يعد العنف ظاهرة عامة في كل المجتمعات الإنسانية باختلاف درجة حضارتها أو تقدمها وتخلفها ونوعية علاقتها بمحيطها الخارجي، فالعنف من السلوكيات الإنسانية التي ترتبط بمتغيرات كثيرة منها السمات الشخصية للفرد والتنشئة الاجتماعية والعوامل البيولوجية، فضلاً عن الظروف الاقتصادية والسياسية في المجتمع، وهذه العوامل تتفاعل فيما بينها وتتداخل لتؤدي في النهاية إلى ظهور سلوك العنف عند الأفراد الذي قد يكون عنفًا لفظيًا وقد يكون باستخدام الأيدي أو السلاح وهذا هو أعلى مراحل العنف. والمجتمع الكويتي لا يختلف عن بقية المجتمعات ولا يعيش بمعزل عما يدور في العالم من أحداث وظواهر، فقد شهدت الكويت أول مؤشرات ظاهرة العنف منذ الثمانينيات، إلا أن معدلاتها قد تضاعفت بشكل لافت للنظر منذ الغزو العراقي وما تلاه من أحداث، الأمر الذي شكل همًا أمنيًا بالغًا أمام الحكومة الكويتية خاصة في السنوات الأخيرة. وهنا يكتسب رصد ظاهرة العنف وتحليلها في المجتمع الكويتي ـ ومن ثم الوقوف على حجم الظاهرة وأسبابها - أهمية بالغة في سبيل اقتراح استراتيجيات لاستيعاب هذه الظاهرة فكيف نقرأ هذه الظاهرة؟. لا يعاني المجتمع الكويتي من آثار واضحة للعنف السياسي أو الاجتماعي العام بين الفئات والطبقات داخل الدولة، إلا أن السنوات العشر الأخيرة قد كشفت عن تزايد ملموس في معدل العنف في المجتمع، كانت أبرز مؤشراته بزوغ ظاهرة العنف في المدارس باختلاف مستوياتها وأيضًا ازدياد معدل الجرائم لاسيما الجنائية والعنيفة منها، ويمكن تصنيفها الى عدة مظاهر لعل أهمها واولها ظاهرة العنف في المدارس.بدأت ظاهرة العنف في المدارس تستحوذ على اهتمام المجتمع الكويتي والجهات الرسمية مؤخرًا كواحدة من المظاهر الغريبة السلبية السائدة، وفي ضوء الأرقام والإحصائيات المتوافرة حاليًا فإن هذه الظاهرة مرشحة مستقبلاً لتصبح أزمة تهدد الأمن الداخلي لدولة الكويت ما لم يتم تداركها. ففي إحصائية لوزارة التربية والشئون الاجتماعية نجد «2362» حادثة عنف شهدتها مدارس البنين فقط، هذا فضلاً عن حالات العنف في مدارس البنات التي لم يتم إحصاؤها من جانب الوزارة، وتتضمن تلك الحوادث حالات الاعتداء بالضرب والسرقة والإصابة والخطف والهروب وغيرها. وفي العام الدراسي 99/2000 تمت إحالة 100 حالة عنف حدثت في المدارس الثانوية المختلفة إلى مخافر الشرطة تمثلت في حوادث الاعتداء والضرب والتهديد بالسكاكين والمشاجرات الجماعية، إضافة إلى ثلاث حالات تتعلق بتعاطي المخدرات في المدارس. وقد كانت أبرز هذه الحوادث ما شهدته مدرسة ثانوية العديلية بداية عام 2000 حين قام الطلبة بأعمال تخريبية واضحة لأبنية المدرسة ومحتوياتها واعتداء على المدرسين والنظار وبعض رجال الشرطة لا لسبب إلا لتشدد الإدارة المدرسية في ضبط الحضور والغياب، وقد كانت تلك الحادثة بمنزلة الإعلان المدوي عن تفشي الظاهرة بين الطلبة مما لفت الاهتمام إلى ضرورة دراستها ميدانيًا بهدف حصرها وتقدير حجمها. ومن بين هذه الدراسات الميدانية حول مظاهر العنف بين طلبة المرحلة الثانوية تلك التي أعدتها إدارة الخدمات الاجتماعية والنفسية بوزارة التربية، وقد توصلت