة خلاف جزئية لتجعل منها قضية القضايا. بمثل هذه الشفافية المحببة في الحوار أمكن للتيارين ان يتوصلا الى الاقرار بأن الوحدة العربية هي القاعدة والمنطلق لتحقيق الوحدة الاسلامية. فتح القوميون أيضاً موضوع الديمقراطية مستعرضين تجربتهم في الحكم الشمولي ورفض الآخر. معترفين ان ذلك قد جرّ الويلات على الوطن والأمة فقد دخلت الفئات والمنطقة في صراعات بددت امكانياتها وأهدرت طاقاتها، وعطلت نموها، وهيأت المناخ للقوى الخارجية المتربصة للتدخل وضرب كل طرف بالطرف الآخر. سواء على المستوى القطري أو القومي. إلى جانب كل ذلك ما سببته الشمولية من انتهاك مفرط لحقوق الانسان. ويلخص القوميون ان التجربة قد أوصلتهم الى قناعة مطلقة ألا خيار لاستقرار الأمة وتطورها، وتنمية قدراتها لمواجهة التحديات والتعددية الحزبية والسياسية، والتداول السلمي للسلطة، واحترام حقوق الانسان. وشكك القوميون في أن يكون الاسلاميون قد وصلوا الى هذه النتيجة، وانهم لا يزالون يرفضون التعددية، ويرفضون القبول بالاحتكام الى الأغلبية من خلال انتخابات حرة ونزيهة ومتكافئة. ويرى القوميون ان الاتفاق على النهج الديمقراطي أساس للاتفاق بين التيارين وبدونه يصعب نمو الثقة اللازمة للتعاون بينهما. وسيظل كل طرف يتوجس خيفة من وصول أي منهما الى سدة الحكم. وبعد حوار هادئ ومستنير أقر المجتمعون من قيادات التيارين ان الشورى منهج اسلامي لتبادل الآراء وتحديد سبل العمل وحزم الأمور. والتعددية قاعدة للاجتهادات، والديمقراطية آلية للعمل السياسي، والحوار وسيلة لإدارة الاختلاف. كما أقر التياران حق كل القوى السياسية في ممارسة العمل العام كما هو حق لكل مواطن في ظل الشرعية الدستورية والمشروعية القانونية. وأدان التياران كل انتهاك للحريات وحقوق الانسان. القضية الرابعة لم تكن محل خلاف بين التيارين وهي قضية الصراع العربي مع الكيان الصهيوني والذي يعتبره الطرفان صراع وجود لا صراع حدود. وقد أثبتت اسرائيل الصهيونية للمراهنين على السلام الصهيوني الأمريكي مصداقية هذا الشعار الذي تتبناه الصهيونية عقيدة، ومنهجاً، وممارسة. ولهذا رفضت اسرائيل الصهيونية كل المحاولات لإقامة دولة علمانية يشترك فيها جميع السكان بصرف النظر عن دياناتهم. ورفضت كل دعوات السلام. وما مذابح دير ياسين، وصبرا وشاتيلا، وقانا، وأخيراً جنين إلا علامة على الطريق تؤكد ان الصراع صراع وجود لا صراع حدود. بالاتفاق على القضايا الأربع الأساسية ذاب الجليد وأتيحت الفرصة لإمكانية العمل المشترك على قاعدة التعاون في المتفق والاعذار في المختلف. أما السؤال الذي يطرح نفسه فهو أين نحن بعد ما يقرب من سنوات سبع؟ للحديث تتمة