يتردد منذ فترة وجيزة مصطلح إعادة البناء والإعمار، والإصلاح والتغيير، وقد ترافق إطلاق هذه المفاهيم والمصطلحات، مع تزايد الضغوط المسلطة، على القيادة الفلسطينية، للقبول بالاشتراطات والإملاءات الأمريكية الإسرائيلية، وذلك كنتيجة طبيعة لتوظيف النتائج الميدانية المتحققة بفعل القوة العسكرية، وتحويلها لمكتسبات ووقائع سياسية، تستهدف تغيير بنية ومضمون السلطة الوطنية الفلسطينية ودورها ووظيفتها، وذلك انسجاما وتلبية لتلك المتطلبات والاشتراطات. وفي غمرة هذا الموسم والذي اكتشف فيه البعض فجاءة أن الأوضاع الداخلية بحاجة إلى إصلاح وان هناك قصورا في الأداء، ونقصاً في الكفاءة، وغياب في الممارسة الديمقراطية، ليس على مستوى السلطة فحسب وإنما على مستوى تنظيماتهم. هذا الوضع أثار ويثير لدى الشارع والمتتبع لمجريات الأمور، جملة من الأسئلة المشروعة، وقد لا نتوقف، أمام أهمها وهو المتصل بتوقيت الاكتشاف لموعد الإصلاح والتغيير، وإنما من المهم التوقف أمام مضامين واتجاهات التغير كما تعكسها أراء ووجهات النظر المختلفة. الاتجاه الأول، والذي يرى أن الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية قد قوضت السلطة الوطنية الفلسطينية، وانه لا داعي لإعادة بناء مؤسسات هذه السلطة لأنها من إفرازات اتفاق أوسلو سيئ الصيت، وان شارون قد أنهى هذا الاتفاق، ولماذا نتمسك به نحن، وخاصة أن السلطة كانت عائقا أمام برنامج التحرير الشامل، وان إنهاء الاتفاقيات وعودة الاحتلال سيوفر الشروط الموضوعية لنهوض شعبي، ويمكن من ممارسة النضال حتى التحرير الشامل. الاتجاه الثاني، وهو يقف على النقيض من الاتجاه الأول، وفي الواقع أن كلاهما يغذي الآخر ويمده بمادة لإثبات صحة رأيه ووجهة نظره، فهذا الاتجاه يطرح عملية التغيير، ويسارع في طرح عناوين وقضايا وكأن عملية التغيير والإصلاح عملية فنية، لكن مضمون التغيير واتجاهه يميل للتساوق مع المطالب الأمريكية الإسرائيلية ويصب في خدمتها، وخصوصاً فيما يتصل بوظيفة ودور السلطة الوطنية الفلسطينية. الاتجاه الثالث، وينطلق هذا الاتجاه من حقيقة أن الصمود والتضحيات الفلسطينية، قد خلقت واقعا دولياً، وعربياً وأعاد طرح القضية الفلسطينية مجدداً كقضية تحرر وطني، وأصبح مطلب الدولة الفلسطينية مطروحاً وبقوة بما في ذلك لدى الإدارة الأمريكية، كما أن هذا الصمود قد عرى وكشف الطابع العنصري العدواني لإسرائيل وفتح الآفاق أمام حركة تضامن دولية لعزل ومحاكمة حكومة شارون، وانه رغم الخسائر المادية والبشرية الكبيرة، فإننا لم نهزم، بل على العكس حققنا انتصارات، وان مطالب التغيير المطروحة ليست سوى الفصل الثاني من المؤامرة المتواصلة، وان لا حاجة ملحة للإصلاح والتغيير، ومن الممكن القيام ببعض التغييرات التي تتطلب تغيرا وإصلاحا. الاتجاه الربع، والذي حمل سياسة واقعية ودافع عنها، ويعتقد أن هذه المعركة بصرف النظر عن بعض النتائج المعنوية والسياسية الهامة والتي تحققت بثمن باهظ، فإنها كشفت، وبشكل واضح أوجه الخلل والقصور في بنية السلطة الفلسطينية، وأجهزتها الأمنية والمدنية، وأنها لا تعاني فحسب من الترهل والفساد والمحسوبية، بل أنها كانت عاجزة ومشلولة ولم تستطع القيام بواجباتها، وان عملية الإصلاح السياسي والإداري المطروحة الآن، مهمتها ووظيفتها المباشرة عدم تمكين شارون من جني الثمار السياسية لعدوانه، وان المهمة المركزية الآن، كيف تتم هذه العملية وتصب في سياق إعادة بناء على أسس صحيحة وديمقراطية، وتعزز خيارات المجتمع الفلسطيني وتطلق طاقاته وتجعل