في هذه الحلقة الثانية نلتقي بنخبة من الغربيين شملت جيمس زغبي مؤسس ورئيس المعهد الامريكي لدراسة تأثيرات السياسة والتشريعات على الجالية العربية في امريكا ومارتن وولاكوت الكاتب والصحفي، في صحيفة «الجارديان» البريطانية، وجاك شاهين الناقد الاعلامي المشهور والمستشار السابق لمحطة سي.بي اس الامريكي، وجون سنونو كبير موظفي البيت الابيض في عهد الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش، واريك رولو الكاتب والصحفي البارز بصحيفة «اللوموند» الفرنسية وهيلينا كوبان الكاتبة المرموقة في صحيفة الكريستيان ساينس مونيتور وكريس دويل كبير المسئولين الاعلاميين بمجلس تطوير التفاهم العربي البريطاني، وباتريك سيل الكاتب والمستشار البريطاني المتخصص في شئون الشرق الاوسط وتيم لويلن من بي. بي.سي البريطانية، وطرحت امامهم سؤالا حول جدوى المقاطعة التجارية العربية للولايات المتحدة ومدى انحيازهم لها ام للحلول التفاوضية. وبطبيعة الحال فقد تبيانت واختلفت وجهات نظر هذه الفعاليات ودعا بعضها الى تبني افكار جديدة لاقناع الغرب بعدالة القضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية ومخاطبة العقل الغربي من خلال منظومة الاعلام العربية والغربية، وخرج «بيان الاربعاء» بهذه الحصيلة من الآراء: جيمس زغبي: بالتأكيد ان السياسات التفاعلية الايجابية دوما افضل في نتائجها من السياسات السلبية الدفاعية، ان سياسات المقاطعة الاقتصادية ضد المصالح التجارية الامريكية لن تكون سلاحا ايجابيا لانها لن تثمر الا نتائج سلبية تتمثل بمزاج شعبي معاد للعرب. ـ لكن هناك مزاج شعبي معاد الان في الشارع العربي؟ ـ زغبي: اعلم ذلك، الا انه من الافضل لنا ان نحول هذا الى برامج تنموية وتعليمية وحوار مع الغرب بدلا من مقاطعته، وهذا هو ما يفعله الامريكيون العرب يوميا عبر منظماتهم وجمعياتهم، وعلى السفارات والبعثات الدبلوماسية العربية في امريكا والغرب ان تقوم بالشيء نفسه، وهذه السياسة تعتبر كافية للدفاع عن المصالح العربية في امريكا لكننا نظل بحاجة للدعم من العالم العربي وقد تحدثت على هامش المنتدى مع الامين العام لمنظمة الجامعة العربية التي لديها برنامج ممتاز لهذا الهدف، ان التكاليف المالية للشروع في مثل هذه البرامج ستكون اقل تكلفة بكثير على العرب من مقاطعتهم التجارية لامريكا انا متأكد ان المقاطعة ستكون باهظة في تكلفتها مقارنة بتطبيق برامج ايجابية للحوار فالحوار والتواصل هو السبيل الامثل للتفاهم بين الشعوب. الحوار لن يبدأ بالدبلوماسية ـ مارتين وولاكوت: اعتقد ان اجراءات مثل استخدام سلاح النفط ستكون اسلحة لهزيمة الذات ولن تفلح في تحقيق اي من الاهداف العربية، بل ستضر بالعرب فقط، كما اعتقد ان المبادرة والشروع بحوار لن يكون بالامر السهل نتيجة للوضع الدبلوماسي السائد حاليا في العالم، اضافة الى صعوبة تحديد مع من نتحاور. لقد اصبح الاعلام العربي يحوز الاعتراف عالميا بحصوله على منافذ اوسع وابعد في العالم وامتلاكه الكفاءة التقنية الى حد ابعد بكثير مما كان عليه سابقا، ومع ان قناة «الجزيزة» هي اوضح مثال على ذلك الا ان الجزيرة ليست المحطة التلفزيونية الوحيدة التي حققت هذا القدر من التقدم في اوساط الاعلام العربي، كما ارى ان الصحافيين الغربيين بدأوا فعلا ينظرون الى الاعلام العربي كمصدر مهم للمعلومات عالميا كما اخذوا يعتبرونه محكا قويا لمصداقية تقاريرهم وقادرا على تفنيدها. وتظل النقطة الاهم هل استمرار هذا التحول، وكما ذكر توما فريدمان في كلمته فإن من المهم ان يكتسب الاعلام العربي المزيد من الحرية والنوعية والدقة والعملياتية، وان حدث ذلك فسيصبح هذا بحد ذاته أداة فاعلة في التأثير على الرأي العام الغربي بحيث يتحول الى رقيب على ما تفعله حكوماته في سياساتها الخارجية وتكون له قدرة على تشكيلها. ـ وهل ترى اي دور للجامعة العربية في هذا المسعى؟ ـ وولاكوت: لقد فعلت الجامعة العربية كل ما تستطيع لتحويل مبادرة السلام السعودية الى مبادرة عربية واعتقد ان هذا كان جهدا مؤثرا جدا من جانبها حيث ساهم الى حد كبير في توضيح الصورة عن الاوضاع في المنطقة وان اسرائيل هي التي لاتزال غير مستعدة للتعامل مع مثل هذا العرض العربي للسلام، على كل حال قد تكون الجامعة العربية جاهزة مع الوقت وقادرة على قلب الطاولة، لكن المهم هو ان اي حوار غربي عربي لن يبدأ بوسائل دبلوماسية. ـ جاك شاهين: اعتقد ان اي مقاطعة تجارية سينظر اليها على انها اجراء عدائي لامريكا ولا ارى انها ستجدي، كما اعتقد ان هناك كثيرين جدا ممن لم يلتزموا بهذه المقاطعة ولكي ينجح هذا الاجراء يجب ان تلتزم به 48 دولة اسلامية ولا اعتقد ان هذا ممكن من الناحية الواقعية، لكن هناك سبل اخرى. ان من افضل السبل ان نقدم حقائق للادارة الامريكية تفسر لها لماذا يشعر كل انسان هنا بالغضب، اعتقد مخلصا ان الامريكيين لا يعرفون السبب ولهذا هم بحاجة لمعرفة ان العرب يريدون من حكومتهم سياسة عادلة ومتوازنة تجاه المنطقة لا سياسة مؤيدة لاسرائيل ولا سياسة مؤيدة للعرب ايضا بل سياسة قائمة على التوازن، والى ان يستطيع الرئيس الامريكي ان يقف امام مجلس الكونجرس والشيوخ ويقول ان امريكا لن تنتهج سياسة منحازة لاحد الجانبين بل نحن منحازون للسلام وندعم كل الشعوب، حينها فقط يمكن التوصل لحل لهذا التأزم، هذا سيكون اكثر فاعلية من المقاطعة وغيرها. انا لا أقول ان الناس يجب ان يمتنعوا عن المقاطعة التجارية، ما أقوله بالضبط هو انني اعتقد بأنها لن تنجح لا اعتقد ان سكان 48 دولة اسلامية سيلتزمون بمقاطعة اقتصادية لامريكا، قد أكون مخطئا ولكن هذا ما أراه. تحرك عاطفي ـ جون سنونو: الاجابة تعتمد على ما اذا كنا نريد ارضاء عواطفنا ام تطبيق ما نراه سياسة مثمرة، اذا كنا نريد ارضاء العواطف وألا نكون فاعلين ومؤثرين فالمقاطعة اذن سياسة جيدة تخدم هذا الهدف، انه خطأ اعتدنا عليه في العالم العربي حينما ننساق كثيرا وراء العواطف بدلا من التعقل. دعونا ننقاد لعقولنا هذه المرة ونتخلى عن انسياقنا وراء العواطف حين اتخاذ قراراتنا. اننا بحاجة لوضوح في خطابنا، اننا نقوم حقا بعمل طيب في حديثنا عن حقائق قضيتنا، لكننا نتواصل بهذه الحقائق مع انفسنا نحن داخل العالم العربي اكثر مما نتواصل بها مع الغرب، كما اننا نشبع رغباتنا العاطفية اكثر مما نعمل على تحديد هدفنا والتركيز عليه. وسأتحدث هنا عن قضية محددة، فأهم قضايانا هي القضية الفلسطينية نتيجة ما أراه من احتلال غير شرعي وغير اخلاقي من جانب اسرائيل لكن يجب علينا ان نتحدث عن هذا الاحتلال لان معظم الامريكيين بصراحة لا يفهمون حقيقة الاحتلال والتوسع الاستيطاني في الاراضي الفلسطينية، لم تكن هناك سوى احاديث قليلة عن هذه القضية في الخطاب العربي الموجه للغرب. هذا مثال عما نعتبره امرا محسوما بمجرد اننا نعرفه جيدا دون ان نتحدث عما نعرفه مع الاخرين حتى يعرفونه، وبالتأكيد فإن هذا المنتدى الذي نشارك فيه هو احد هذه الادوات الى جانب الحديث الى محطات التلفزة الامريكية وارسال المتحدثين اليها هناك للمشاركة في الحوارات بطريقة منطقية ومواصلة العلاقة وتبادل الافكار التي تركز على جوهر المشكلة مع الامريكيين وليس مجرد العواطف التي تلتهب ردا على هذه المشكلة. ان المقاطعة وفرض الحظر ستكون الوسيلة الاقوى لاعطاء نتائج عكسية في هذه المرحلة قطعا، واي عربي يقترح بأن شكلا من اشكال المقاطعة الاقتصادية يمكن ان يكون ايجابيا ليس لديه اي فكرة عميقة عن العلاقات بين العرب والغرب، فأسوأ ما يمكن فعله الان هو اضافة مزيد من الأوجه السلبية على هذه العلاقة. اعتقد ان النقطة الجوهرية الان هي فعل الاشياء المثمرة والمنتجة التي تعزز هذه العلاقة، واهم الاجراءات المنتجة هي تعزيز العلاقات التجارية التي تخدم الطرفين، ان العالم العربي ازدهر بسبب علاقاته التجارية مع الشركات الامريكية والشركات الامريكية ازدهرت بفعل علاقاتها التجارية مع العالم العربي، وان من «السخف» فعل شيء سيضر بالطرفين معا، على الاقل لانه ليس له اي تأثير مثمر بمعايير العلاقات السياسية بينهما ولن يفلح الا في تعزيز صوت اولئك الذين يحاولون تضخيم الخلافات في هذه العلاقة للوصول بها الى حد الانفصام ان هذه فكرة على ما اعتقد قد تفتقت عنها اذهان الموساد وليس اذهان اناس يريدون فعلا لهذه العلاقات ان تتحسن. ـ اذن ما هي البدائل؟ طول سنين وعقود ظلت العلاقات التجارية تزدهر دون ان ينعكس ذلك ايجابيا على العلاقات العربية الامريكية؟ ـ سنونو: ان هناك بدائل، ان البدائل تبدأ من قيامنا بمسئوليتنا في العالم العربي، وان نكون فعالين حقا حينما نخاطب الاخرين، اننا في العالم العربي نتحدث الى انفسنا وكثيرا ما نختار لهذا الحديث الشكل العاطفي، لكننا لم نحاول ابدا تبني وسائل فعالة لخطابنا في الولايات المتحدة والغرب عموما، لقد فشلنا كثيرا في التواصل مع الاخرين لنقنعهم بصورة الواقع الحقيقية، اننا نعتقد ان الجميع يفهمون تفاصيل هذا الواقع وان الجميع ايضا مسئولون عن البحث لمعرفة هذه التفاصيل. ان معظم المواطنين الامريكيين لديهم اولويات اخرى غير الخوض عميقا في شئون الشرق الاوسط نعم انهم يعون ان هناك مشكلة كبيرة في الشرق الاوسط، لكن هذه المشكلة ليست اساسية في حياتهم اليومية، وحتى نجعلهم يفهمون هذه الحقائق علينا ان نكررها مرارا وتكرارا على اسماعهم، ان العالم ينسى ان هناك مشكلة لاناس مهجرين انهم ينسون بفعل دورة الاحداث اليومية ان المسألة هي مسألة احتلال ولا يدركون خطورة المصاعب التي يواجهها من يخضعون لهذا الاحتلال. اننا لو استثمرنا نصف الجهد الذي تتطلبه مقاطعة اقتصادية للغرب ووجهناه نحو تعزيز التواصل معه سنحصل على نتائج افضل في مسعانا، هناك جهود يجب ان نبذلها لتحسين العلاقة والتفاهم مع الامريكيين بدلا من ان نزيد سوء الفهم سوءا. ـ ماذا عن الاستثمار العربي في امريكا، فهناك الكثير من الاموال العربية المستثمرة في شركات امريكية، الا يمكن لخطة تعمل على توجيه هذه الاستثمارات ان تكون اداة فاعلة في هذا المسعى؟ ـ نعم بالتأكيد هذه الاستثمارات والاموال العربية لها دورها، لكني اريد هنا ان اقول شيئا مهما: بطريقة او بأخرى ارتكب العرب خطأ فادحا وهم يضعون خطط استثمار هذه الاموال، لقد وجهوها نحو الشركات الكبرى في امريكا، فهذه الشركات هي من القوة والضخامة بحيث لاترى حتى في استثماراتها العربية او في العالم العربي اولوية مهمة بالنسبة لنموها، وفي المقابل لقد تجاهلوا الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كانت ستعتبر هذه الاستثمارات والعلاقات التجارية العربية اهم اولوياتها في سياساتها التجارية وكانت ستدافع عنها بقوة ويجب ان لا ننسى ان صوت رجل الاعمال الصغير صوت قوي ومسموع بقدر ما هو صوت رجل الاعمال الاضخم في حثهم اعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ على فعل الشيء الصحيح المطلوب، ولهذا فعلى الجانب الاقتصادي والتجاري يمكن للعرب بناء شبكة علاقات قوية جدا وكبيرة مع الشركات الصغيرة والمتوسطة بدلا من بضعة شركات كبرى لاتهتم بهم، هذا هو ما يجب ان نفعله على صعيد العلاقات التجارية وتحويل التجارة والاقتصاد الى سلاح بيد العرب وليس قطع هذه العلاقات. ـ هذا العداء لكل ما هو عربي في امريكا كيف نستطيع ان نغيره؟ ـ سنونو: بالعمل الدؤوب على طرح القضايا بأسلوب منطقي وموضوعي بعيدا عن العاطفة والتشنج، ان علينا مواصلة هذا المسعى، نعم اننا نتعرض لعداء ما من شك كان علينا ان نقبل ذلك باعتباره جزءا من المشكلة وان نعمل على تغييره. ـ لكن الامور اصبحت بعد 11 سبتمبر اكثر قسوة وازدادت الهجمة على العرب؟ ـ نعم، لكن دعني اقول لكم كم هو من الصعب على الناس هنا ان تتخيل حجم السوء الذي تتخذه ردة فعل الناس في امريكا على كل ما يعتبرونه اعمال ارهاب ضد المدنيين، انني اجد من الصعب علي احيانا ان اشرح لاصدقائي هنا في الشرق الاوسط كيف ان الارهاب مهما كانت القضية التي يدافع عنها هو بطبيعة ذاته مقولب بحيث يعزز ردود فعل سلبية وهي بدورها تعمل على ترسيخ علاقات ومشاعر سلبية بين كل الاطراف، وهذا بدوره ينطبق على مفهوم المقاطعة، فأنت لا تستطيع اقناع شخص ما بوجهة نظرك عبر مقاطعته، سيكون من الرهيب جدا ان ينظر الى العنف الذي يمارسه شارون الان باعتباره اجراء له اعذاره حيث يأتي للدفاع عن النفس ضد اعمال ارهابية لا يجوز لنا ان نعمل على خلق بيئة يمكن بشكل من الاشكال ان تبرر الاشياء الفظيعة التي حدثت. ما اريد قوله هو اننا يجب ان نكون من الذكاء في سلوكنا بما يكفي لحرمانهم من اي وسيلة تمكنهم من تبرير سياسة شارون في عيون الامريكيين، كما اننا يجب ان نكون من الذكاء بحيث نفهم اننا لن نستطيع على المدى القريب ان نخلق جوا سائدا من ردود الفعل الايجابية، ان رسالتي التي اريد ان اوصلها تتركز حول المفعول العكسي الكبير لاي عمل سلبي بالنسبة للعرب وبالنسبة لاي كان يريد ان يدافع عن القضية الفلسطينية وقضايا العرب في امريكا مثلي، انكم لا تتخيلون مدى الصعوبة التي اواجهها انا او ابني مثلا في الكونجرس او اي شخص اخر حينما يريد ان يثير سجالا سياسيا حول القضية الفلسطينية في امريكا، اذ ان الطرف الاخر يستطيع دوما في مثل هذه الاجواء ان يرمي بورقته الاخيرة قائلا: حسنا ان أعمال اسرائيل تأتي انتقاما من الهجمات ضد الاسرائيليين. ان الامريكيين العاديين في حياتهم اليومية لايعون او لايتابعون تفاصيل الاحداث الجارية او تفاصيل القضية باعتبارها احتلالا او تفاصيل البؤس الذي يعانيه الفلسطينيون، ولهذا لا نستطيع نحن ان نتوقع حدوث تغيير على الساحة الامريكية وفهمها لحقائق الصراع القائم مالم نتحمل مسئولياتنا بالتزام كبير ونبدأ التواصل الحقيقي وبوضوح مع الامريكيين بخصوص ماجرى منذ 35 عاما حتى الان. ـ لكننا ندرك صعوبة الشروع في مثل هذه الحملة التواصلية الان في ظل الظروف السياسية المعقدة التي اصبحت تطبع العالم كله بطابعها الان. ـ اريد ان اسأل سؤالا محددا: هل هناك جانب ايجابي واحد بخصوص العمليات «الانتحارية» استطيع انا او غيري ان نورده في اي سجال سياسي في امريكا بخصوص قضية السلام في الشرق الاوسط، انها لم توقع الرعب في صفوف الاسرائيليين بل جعلتهم يشعرون بالغضب، وهناك فرق بين الخوف والشعور بالغضب طبعا يستطيع اي كان هنا ان يجادل بأن هذه العمليات يمكن ان تحدث تغيرا لان شيئا لم يتغير، وانا اوافق على هذا، لكن مثل هذا السلوك سيعطي اولئك الموجودين في واشنطن ممن يريدون للسياسة الامريكية ان تبقى على وضعها الراهن الذريعة للقول ان اسرائيل ترد على هجمات «ارهابية» وبالتالي لن يستطيع الطرف المقابل ان يواصل ادانته للهجمات الاسرائيلية اي ان هذه العمليات تحرم انصار القضية الفلسطينية من اسلحتهم السياسية. انا اعي ان الفلسطينيين ربما يقومون بهذه الهجمات بدافع اليأس من حدوث تغيير على اوضاعهم، لكني اسأل ما الذي يمكن للعمليات «الانتحارية» ان تغيره؟ انها لا تعمل الا على احداث ردود فعل سلبية ازاءها، وعقب كل عملية كانت ظروف الفلسطينيين اكثر سوءا مما كانت عليه وقت حدوثها، اعود واقول ان ظروف الفلسطينيين في كل يوم يلي عملية «انتحارية» هي اكثر سوءا من اليوم الذي يسبقها. اختلاف مع بوش ـ لكن الا ترى ان الولايات المتحدة بدعمها لما يقوم به شارون لا تعمل الا على زيادة العمليات، فبعد كل ما حدث في الاراضي المحتلة نجد الرئيس بوش يخرج علينا ليقول بأن شارون هو رجل سلام. ـ انني اعارض تماما قوله ان شارون هو رجل سلام، بل ان العديد من مستشاريه المقربين يعارضون هذا القول ايضا، لكن هؤلاء حينما يوجهون مطالبهم بإحداث تغيير في السياسة الامريكية الراهنة يتم اسكاتهم دوما بالقول ان ما تقوم به اسرائيل هو رد على الهجمات التي تعرضت لها،غير ان هذا الجواب لا يمكن الرئيس بوش من تبرير سياسته على هذا النحو الذي نراه. حينما اتحدث مع اصدقائي هنا في الشرق الاوسط كثيرا ما اسمعهم يقولون لي: انك لا تفهمنا، لكني دائما اقول لهم توقفوا عن هذا، قد لا اكون قادرا على فهم الامور برمتها مئة في المئة، الا انني افهم قدرا كبيرا منها، غير انكم انتم لا تفهمون الى اي مدى هذه الاعمال سلبية بمعايير نتائجها علينا وعلى عملنا لاحداث تغيير في السياسة الامريكية. ـ من خبرتك الطويلة في السياسة الامريكية ماذا يمكن ان يفعل الطرف العربي اذا ما اراد ان يعدل من الانحياز الامريكي الاعمى نحو الجانب الاسرائيلي؟ ـ يجب وضع برنامج طويل المدى للتواصل مع المجتمع الامريكي، والامر من ناحية المبدأ سهل جدا، فمثلما يحاول الطلاب تقليد الطالب ذا الاداء المتميز في الصف الدراسي، لنجلس وننظر ما الذي يفعله غيرنا حتى يحقق هذا التفوق في حرب المعلومات والعلاقات العامة في امريكا، لنرى ما الذي يفعله اللوبي اليهودي بقيادة منظمة ايباك ونفعل مثله، انهم يبذلون المال والوقت والجهد والتركيز ويرسلون متحدثين متميزين لينوبوا عنهم في ايصال رسالتهم على شاشات التلفزيون كل يوم، انا اشاهد التلفزيون يوميا وفي كل ليلة ارى متحدثين متفوهين ومستعدين جيدا ليدافعوا عن مواقف شارون، كما يحرصون على ارسال وجوه جديدة دوما لانهم يعرفون ان الاعلام يهوى الوجوه الجديدة والتغيير، انا نرى في كل مكان وزمان يهودا مستعدين للدفاع عن اسرائيل ويتفانون في دفاعهم عنها. اما على الجانب العربي فليس هناك سوى وجهين او ثلاثة وجوه اعتدنا عليهم رغم اخلاصهم في الدفاع عن الموقف العربي، عادة ما يظهرون على شاشة التلفزيون وهم مفتقدون للحقائق التي لايجدون من يمدهم بها ولهذا يلجأون للحديث اعتمادا على العواطف، لقد سمعنا متحدثين خلال منتدى الاعلام العربي يقولون انهم في بريطانيا «يستجدون» الناس ليأتوا ويشاركوا في الحوارات السياسية، واذكر هنا احدث مثال عن الضباب العربي فقبل ايام بدأ الكونجرس العمل على تمرير قرار ضد سوريا مقدمته تحتشد بالاتهامات الخطيرة الموجهة لها. لن يكون من المجدي لسوريا ان نقول: هذه كلها اكاذيب، لن اشارك في هذه الجدال السياسي الذي لا اساس له، هذا ما اعتدنا على فعله دوما، احيانا نعتبر ان المشاركة في مثل هذه السجالات السياسية ليس الا انتقاصا من كرامتنا، لكن الامر ليس على هذا النحو، لابد من ان نشارك والا فسنترك الساحة لطرف واحد يتمتع بتمثيل جيد عنه، لماذا نلوم الامريكيين على اتخاذهم جانب طرف هو الوحيد الذي يسمعونه ويحاورهم، انه ليس خطأ الامريكيين، هم يسمعون صوت طرف واحد فقط. علينا ان نقدم لهم المعلومات، في السابق لم يكن من السهل علينا ان نوجه خطابنا لهم عبر التلفزيون، انا شخصيا قبل اربعين عاما ما كنت استطيع ان اعبر عن رأيي على شاشات التلفزيون، الامر اصبح اسهل لاحداث توازن في الضخ المعلوماتي. الامريكيون يعلمون ان اسرائيل عرضت على عرفات 95% من الارض مقابل السلام، لكنهم لايعرفون ان هذه الخمسة والتسعين في المئة ليست الا من اصل 22% من كامل ارض فلسطين، لا احد قال لهم ذلك، وان كان الامر يتطلب ان نكرره على مسامعهم مئة مرة، فلا شيء يمنعنا من ان نكرره مئة مرة، لايفيدنا ابدا ان نقول لانفسنا لقد اخبرناهم بهذه الحقيقة ذات مرة، ليس هناك ماهو اعمق من هذا، كل مافي الامر اننا لا نواصل العمل المطلوب منا. في كل يوم وفي كل مكتب لعضو في الكونجرس تجد من يتحدث عن اسرائيل، منذ ستين عاما، اما نحن فلم نبدأ ابدا الحديث بشكل بناء، ان حديثنا في اعلامنا لن يفيدنا هناك، نريد خطابا اعلاميا يستطيعون ان يسمعوه، لقد تطلب الامر مني انا الذي احتاج جدا للمعلومات تسعة شهور كاملة حتى اتمكن من معرفة تفاصيل المفاوضات في طابا ولم يكن ذلك بشكل رسمي بل عن طريق صديق فلسطيني، تسعة شهور وانا استجدي المعلومات من العرب، هذا جنون! هذا هو الجنون بعينه. لا احد يأتي للسياسي الامريكي ويقدم نفسه باعتباره فردا من اللوبي الاسرائيلي في امريكا، الامر هو ممارسة حياتية يومية فالسياسي نهاية الامر هو فرد في المجتمع يلتقي بجيرانه واصدقائه وناخبيه ليسمع من المئات منهم يوميا كم هي العمليات «الانتحارية» فظيعة وكم يعاني الاسرائيليون