هذه الدراسة إلى نتائج في غاية الخطورة، إذ تبين أن 20% من الطلبة يهددون مدرسيهم بصورة دائمة مقابل 64% في بعض الأحيان، وأن 30% منهم يستخدمون السكين دفاعًا عن أنفسهم، كما توصلت الدراسة إلى أن 92% من العينة يلجأون للضرب لرد الاعتبار وأن 19% يحاولون فرض شخصيتهم على الآخرين بالتهديد والضرب بصورة دائمة، في حين أن 15% منهم يلجأون لذلك في بعض الأحيان فقط، ومن بين أفراد العينة 5% يعتبرون التهديد بالضرب أسلوبًا أمثل لكسب احترام الآخرين، مقابل 16% يرون ذلك في بعض الأحيان. وعن الظروف الشخصية التي يعيشها الطالب اتضح أن نحو 37% من الطلبة تنتابهم حالات الغضب بصورة دائمة عند مواجهة أي مشكلة لا يستطيعون حلها، مقابل 59% تنتابهم هذه الحالة في بعض الأحيان، هذا في حين أكد نحو 24% من العينة التجريبية أنهم لا يستطيعون التمييز بين الصواب والخطأ عند الغضب. وفي دراسة أخرى أعدتها مراقبة الخدمة الاجتماعية والنفسية في منطقة حولي التعليمية اعتمدت على بيانات أكثر من 400 طالب وطالبة، اتضح كما في الجدول التالي-أن أعلى نسبة في المشكلات السلوكية المرتبطة بالعدوان البدني كانت لدى الطلاب حيث بلغت 28.61%، وبلغت في العدوان اللفظي 18.83%، كما بلغت نسبة العدوان البدني من قبل الطلاب على المدرسين 0.5%، أما نسبة العدوان اللفظي فبلغت7.77%. وبينت الدراسة المشكلات السلوكية للطالبات بجميع المراحل التعليمية مقارنة بالطلاب فكان أعلى تصنيف للمشكلات السلوكية هو العدوان اللفظي على الطالبات فيما بينهن، حيث بلغت النسبة32.6%، وبلغت نسبة اعتداء طالبة على أخرى بدنيًا 21.3%، كما بلغت نسبة اعتداء الطالبات بعدوان لفظي على المدرسات 12.4%، أما العدوان البدني فقد بلغ1.1 %، وبلغت نسبة لجوء الطالبات لتخريب الممتلكات العامة 3.3%. ومما لاشك فيه ان نتائج الدراسات السابقة تعطي مؤشرا واضحا على ارتفاع مؤشر العنف بين الشباب في هذه السن الصغيرة حتى داخل اسوار المدارس الامر الذي مثل تحديا امنيا واجتماعيا للمعنيين سواء في وزارة التربية والشئون الاجتماعية او وزارة الداخلية. ازدياد معدل الجريمة للجريمة العنيفة في الكويت عناوين بارزة ركزت عليها الصحف المحلية بشكل لافت بما اعطاها حجما ربما يتفق وحجمها الحقيقي، من هذه العناوين الهجوم على مخفر لتحرير موقف او على مستشفى للانتقام من جريح او طبيب او على مدرسة للثأر من مدرس وصولا الى سلب جمعيات تعاونية ومحطات وقود تحت التهديد بالسلاح، وفوق هذا كله جرائم القتل والخطف والاغتصاب والانتحار وجنوح الاحداث. ويمكن الوقوف على حجم جرائم العنف واتجاهها في الكويت منذ عام 1983 إلى عام 1998 من خلال الإحصائيات السنوية للإدارة العامة للتخطيط والتنظيم بوزارة الداخلية، التي تشير إلى: ـ ارتفاع عدد جرائم القتل من 14بلاغ جريمة قتل عام 1983 بنسبة 014.