لأكثر من مرة، وأنا أستعير التعبير الأمريكي الساخر العبثي الشهير: «أكثر شيء أكرهه هو العنصرية.. والزنوج». ولا تتكرر حاجتي للاستعادة إلا لكثرة ما ألاحظه من تقارب في وجهات النظر يكاد يبلغ درجة التطابق، بين هذه العبارة المضحكة المبكية وبين ما يجري على أرض الواقع الاسرائيلي. ويخيّل لي أحياناً أن لسان حال الكثيرين هنا يقول: أكثر شيء أكرهه هو العنصرية.. والعرب. وفي المعارك السياسية أصبح تفهم العرب والتقرب من الفلسطينيين شتيمة، وانتقلت الهتافات الهستيرية «الموت للعرب» من ملاعب كرة القدم إلى ملاعب السياسة والإعلام، وحتى في الانتخابات الأخيرة للهستدروت، نقابة العمّال، لم يشفع للعرب أنهم مضطهدون طبقياً أيضاً، وراحت جماعة «عوز» في الهستدروت تحذّر الناخبين اليهود من التصويت لعمير بيرتس، نظراً لتحالفه مع بعض الأحزاب والشخصيات العربية المقموعة قومياً وطبيقياً. قلنا إن هؤلاء لا يحبون العنصرية، فحسب، بل يموتون فيها. وللتدليل على صحة ما نقول، تكفي مراقبة سلوكهم إزاء ظاهرة جان ماري لوبن العنصري الفرنسي. لقد أدان هؤلاء عنصرية لوبن وحذروا من انتشار اللاسامية في أوروبا، لكنهم لم يستطيعوا إخفاء جوهر مشاعرهم الحقيقية نحو لوبن ومدّه العنصري، وأشهروا على الملأ غبطتهم من هذه الظاهرة السلبية، لأنها شجعت آلاف اليهود الفرنسيين على الهجرة إلى إسرائيل!! وهذا ما يفسّر الدعم الاستثنائي الذي تلقاه لوبن من اليهود الفرنسيين المقيمين في اسرائيل والذين مارسوا حقهم الانتخابي في السفارة والقنصليات أسوة بجميع المواطنين المؤقتين الأجانب. إن الموقف من العنصرية غير قابل للتجزئة، فلا يحق لك أن تعارضها في قطر وتؤيدها في قطر آخر، ولا يجوز لك أن تعاديها هنا وتناصرها هناك، إن إزدواجية الموقف والانتقائية في التعامل مع ضحايا العنصرية من كبائر النفاق الفكري والسياسي والاجتماعي، وهي في نهاية الأمر ضرب من ضروب الكذب والخداع، ولن يتمكن أصحاب هذا النهج من تمرير أباطيلهم على خلق الله جميعاً، وإذا هم نجحوا في خداع فئة من الناس فسيظل هنا من يقف لهم بالمرصاد للكشف عن خبث نواياهم وعدم صلاحية السمّ الذي يدسّونه في دسم الشعارات الشفافة والكلام الضحل. وقد لاحظنا صمتهم المشين إزاء الفضيحة العنصرية الجديدة، فضيحة رُزَم الهدايا المقدّمة من شبان متدينين (لا يخدمون في الجيش الاسرائيلي) إلى الجنود المشاركين في عمليات الاجتياح، وقد كتب هؤلاء «المتدينون جدا..» على رُزَم هداياهم: «أيها الجندي أقتُل أكبر قدر مستطاع من العرب!».. أو: «العربيّ الجيّد هو العربي الميّت».. أو العربي الجَسور هو ساكن القبور. والسكوت عن أقوال حقيرة كهذه لا يعني رفضها بالضرورة، بل قد يعني إقرارها والقبول بها واعتبارها أمراً بدهيّاً، عادّياً، مفروغاً منه. ثمة خيار واحد من اثنين لا ثالث لهما.. إمّا مع العنصرية.. أو ضدّها! منذ مطلع القرن الرابع عشر الميلادي ونحن العرب أمّةٌ ممزقةٌ حكمها الطغاة واللصوص والدهماء وقطّاع الطرق والدجّالون. آن لشعبنا العربي الفلسطيني أن يحزم أمره ويحسم خَياره بين طريق الثورة المفضية إلى التحرر الوطني القومي الاجتماعي العلماني الديمقراطي الحضاري الانساني الكوني، وبين طريق الهبّة الدينية المفضية إلى ذاتها. على الإسرائيليين أن يقرروا بمنتهى الوضوح: هل يريدون بيتاً قومياً آمناً بين بيوت العرب القومية الآمنة، أم يريدون صراعاً أبدياً مدجّجاً بالغيبيّات والأساطير والأوهام القاتلة؟