منها حتى يتحول الامر الى حقيقة وهاجس يحاصر هذا السياسي من كل جانب. المقاطعة ليست سلاحاً فاعلاً ـ ايريك رولو: لا استطيع اعطاء حكم قاطع ردا على هذا السؤال وتحديد ما الذي يمكن ان ينجح او الذي سيكون محكوما بالفشل من بين الوسائل المتاحة للضغط على الغرب، ولكني اقول ان الغرب او بعضا منه مثل امريكا ينظر للدول العربية بدونية لان العادة هي ان القوي يحتقر الضعيف، لكني مقتنع بأن العالم العربي ليس ضعيفا، بل لديه القدرات الكافية ليقف ويقول للغرب لا، ان كل الوسائل مجتمعة مطلوبة لمواجهة الغرب بما فيها الاعلام. ثانيا انا لست من المقتنعين بأن المقاطعة سلاح فاعل، فبعد ثلاثين عاما اكتشفنا بأن سلاح المقاطعة لم ينفع ضد اسرائيل، فاسرائيل كانت تصدر عن طريق بلاد اخرى. كما ان المقاطعة حتى لو كانت سلاحا فاعلا فإنها تتطلب سنوات حتى يبدأ مفعولها بالظهور اما الان فإننا نواجه وضعا طارئا فهناك مشكلة ملحة حيث الناس تموت يوميا في فلسطين. لو كنت فلسطينيا ووجدت من يحدثني عن المقاطعة لضحكت لانني اريد ان ارى شيئا الان، من الناحية النظرية الشيء الوحيد الذي يمكن ان يهز الغرب هو النفط الا انني حاليا غير قادر على الحكم تماما على امكانية ذلك من الناحية الفنية والسياسية فبعض الحكومات العربية على علاقات وثيقة مع امريكا لذلك لا استطيع ان اقدم ردا قاطعا لكن الشيء الوحيد الذي اعرف انه قادر على هز الغرب هو قطع امدادات النفط ولو لاسبوع واحد. هيلينا كوبان: لا استطيع ان اكون قاطعة في اي جواب، فمثل هذه المسألة تظل متروكة للعالم العربي حتى يجد لها الاجابة الدقيقة، لكنني اعتقد ان مواصلة الضغط بالاعتماد على القيم الانسانية الجوهرية مثل معاهدة جنيف لحقوق الانسان والتأكيد على تعدد اوجه لاشرعية الاجراءات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية يمكن ان تكون مفيدة فعلا. ما أراه حقا هو ان الغالبية العظمى من الامريكيين لا تفهم حقيقة ما يجري باعتباره احتلالا عسكريا ضد شعب اخر استمر طوال 35 عاما، اذكر انني حينما بدأت اشرح لبعض مواطني الامريكيين هذه الحقائق كانت ردود فعلهم تدل على استغراب واندهاش: هل تعنين ان الفلسطينيين محرومون من حرية التصرف باراضيهم منذ 35 عاما؟ اننا كمختصين بالقضايا الانسانية والدولية يجب ان لانكف الحديث عما يعنيه العيش تحت الاحتلال بالنسبة للبشر، وحينما نفعل سيتضح للناس حجم المعاناة التي يسببها الاحتلال، والحديث المباشر مع الناس هو بقدر فاعلية الحديث في مثل هذه المنتديات. اما عن المقاطعة التجارية فعليها كسلاح اذا ما اردات النجاح ان تقنع مواطني الدولة المستهدفة ونخبها السياسة وهذا هو ما جعل المقاطعة ضد حكم الابارتيد في جنوب افريقيا فاعلة وهذا هو ما جعل المقاطعة والعقوبات الاقتصادية ضد العراق فاشلة، انها لم تقنع اي مواطن عراقي بأن الرئيس بوش يريد لهم حياة افضل فعلا. ان المقاطعة هي احدى وسائل نقل الرسائل الى الطرف الاخر، نعم يمكن ان تكون وسيلة ممكنة الا انها تحتاج للكثير من الوقت لكنها ستكون عديمة الجدوى ان لم تكن مصحوبة بحملة موازية من التوعية والاعلام مثلما حدث حين تمت مقاطعة الابارتيد، كان العالم دوما يقول يجب ان تمنحوا حق الانتخاب للمواطنين السود. ـ هل تعتقدين ان هذا الحوار يمكن ان يفلح في الشرق الاوسط؟ ـ كوبان: اعتقد ان مفاوضات مدعومة بتعبئة شعبية واسعة في فلسطين يمكن ان تنجح فعلا، ما اعنيه هو ان القتال بالسلاح ليس الطريق الوحيد للقتال وبالتأكيد فان وسائل اللا عنف هي ايضا طريق جيد للقتال اما الهجمات «الانتحارية» فهي ذات نتائج عكسية، اما بالحوار فيمكن شيئا فشيئا ان نقنع الاخرين بأن ما يفعلونه خطأ، وارى اعدادا كبيرة في الغرب وفي اسرائيل غير سعيدة بما يحدث الان من عمليات عسكرية وتدمير وقتل وتهجير. نعم للمقاطعة المنهجية ـ كريس دويل: نعم يمكن للحظر النفطي او المقاطعة ان تكون فعالة جدا اذا ما تم تنفيذها بطريقة منهجية لكن اؤكد على ان مثل هذا الاجراء