% من إجمالي بلاغات الجرائم إلى 50بلاغًا عام 1998 بنسبة 0.20% من إجمالي بلاغات الجرائم أي أن هناك زيادة في عدد جرائم القتل ونسبتها إلى إجمالي بلاغات الجرائم. ـ ارتفاع عدد بلاغات جرائم الشروع في القتل من 69بلاغ جريمة عام1983 بنسبة 0.71% من إجمالي الجرائم إلى 138 بلاغًا في عام 1997 بنسبة 0.56% أي أن هناك زيادة في جرائم الشروع في القتل وإن كانت النسبة إلى إجمالي بلاغات الجرائم ثابتة تقريبًا. ـ ارتفاع عدد جرائم الاعتداء بالضرب والأذى من 1674 بلاغًا عام 1983 بنسبة 17.4% إلى 2467 بلاغا عام 1998 بنسبة 9.86% من إجمالي بلاغات الجرائم، ونلاحظ أنه على الرغم من الارتفاع الملحوظ في عدد الجرائم للاعتداء فإن نسبتها قد انخفضت كثيرًا. ـ بلاغات السلب بالقوة ازدادت من 48بلاغًا عام 1983 بنسبة 4.9% من إجمالي بلاغات الجرائم إلى 436بلاغًا عام 1998 بنسبة 1.7% مما يعني زيادة عدد بلاغات السلب بالقوة وكذلك زيادة نسبتها من إجمالي بلاغات الجرائم المسجلة. ـ ارتفاع عدد بلاغات جرائم الاختطاف من 54 بلاغًا عام 1983 بنسبة 0.56% إلى 207 بلاغات عام 1998 بنسبة 0.83 أي أن هناك زيادة في أعداد بلاغات جرائم الاختطاف وكذلك في نسبتها إلى إجمالي الجرائم. ـ أما بلاغات جرائم هتك العرض فقد شهدت تناقصًا في أعدادها ونسبتها معًا من 253بلاغًا عام 1983 بنسبة 2.63% من إجمالي بلاغات الجرائم إلى 206 بلاغات عام 1998 بنسبة 0.82% ـ ارتفاع عدد بلاغات جرائم الاغتصاب بالقوة من 4بلاغات عام 1983 بنسبة04.% إلى 10 بلاغات عام 1996 وذلك بنسبة 0.4% مما يشير إلى ثبات نسبي في عدد بلاغات جرائم الاغتصاب بالقوة. جرائم الأحداث ويلاحظ من العرض السابق ارتفاع معدل جرائم العنف بمختلف أنواعها على مدار السنوات السابقة على الرغم من الثبات النسبي في نسبة هذه الجرائم إلى إجمالي بلاغات الجرائم المسجلة، وإن كان عام 1999 والنصف الأول من عام 2000 قد شهدا تراجعًا في أعداد هذه الجرائم، إذ بلغت جرائم القتل 35جريمة عام 1999، إضافة إلى 12 جريمة هتك عرض و914جريمة إتلاف مال الغير، وفي الفترة من يناير وحتى نهاية مايو 2000 بلغ عدد جرائم القتل 7 جرائم وجرائم الانتحار 31 جريمة، إضافة إلى خمس جرائم هتك عرض و363 جريمة إتلاف مال الغير. وعلى الرغم من هذا التراجع في أعداد الجريمة، فإن ذلك لم يعط مؤشرًا على انخفاض معدل العنف وذلك للارتفاع الكبير في عدد قضايا الشغب والعنف التي شهدها عام 1999 حيث بلغت 2140 قضية شغب عدد المتهمين بها 3075متهمًا. هذا فضلاً عن الارتفاع الملموس في جرائم الأحداث التي وصل عددها إلى ثلاثة آلاف جريمة كل عام، أي أن هناك نحو 42.500 جريمة وقعت منذ عام1983 حتى عام 1998 وإذا كانت إدارة رعاية الأحداث قد حاولت علاج الأحداث المتهمين في هذه القضايا إلا أن 72% من أصحابها عادوا إلى ارتكاب الجرائم مجددًا. وتوضح الإحصاءات المتاحة ارتفاع عدد جرائم الأحداث في عامي 1992و1993 وهما التاليتان للتحرير، إذ وصل عدد الجرائم في أولاهما 3847 جريمة وفي ثانيهما 3488 جريمة ثم شهدت الأعوام التالية انخفاضًا في عدد الجرائم على نحو يتراوح ما بين 2795 جريمة في عام 1994 و2980 جريمة في عام 1998. ويلاحظ أن المشاجرات العنيفة تحتل المرتبة الأولى في أنواع جرائم الأحداث التي غالبًا ما تكون دون وجه حق أو بهدف نصرة المظلوم بقدر ما هي محاولة لإثبات الذات والرجولة، ثم تأتي بعد ذلك جرائم السرقة يليها جرائم هتك العرض والمخدرات، هذا فضلاً