لا يحدث اصلاح النظام السياسي بمجرد المطالبة به، بل يجب ان تكون وراء المطالبة قوة ضغط منظمة وفاعلة ومؤثرة ومستمرة، فمن سنن السياسة، بديهية تقول بنزوع من في السلطة الا في حالات نادرة جدا الى حجب مشاركة الآخرين عنها طالما كان بالمقدور الاحتفاظ المطلق بها،والاصلاح يعني فتح النظام السياسي للمشاركة التي تؤدي الى استبدال على اضعف احتمال، البعض بالبعض الاخر وبما ان السلطة تغري وتبهر وتعطي منافع وامتيازات وبالتالي تفسد إن لم تكن مقننة ومنضبطة،فإن هذا البعض المعرض للاستبدال، وبصرف النظر عن مراءاته العلنية لضرورة التغيير،سيعارض الاصلاح، كونه يضر بمصالحه الحيوية. وتصبح الأولوية الفعلية لهؤلاء المسئولين الحفاظ على مواقعهم ومناصبهم، من خلال «تنفيس» الدعوة للإصلاح عن طريق الترويج لادعاءات متعددة مثل ان «التوقيت غير ملائم» وان المصلحة تقتضي التأني والحرص وان الإصلاح مطلب خارجي يجب التصدي له وانهم هم اول دعاة الاصلاح والمطالبون به. ولكن يجب اخد الظروف بالحسبان باختصار لا يتوقع من المتضررين من عملية الاصلاح ان يقوموا طواعية به بل قد يسيرون فقط في هذا الاتجاه عندما يتأكدون بان الضرر الدي سيلحق بهم جراء عدم القيام به يفوق بالنسبة لهم ما يمكن ان ينجم عنه وبالمحصلة هو للسياسيين حساب ربح وخسارة ومحاولة مستمرة للبقاء والقبول بتقليص الخسائر عندما لا يمكن تعظيم المكاسب. إذن عملية اصلاح النظام السياسي الفلسطيني بحاجة الى قوة دافعة تكون منظمة وفاعلة ومستمرة كي تتمكن من فرض الاجندة. وبهذه المواصفات يكون المطلوب وجود قوة سياسية تتبنى مطلب الاصلاح وتضغط باتجاه تحقيقه. ويجب ان يكون لهذه القوة رصيد شعبي وافر من الدعم لتسهيل مهمتها. دون ذلك يمكن لمطالبات الاصلاح الا تتعدى كونها «فورة» موسمية مشتتة يمكن ان تستوعب باجراءات شكلية، فيتم اقتناصها وتدوي قبل ان تحقق مضمونها. الحقيقة التي يجب ان نصارح انفسنا بها دون وجل او خجل او مواربة، تتمثل بعدم وجود مثل هذه القوة السياسية الفلسطينية المنظمة والقادرة على حمل ودفع برنامج الاصلاح في بلادنا الآن. فمع ان الخريطة السياسية الفلسطينية ممتلئة بالحركات والفصائل والاحزاب الا ان هذه القوى مع ان جلها «معارض» تشكل جزءا من هذه الخريطة واعمدة في التركيبة السياسية المزمنة تتعامل مع بعضها بعضاً وفقاً لاسس متعارف عليها بينها بطرق مباشرة وطرق غير مباشرة ولكن بتفاهمات علنية وضمنية واضحة. ليس بمقدور هذه القوى مهما ادعت حمل لواء الاصلاح والنجاح في المسعى لانها في وضعها تشبه الى حد كبير من في السلطة من ناحية انها هي نفسها بحاجة الى اصلاح ويجدر ان يكون على قائمة متطلباته وبما ان فاقد الشيء لا يعطيه فان الأولى بهذه القوى قبل ان تطالب باصلاح السلطة ان تدخل نفسها ضمن إطاره فتراجع برامجها واساليب عملها وازلية قياداتها وآليات علاقاتها مع الشعب ويجب الا يغيب عن البال إطلاقا في هذا المجال ان استطلاعات متتالية للرأي تظهر تنامياً بين الفلسطينيين في عدد غير المؤيدين لأي من القوى السياسية الموجودة على الساحة الآن. وقد وصلت النسبة الى ما يفوق 40% وهذه نسبة لا يمكن الاستهانة بها او باسباب العزوف الكامنة ورائها. يجدر بالقوى السياسية الفلسطينية ان تقوم بعملية نقد ذاتي جريء وجدي، تخضع فيه نفسها واستراتيجياتها وبرامجها واساليب عملها لمساءلة ومحاسبة حقيقية عل ذلك يتيح لمعظمها امكانية استعادة ثقة الناس بها فتعود لتصبح مؤثرة بشكل فعلي وليس فقط شكلياً في مضمون ومجرى الحياة السياسية الفلسطينية المتكلسة حاليا اما ازالة هذا التكلس واعادة الحيوية والديناميكية لهذه الحياة السياسية فتتطلب من جميع الوطنيين المهتمين بعملية الاصلاح الداخلي الانهماك بايجاد آلية فعل سياسي جديدة أي بالاحرى حركة سياسية جديدة تكون وطنية في منطلقها واهدافها واصلاحية في برنامجها. ان مثل هذه الحركة ستكون الضمانة الوحيدة والاكيدة لتحريك الحياة السياسية الفلسطينية وفرض برنامج الاصلاح الداخلي على الاجهزة السياسية.الحاجة موجودة والظروف ناضجة، والجرس يقرع.