يجب ان يتوازى مع حملة اعلامية قوية تستهدف الرأي العام الغربي والرأي العام في اسرائيل ايضا بحيث نضمن ان كل مهتم بالسلام يمكن ان يشارك بها ايضا، فلا يكفي ان نقول للغرب اننا نحن العرب غاضبون بل يجب ان نشرح لهم سبب غضبنا. يجب ان يعلم العالم السبب الذي يجعل الناس من الرباط الى بغداد غاضبين ولماذا يشعرون كلهم بالسخط نتيجة لما يتعرض له الفلسطينيون، هذه الرسالة يجب ان تؤكد على الاسباب، وان تشرح ما الذي يجعل الفلسطينيين مستعدين للتضحية بحياتهم على هذا النحو الذي شهدناه، نعم انا اعلم السبب، لكن ماذا عن غيري ممن يعيشون في الغرب. ومع ان الحظر النفطي قد يكون فاعلا الا انه سيولد شعورا عدائيا ضد العرب، اذا لم يقم العرب حتى الان كما ذكر عمرو موسى في افتتاح المنتدى بحملة اعلامية قوية ومنظمة تشرح للغرب سبب عدم كفاية عرضي كامب ديفيد واوسلو وكونهما منحازتان جدا لاسرائيل. واذا ما نجح الحظر النفطي فإن كل ما سيراه الغرب هو غضب العرب وليس اسباب هذا الغضب التي نريد ان نشرحها لكل السياسيين في العالم، الحظر النفطي سيكون ناجحا بالتأكيد على المدى القريب حيث سيجبر امريكا على اعادة النظر في سياساتها، لكنه قد يأتي بنتائج سلبية على المدى الطويل حيث سيدفع المستهلكين للبحث عن مصادر اخرى للنفط او بدائل له لتقليل الاعتماد على النفط العربي، بل سيزيد من سرعة عملية البحث عن هذه البدائل. اذا ما كان العرب مستعدين لاشهار هذا السلاح فعليهم ان يكونوا مستعدين ايضا لخوض حملة اعلامية عالمية لشرح مواقفهم، النتائج طويلة الامد لحظر النفط ستكون تعزيز الصورة السلبية عند العرب في اذهان باقي العالم. ـ تيم لويلن: اعتقد ان على العرب ان يستخدموا كل سلاح متوفر في ايديهم لاقناع الرأي العام الغربي بحماقات سياسات حكوماته بما في ذلك سلاح النفط، ونحن في اوروبا نحاول التوصل لاجماع حول تحرك مشابه يتمثل بوقف الاتفاقيات الخاصة بالعلاقات التجارية مع اسرائيل لاننا نعلم ان مثل هذه الاجراءات يمكن فعلا ان تضر باسرائيل، اي طريقة قادة على لجم اسرائيل او نبذها سواء كانت مقاطعة تجارية او مقاطعة ثقافية. المطلوب الان هو الضغط على اسرائيل لافهامها ان ما تقوم به غير مقبول، لقد اتخذ الاتحاد الاوروبي اجراءات معينة وسيتخذ اجراءات اخرى للحد من تدفق السلع الاسرائيلية الى دولة، ولا ارى ضررا في استخدام المقاطعة التجارية لتحقيق المطالب السياسية. لدى العرب أسلحة اخرى ـ باتريك سيل: حينما يتعلق الامر بالنفط فانني ارى ان هذا المنتج تحديدا يتمتع بوضعية خاصة من المهم للعرب ان يضغطوا على امريكا بمقاطعة المنتجات الامريكية وبسحب الاموال من المصارف الامريكية، هناك الكثير من الاجراءات التي يمكن القيام بها، اما النفط فهو شيء مختلف على الاغلب لاني لا اعتقد ان منظمة الدول المصدرة للبترول ـ اوبك ـ هي اليوم بالقوة ذاتها التي كانت عليها في السبعينيات، فكما نعلم لا تسيطر اوبك اليوم الا على اربعين في المئة من الانتاج العالمي للنفط فيما كانت تسيطر في السبعينيات على سبعين بالمئة من الانتاج. وروسيا حريصة جدا على ان تزيد حصتها من سوق النفط العالمي على حساب اوبك وان تصبح المصدر للنفط الى الغرب لهذا ارى ان الظروف السائدة حاليا لاتصب في صالح سلاح النفط، كما ان المملكة العربية السعودية وهي اكبر مصدر للنفط في العالم لاتريد ان تفرض حظرا نفطيا. لكن هذا لايعني ان العرب ظلوا عزلا دون اي سلاح بل ان لديهم الكثير من الاسلحة، على العرب الشروع في توعية الشارع الامريكي بأسباب العداء العربي للسياسة الامريكية والبدء بحملة اعلامية ضخمة تستهدف الولايات المتحدة، ان ما الاحظه في كل زيارة اقوم بها لامريكا هو مدى الصمت المطبق على الاصوات العربية هناك حيث لم يقم العرب أبد بأي جهد منظم لتوعية الرأي العام الغربي. اتمنى ان تعود الأمور لتأخذ مسار المفاوضات السلمية وان يحل السلام ذات يوم، لكن هذه المفاوضات لايمكن تجرى مع ارييل شارون، ان المشكلة ازاء شارون ليست كيفية التحادث معه انما طريقة الاطاحة به، وبالطبع فإن الشارع الاسرائيلي هو الذي يستطيع ذلك فهو وسيلة التغيير، والعرب يفهمون هذا ولذلك يجب ان يتدخلوا في الجدال السياسي الداخلي لان ذلك هو مصدر التغيير وليس من الخارج. ـ لقد فعل العرب كل ما بوسعهم لاقناع الاخرين برغبتهم بالسلام وكان اخر هذه المحاولات مبادرة القمة العربية في بيروت قبل اسابيع؟ ـ سيل: اعتقد فعلا ان تلك المبادرة كانت مهمة جدا ولا ارى انها قد انتهت، بل على العكس، انتظر من ولي العهد السعودي الامير عبدالله ان يواصل الترويج لهذه المبادرة وهذا ما فعله في زيارته الاخيرة للولايات المتحدة الامريكية، كما اعتقد ان مثل هذه المبادرة يجب ان تنجح في جذب وتعبئة الرأي العام الدولي وراءها وان يتبناها مجلس الامن في الامم المتحدة. وقد لاحظت ان بضعة وجوه مؤثرة في السياسة الاسرائيلة مؤخرا قد بدأت الاشارة لهذه المبادرة بأنها يجب ان تكون الشكل الذي تأخذه التسوية لهذا الصراع، يجب ان تكون كذلك لانه ليست هناك طريقة اخرى، والرئيس الامريكي بوش نفسه قد كرر مؤخرا حديثه عن حل قائم على وجود دولتين. ـ لكن هذا تم دون ان يطرح بوش اي مبادرة او خطة واضحة لتحقيق ذلك. سيل: هذا صحيح، لكن نعرف ان بوش يمثل لغزا هذه الايام، هل هو جاهل؟ هل يفتقد الارادة؟ ام انه يفتقد الدعم السياسي؟ ام ان السبب انقسام ادارته بين وزارة الخارجية من جهة ووزارة الدفاع من جهة اخرى؟ أم ان ما يفعله حسب وصف بعض السياسيين هو محاولة لتعبئة الرأي العام الامريكي والاسرائيلي لدعم حل ما يقوم على وجود دولتين؟ انه لايريد مواجهة مباشرة مع شارون، ربما لا يستطيع الصمود في هذه المواجهة ولا تتوفر لديه القدرة الكافية لخوضها. لكن حقيقة تكراره لذكر الحل بوجود دولتين يعني بوضوح انه يعارض سياسة شارون القائمة على تدمير اي احتمال لاقامة دولة فلسطينية، الحقيقة هي اننا نرى خطوات جبانة نوعا ما من جانب امريكا، لكن ما يشعرنا بالخيبة فعلا هو رؤيتنا للصمت الامريكي في مواجهة عودة اسرائيل لا قتحام مدينة الخليل. ـ قلت في مقالة لك نشرت عام 2000 ان اسرائيل قد فقدت ارادة القتال، الى اي حد ينطبق هذا القول على الواقع الحالي اليوم؟ ـ ان هذا سؤال معقد جدا، اذكرك هنا بقصة صغيرة حدثت في حرب الخليج عام 1991 حينما لاحظ رئيس الوزراء الاسرائيلي حينها ان الكثيرين من سكان تل ابيب قد هربوا من المدينة نتيجة الهجمات الصاروخية العراقية، حينها تحقق رئيس الوزراء من ان اسرائيل تتغيير فهي لم تعد قادرة على تحمل الحرب والقتال كما كان عليه الحال في السابق، لقد اصبحت اسرائيل مجتمعا من الطبقة الوسطى غير القادرة على التعامل مع الحروب. والمؤشر الاخر هو العدد الكبير من جنود الاحتياط الاسرائيليين الذين يرفضون الخدمة العسكرية في الاراضي الفلسطينية المحتلة. كما لاحظنا خلال السنوات الاخيرة من عمر الاحتلال الاسرائيلي للبنان ظهور حركة الامهات التي تتذكرونها وهي الحركة التي كانت ذات دور قوي في اقناع ايهود باراك بسحب جيشه من جنوب لبنان بسبب الخسائر البشرية التي يتعرض لها هناك واخذنا نلاحظ اخيرا مثل هذه التطورات تظهر في مواجهة السياسات العسكرية لحكومة ارييل شارون. اعتقد ان الاسرائيليين في اعماقهم مقتنعون بأن ليس هناك من حل عسكري لهذا الصراع، وان عليهم يوما ما ان يجلسوا امام الفلسطينيين والتحدث اليهم قبل ان يتخلوا عن احتلالهم للاراضي الفلسطينية ويفككوا مستوطناتهم فيها، ان غالبية الاسرائيليين يعرفون هذه الحقيقة. لكننا يجب ان نعرف ايضا ان الشارع الاسرائيلي قد عانى من رعب التفجيرات وهذه الهجمات داخل اسرائيل تختلف كثيرا عن الهجمات على المستوطنين او على الاهداف العسكرية، لانها تجعل الاسرائيليين يعتقدون بأن الفلسطينيين لايريدون الاكتفاء بإنهاء الاحتلال انما يريدون تدمير اسرائيل نفسها. لهذا ارى ان الهجمات كانت السبب وراء تسلم شارون للسلطة وسمحت له بشن الحرب الاجرامية التي يديرها الان ضد الشعب الفلسطيني.