عن ظاهرة تجمعات الشباب في الأسواق والمجمعات التجارية وقيامهم بالتحرش بالمارة والاستعراض بالسلاح وهي الظاهرة التي شغلت الأجهزة الأمنية لوقت طويل خاصة في منطقة الجهراء التي شهدت أكبر تجمعات للشباب خلال عام 2000. خلافًا للنوعين السابقين للعنف المتمثلين في عنف المدارس والعنف الجنائي شهدت الكويت في السنوات الأخيرة ظهور نوعين جديدين من العنف وإن كانا بنسبة منخفضة، أول هذين النوعين العنف الأسري، فعلى الرغم من أن القانون لايحمي الزوج ويعرضه للمساءلة القانونية جزائيًا ومدنيًا إذا تعرض لزوجته بالضرب طبقًا للمواد 152، و160، و161، و162، و163 من قانون الجزاء، فإن هناك الكثير من الحالات التي يعتدي فيها الزوج على زوجته بالضرب المبرح، وفي حالات أخرى الأخ على شقيقته أو حتى الابن على الوالدين، وتظهر في هذه الحالات مظاهر العداء الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى النيابة وساحات المحاكم، فضلاً عن تناوله إعلاميًا على نطاق واسع. أما النوع الثاني من العنف فيرتبط بالسلوكيات العنيفة من قبل بعض المتشددين المنتمين للجماعات الإسلامية بالكويت، حيث تعددت في السنوات الأخيرة القضايا التي حاول فيها أفراد متشددون إسلاميًا فرض توجهاتهم أو ما يرونه صحيحًا بالقوة على المواطنين، ومن أمثلة ذلك قضية الاعتداء على طالبة بالمعهد التجاري بسبب عدم ارتدائها الحجاب ومحاولة التعرض للطالبات «المتبرجات» بالجامعة، وقد أثارت هذه القضايا ضجة واسعة في المجتمع الكويتي الذي لم يألف الممارسات العنيفة بدعوى الدين. أسباب انتشار العنف لظاهرة العنف الكثير من الأسباب التي تتعقد وتتشابك بحيث لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، ومن بين أهم الأسباب التي أجمع الأكاديميون عليها ما يلي: 1 ـ الغزو العراقي: يحمل قطاع واسع من الأكاديميين الغزو العراقي مسئولية انتشار العنف بين أفراد المجتمع الكويتي، حيث أوجد الغزو حالة نفسية معينة لدى المواطنين وأفرز ظروفًا نفسية صعبة لم يتم علاجها كما يجب حتى الآن؛ ففي دراسة لمركز الانماء الاجتماعي التابع للديوان الأميري حول الآثار النفسية للعدوان العراقي على المواطن الكويتي أثبتت النتائج ارتفاع الميل للعنف بين المواطنين نتيجة الاحتلال العراق، وهو ما يرجع إلى عدة أمور منها: ـ ما شاهده المواطنون وعايشوه من آثار دمار وتخريب في كل أرجاء الكويت. ـ مناظر القتلى والجرحى التي شاهدوها والقسوة التي تعاملت بها القوات العراقية بوجه عام. ـ غياب الأمن النفسي لدى المواطنين وما أدى إليه من تنمية لمشاعر الاندفاع وعدم التروي، فضلاً عن الرغبة في الانتقام ورد الاعتداء. 2 ـ سوء التنشئة الأسرية: يعد سوء التنشئة سببًا رئيسيًا في تصاعد الاتجاه للعنف في المجتمع الكويتي وبما أن الأسرة الطرف الأساسي المسئول عن تربية الأطفال وغرس القيم الأخلاقية السليمة داخلهم فهي تتحمل جزءًا كبيرًا من اللوم في انتشار هذه الظاهرة. فمن ناحية تؤثر حالات التفكك الأسري على اتجاهات الأبناء بشكل مباشر حيث يحاولون القيام بتحركات عنيفة وتصرفات شاذة فقط من أجل جذب الانتباه، خاصة في حالات طلاق الوالدين