من عملية إعاده البناء والاصطلاح عملية بناء لأسس الدولة المستقلة وتقربنا من تحقيق أهدافنا بالحرية والاستقلال. لكن المسألة الأساسية والغائبة إلى حد ما عن هذا الجهد الحواري المنصب على عملية الإصلاح والتغيير، هو كيف نوفر الشروط التي تمكنا أولا من الحفاظ على الثوابت السياسية الوطنية المعرضة، وبفعل المطالب الأمريكية والإسرائيلية للتبديد والضياع ويصبح نضال شعبنا بذلك وعلى مدار القرن الماضي كله وكأن الهدف منه تحسين الظروف والشروط المعيشية. إن المسألة الأساس والتي يجب أن تبقى حاضرة وهى الحفاظ والتمسك بأهدافنا الوطنية، وبرنامجنا الوطني برنامج «م.ت.ف»، بالعودة وتقرير المصير، وضمان الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي التي احتلها 4 يونيو 1967، بما فيها القدس، وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس العربية وتأمين عودة اللاجئين طبقاً للقرار الأممي 194. إن ما أحدثته المواجهة وما أفرزته من معطيات، أدخلت قضية شعبنا في منعطف خطير، مما يستدعي من قوى شعبنا الحية أحزابا، وقوى ومؤسسات مجتمع مدني، وشخصيات وطنية ديمقراطية، واجتماعية، الوقوف أمامه ومعالجته دون استثناء معالجة أوضاعها أيضاً وعلى كافة الصعد، السياسية، والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية والإدارية والمالية، وبما يمكننا من توظيف واستثمار صمود وتضحيات شعبنا من أجل الحفاظ على أهداف شعبنا ويأتي في مقدمة هذه المعالجة. ـ إن إجراء إيه تغيرات يجب أن تتم على أساس المراجعة الشاملة والتقييم الموضوعي للأوضاع الداخلية، ووفقا لضرورات المرحلة، وللظروف المستجدة التي يتطلبها تجديد الوسائل والأساليب، ولتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية ـ تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس برنامج طوارئ من القوى والشخصيات الوطنية المستقلة، والفعاليات الاقتصادية، والذين يوافقون على برنامج الإصلاح بآفاقه الوطنية ومضمونه الديمقراطي، والمعروفين بالكفاءة، ونظافة اليد، وتتولى هذه الحكومة إنجاز المهام التالية: ـ القيام بعملية إصلاح داخلية إدارية ومالية شاملة، وعميقة وجذرية للأجهزة الأمنية، والوزارات، والمؤسسات الرسمية الأخرى. ـ تضع وتنفذ خطة إعادة بناء وإعمار وفقاً لأولويات وطنية، وبما يخدم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ـ تشن حرباً على الفساد والمحسوبية، وتكرس مبادئ المساءلة والشفافية وسيادة القانون واستقلال القضاء. ـ تضع خطة لإجراء الانتخابات البلدية والقروية في حدود سقف زمني لا يتجاوز 6 أشهر. ـ وضع قانون ديمقراطي للانتخابات الشاملة الرئاسية والتشريعية، وعلى اساس التمثيل النسبي، وبما يكفل أوسع تمثيل سياسي وشعبي ممكن ـ تدعم المبادرات الشعبية، وتشجعها بكافة الوسائل، ومن ضمنها تشكيل اللجان الشعبية لخدمة أغراض مختلفة. وفي مقدمتها تعزيز الصمود الوطني، والرقابة الشعبية. إن المسارعة بالمبادرة في إجراء عملية الإصلاح السياسي والإداري سيمكنا من خوض معركة إعادة البناء والإعمار بكفاءة ونجاعة أكبر، وسوف يقطع الطريق أمام دعاة الإصلاح والتغيير للاستجابة والتساوق مع المطالب الأمريكية الإسرائيلية، والإدارة الأمريكية تجري سباقا مع الزمن لاستثمار الفرص التي وفرتها الضربة العسكرية الإسرائيلية من أجل إعادة فك وتركيب السلطة الفلسطينية على الطريقة الأفغانية، ولتتفرغ بعدها لتوجيه ضربة عسكرية للعراق تودي بنظامه السياسي، وتضع اللمسات الأخيرة لصياغة النظام الإقليمي العربي.