التي تزايدت بشكل ملحوظ حيث شهد عام 1998 وحده 3428 حالة طلاق، في حين تمت 7آلاف حالة زواج في هذا العام أي أن 36% من الذين يتزوجون يطلقون وهي بلا شك نسبة مرتفعة للغاية. من ناحية ثانية فإن التربية الأسرية قد تكون بعيدة عن تعميق الوازع الديني والأخلاقي الذي يربي الفرد على نبذ العنف والاعتداء على الغير، فبعض أولياء الأمور على سبيل المثال يفرحون لرؤية أبنائهم وهم يمارسون العنف مع إخوتهم داخل المنزل أو مع أصدقائهم باعتبار ذلك دليل رجولة واكتمال نضج، والبعض الآخر يكثر من المعاملة العنيفة في تقويم سلوك أبنائه أو عقابهم مما يؤدي إلى شعورهم بالكبت والإهانة من ثم نجد منهم من يحاول الهروب من سيطرة الأسرة ويبدأ في الانتقام من الآخرين سواء كانوا داخل المنزل أو في المدرسة أو في الشارع. ومن ناحية ثالثة يؤدي انشغال الأب بأعماله والأم بواجباتها وعلاقاتها الاجتماعية وتركها مهمة تربية الأولاد إلى الخدم إلى غياب القدوة الحسنة لدى الأبناء وافتقادهم للتوجيه السليم في حالات كثيرة يحتاجون فيها إلى النصح مما يدفعهم إلى الانحراف، هذا فضلاً عن اتجاه بعض الأبناء إلى تقليد سلوك الأب العنيف وإساءته لزوجته في علاقاته مع الغير. 3 ـ وسائل الإعلام ساهمت وسائل الإعلام المختلفة بشكل لا يمكن تجاهله في ازدياد حجم العنف في المجتمع الكويتي وتنوع صوره خاصة مع كثافة ما يعرض على مدار الساعة من أفلام ومسلسلات للعنف الدموي التي تمجد بوضوح من يتجه لأخذ حقه بيده والأشخاص الأقوياء الذين يتحركون للانتقام ممن أساء لهم أو لنصرة المظلوم. وقد أكدت دراسة ميدانية حديثة حول دور وسائل الإعلام في نشر العنف والجريمة بين الشباب أجراها فريق عمل تابع لإدارة البحوث والترجمة بوزارة الإعلام أن هناك صلة مباشرة بين تزايد أعمال العنف وما يتم نشره في وسائل الإعلام المختلفة.ومن خلال استخدام أسلوب العينة العشوائية على 600 فرد وفي تساؤل حول تأثير عرض أخبار الجريمة والسلوكيات المنحرفة في الصحف والمجلات على المراهقين جاءت الآراء كما يلي. ـ تطلق العنان لمخيلة المراهق لتشكيل وقائع الجريمة، ويؤيد هذا الرأي 68.5% من إجمالي أفراد العينة. ـ تعلم المراهق أساليب جديدة للجريمة والعنف، ويوافق 76.3% من العينة على هذا الرأي. ـ تعمق إحساس المراهق بعدم الرضا عن الحياة الواقعية ، وقد وافق على هذا الرأي 70.4% من العينة. ـ تبالغ في عرض أحداث الجريمة وذلك بنسبة 72.6% من إجمالي أفراد العينة. من ناحية أخرى ثمة انتقاد أساسي للإعلام الكويتي خاصة المقروء منه الذي يركز على أخبار الجريمة بشكل لافت ويتوسع في عرض صورها وأنماطها وكأنها سمة أساسية للحياة اليومية في الدولة مما عود المواطنين على أخبارها وأعطى صورة مشوهة عن الوضع الأمني بالكويت. الأهم من ذلك هو تخويف وسائل الإعلام المستمر من الخطر العراقي الذي يهدد الأمن الاستراتيجي للكويت مما يسقط سخطًا خفيًا وإحساسًا بعدم الأمان لدى المواطن ينمي اتجاهه نحو التوتر والسلوكيات العنيفة كوسيلة للتنفيس عن الكبت، وذلك على الرغم من اختلاف الوضع الأمني للكويت جذريًا عما كان عليه عام1990 واستبعاد إمكان تعرضها لما حدث آنذاك. 4 ـ المدرسة: إن المدرسة - مثل الأسرة - مسئولة أيضًا عن تفشي ظاهرة العنف في المجتمع، فالعقاب البدني الذي يقوم به بعض المعلمين ضد الطلبة أمام زملائهم يولد لديهم الكره والغضب تجاه المعلمين الذين يمارسون هذا الفعل تحت ذريعة أن العصا وسيلة تربوية وإصلاحية، وهذا هو السبب في ارتفاع نسبة الاعتداء اللفظي والبدني للطلبة على المدرسين-كما سبق القول- يضاف إلى ذلك أن المدرسة لم تعد تقدم مثالاً وقدوة للتربية وتقويم الأخلاق خاصة بعد أن شهد بعضها حالات شجار بين المعلمين أنفسهم على مرأى ومسمع من الطلاب، فإذا كان الحال هكذا بين المعلمين فلا غرابة أن تعجز المدرسة عن ضبط عمليات العنف بين الطلاب أنفسهم. 5ـ العامل الاقتصادي تزايدت في السنوات الأخيرة المشكلات الاقتصادية النابعة من الوضع الاقتصادي العام للدولة وتزايد الضرائب مع ضعف قدرة الدولة تدريجيًا عن توفير الرفاهية التي تعود عليها المواطن الكويتي وهو ما قد يدفع البعض للعنف أو السرقة للحصول على احتياجاته المادية. هذا فضلاً عن مشكلة البطالة التي تزايدت معدلاتها بشكل واضح بين الشباب الكويتي التي قد تدفعهم إلى العنف وتفريغ شحنة السخط لديهم في سلوك عدواني تجاه الآخرين. 6 ـ انتشار الأسلحة بيد المواطنين وهي من العوامل المهمة الأخرى التي ساهمت في اتساع حجم العنف والتي ترجع بدورها إلى الغزو العراقي الذي خلف وراءه أطنانًا من الأسلحة من مختلف الأنواع بدءًا من المسدسات الصغيرة والبنادق والمدافع الرشاشة وصولاً إلى الصواريخ وكميات غير محدودة من الذخائر وكلها أنواع سارع الكويتيون إلى إخفائها بعيدًا عن أيدي الحكومة، فضلاً عن اتجاههم لشراء أنواع وأعداد أخرى من السلاح بهدف حماية أنفسهم، حتى وصل عدد الأسلحة المضبوطة في الفترة من 1992 إلى 1995 نحو 29 ألف قطعة سلاح وبلغت جرائم حيازة السلاح والذخائر عام 1998 فقط 100 قضية مسجلة إضافة إلى 53 قضية إطلاق نار وإصابة. ومما لا شك فيه أن انتشار السلاح بين المواطنين قد أثر بوضوح في انتشار الجريمة وازدياد اللجوء إلى العنف بين المواطنين، إذ إن وجود السلاح في حد ذاته يعد دافعًا على الجريمة وحافزًا على العنف، هذا فضلاً عن جرائم السلب بالقوة التي بلغت 446 جريمة في عام 1998 فقط. 7ـ المخدرات تعد المخدرات من أبرز العوامل المؤدية إلى العنف، فالمدمن إذا أراد الحصول على المادة المخدرة ولم يكن لديه المال الكافي فإنه يلجأ إلى السرقة وغالبًا ما تكون باستخدام العنف حتى وإن كان ذلك ضد أسرته. ومع انتشار المخدرات في المجتمع الكويتي زاد تأثيرها في ارتفاع معدل العنف والجريمة حيث يؤكد المسئولون أن السنوات العشر الأخيرة قد شهدت ما لا يقل عن عشرة آلاف قضية مخدرات، الأخطر من ذلك هو ارتفاع معدل انتشار المخدرات بين الطلبة والشباب، إذ كشفت دراسة أجرتها إدارة الخدمات الاجتماعية والنفسية في وزارة التربية على 2000 طالب وطالبة و500 من أعضاء هيئة التدريس و500 من أولياء الأمور عن أن 33% من الطلبة سبق لهم رؤية 16نوعًا من المخدرات، وأن 47% من الطلبة يتعاطون الحشيش، في حين تتعاطاه 1.3% من الطالبات، وأن 3.5% من الطلبة يتناولون حبوب الهلوسة وتتعاطاها 0.7% من الطالبات، كما كشفت الدراسة عن أن 3% من الطلاب و0.6% من الطالبات يتناولون الهيروين. الدولة والعنف بوجه عام ثمة إشادة عامة من قبل الفعاليات الشعبية بجهود الحكومة خاصة وزارة الداخلية لمواجهة ظاهرة العنف والحد من انتشارها، الأمر الذي أسهم في انخفاض معدلات الجريمة في العامين الماضيين مقارنة بالأعوام السابقة، ومن أهم الجهود الحكومية في هذا الإطار ما يلي: ـ تكثيف وزارة الداخلية حملاتها الأمنية وإقامة نقاط تفتيش متعددة في الأسواق والمجمعات التجارية بهدف الحد من تفشي ظاهرة عنف الشباب وتحديدًا ما يتعلق بتجمعهم في تظاهرات ضخمة والتحرش بالمارة وتهديدهم بالسلاح، وقد أثمرت هذه الحملات نجاحًا واضحًا في بث الطمأنينة في نفوس أهالي المناطق التي عانت سابقًا من هذه الظاهرة خاصة منطقة الجهراء. ـ أطلقت وزارة الداخلية بالتعاون مع إدارة الخدمة النفسية والاجتماعية بوزارة التربية حملة توعية لمعالجة العنف عند الشباب خاصة في المرحلة الدراسية المتوسطة للبنين والبنات. ـ إقامة الندوات والمؤتمرات لمناقشة مظاهر العنف والحلول المناسبة لمواجهته، وقد لوحظ اهتمام كبار المسئولين بحضور تلك المؤتمرات خاصة وزيري التربية والداخلية مما أعطى انطباعًا لدى المواطنين بجدية السعي الحكومي لوضع حد لتداعيات هذه الظاهرة. أما عن دور مجلس الأمة في هذا الإطار فيلاحظ كثرة الانتقادات الموجهة إليه مؤخرًا بالتقصير في وضع حلول لظاهرة العنف من خلال اقتراح قوانين تحد من انتشارها وتمثل رادعًا لمن يلجأ إليه، هذا فضلاً عن وقوف المجلس أمام ما تحاول الحكومة وضعه من قوانين ترى أهميتها في هذا السياق ومن أمثلة ذلك رفض النواب مرتين على التوالي مشروع القانون الحكومي بجمع الأسلحة التي تعد سببًا أساسيًا في انتشار العنف كما سبق القول. من ناحية أخرى ثمة اتهام موجه لأعضاء مجلس الأمة بالمسئولية عن تصاعد حدة العنف بسبب ممارستهم للعملية النيابية التي يغلب عليها التصعيد ومحاولة إثارة الفرقة بين الفئات الاجتماعية من خلال التراشق المستمر بين النواب بعضهم البعض مما يخلق حالة من التوتر بين أقطاب المجتمع تنعكس بوضوح على أفراده. هذا فضلاً عن أسلوب إدارة مجلس الأمة لعلاقته بالسلطة التنفيذية الذي ينمي الاتجاه العام نحو العنف كما يشير عدد من المحللين خاصة أن المجلس عادة ما ينتهج خطابًا عنيفًا تجاه الحكومة على مرأى ومسمع من المواطنين معتمدًا على ثغرات قد تخلفها السلطة التنفيذية وراءها. وهنا يؤكد البعض مسئولية الحكومة عن هذا الوضع بسبب سياسة المهادنة مع المجلس وقبولها وساطات النواب لتجاوز بعض القوانين وسلب حقوق المستحقين لإعطائها لغير المستحقين من أتباعهم وناخبيهم بشكل جعلها كما لو كانت تمارس بنفسها العنف على المجتمع. وبوجه عام ثمة ربط على المستوى الأكاديمي بين مشكلات المجتمع السياسية والاجتماعية وبين العنف، فحينما تزداد حدة هذه المشكلات في ضوء عدم تعاون السلطتين يزداد العنف في المجتمع، وإذا كانت هذه المشكلات تولد العنف وتخلق مناخًا لممارسته فإن انتشار العنف وزيادة حدته يؤدي بدوره إلى تعميق هذه المشكلات في المجتمع.