رغم ان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد استثنى في خطابه سوريا من عداد دول محور الشر التي حددها بالاسم عشية اعلانه بدء المرحلة الثانية من الحرب ضد الارهاب في سبتمبر الماضي، فإن توسيع محور الشر ليشمل سوريا مع كل من كوبا وليبيا لم يكن مفاجئا، إذ كان هذا الاستثناء تكتيكاً مرحلياً وليس استراتيجياً. ولقد مهدت لتوسيع محور الشر وإدراج سوريا فيه، حملة زعيق ضاغطة على سوريا وعلى رئيسها في أروقة الادارة والكونجرس، هي الأولى من نوعها منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حيث طرح ديك آرمي زعيم الأغلبية في مجلس النواب والنائب الديمقراطي اليوت اينجل، مشروع قرار يحمل اسم «مسئولية سوريا للعام 2001»، الذي يدعو الى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية ضد سوريا، بما في ذلك تجميد الأرصدة السورية في البنوك الأمريكية، وعدم السماح لأي سوري بزيارة أمريكا ما عدا طالبي الهجرة، واعتبارها عضوا في «محور الشر»، بسبب دعمها حزب الله وحركة حماس والمنظمات الفلسطينية المعارضة، وتهريبها للنفط العراقي، ومحاسبتها على مساهمتها في مشاكل الشرق الأوسط، وإرغامها على «إنهاء احتلالها للبنان» على حد ما ورد في مشروع القانون. وبصرف النظر عن عدم إلزامية مثل ذلك للادارة الأمريكية فإن مشاريع القوانين التي يقترحها مجلس النواب ويقدمها للكونجرس، هي عبارة عن رسائل سياسية، تعكس بارومتر التغيرات في السياسة وموازين قواها. وتعكس هذه الرسالة هنا على وجه محدد، من ناحية موازين القوى، اصرار المحافظين الجدد الذين يسيطرون على ماكينة الادارة، على اعتبار انه لم يعد ممكناً في اطار مذهب بوش، وضع سوريا فيما سبق لنا ان وصفناه بـ «منزلة ما بين المنزلتين»، وإفهامها ان فرصة اعادة تكييف دورها الاقليمي مع ذلك المذهب تكاد توشك على النهاية. والمحافظون الجدد هؤلاء ملكيون اكثر من الملك في التحزب لاسرائيل، وتدعمهم مؤسسات الرؤية الانجيلية الامريكية المتحالفة اليوم مع المجمع الصناعي العسكري، والتي ترى ان قيام دولة اسرائيل تجسيد لرؤية الكتاب المقدس. ولا أدل على ذلك من ان النائب ديك آرمي الذي طرح المشروع مع ايجل، هو نفسه الذي كشف عن تبنيه وجهة نظر الصهيونية التصحيحية اليمينية المتطرفة حول ارض اسرائيل، في ضم الضفة الغربية الى اسرائيل باعتبارها ارض اسرائيل الغربية أو يهودا والسامرة، وترحيل الفلسطينيين الى الدول العربية المجاورة، كما لم يكن مفارقة في هذا السياق الذي يصول ويجول فيه المحافظون الجدد في الادارة ان يؤكد نائب وزير الخارجية جون بولتون (الذي يقال ان هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكية السابق كان ابرز من تدخلوا لضمه الى فريق الادارة) توسيع دول الشر لتشمل سوريا، وذلك في محاضرته ما وراء محور الشر. إن بولتون المختص بسياسات الأمن العالمي هو احد اقوى اطراف منظومة ما يسمى بـ «عصابة الاقوياء الستة» في البيت الابيض، ويمثل مع ارميتاج احد ابرز جيوب المحافظين الجدد في وزارة الخارجية، ويعود الى أحد ابرز ممثلي المحافظين الجدد وأقواهم، وهو ج. كروتش وكيل وزارة الدفاع لشئون الأمن الدولي، صياغة تعبير مصطلح محور الشر، وتتبنى كتلة الاقوياء الستة هذه سياسة واحدة تتلخص بضرب ايران وسوريا والعراق، باعتبارها دولا مارقة تطور انتاجها لاسلحة الدمار الشامل، وتهدد الأمن الاستراتيجي الاسرائيلي (وبالمناسبة فإن تعبير الدول المارقة قبل الهجمات هو نفسه من حيث الدلالة والقصد تعبير محور الشر بعدها ولعل هذا ما يفسر ان بولتون قد جدد استخدامه للدلالة على محور الشر). ولقد عرف بولتون الذي يكره سوريا والعراق وايران اكثر مما كان ايدن يكره عبدالناصر، منذ خدمته في ادارة جورج بوش الأب، بدعوته مع تاتشر لتأسيس مبادرة الاطلسي الجديدة، وتبني اطروحة حرب الحضارات، ومحاربة البلاشفة الجدد المتمثلين بالأصوليين الاسلاميين على حد تعبير مارجريت تاتشر رئيسة الحكومة البريطانية السابقة. وهو الأمر الذي قدمت هجمات الحادي عشر من سبتمبر ذريعة تامة ومكتملة العناصر لإطلاقه في سياسات عملية تضغط لمركزة الضربة الثانية حول العراق، وتصفية مكامن القوة الفلسطينية باعتبار حرب شارون ضد الفلسطينيين جزء لا يتجزأ من حرب أمريكا ضد «الارهاب»، وان الولايات المتحدة واسرائيل تواجهان عدوا واحدا هو «الارهاب». وإذا كان الرئيس بوش قد اصغى لنصيحة وزير الخارجية بعدما وضع سوريا يومئذ بين دول محور الشر، على اعتبار ان الحوار لا يزال قائما معها، وان تطويرها لأسلحة الدمار الشامل «محدود» أو ليس «عدوانياً» على حد تعبير باول، ورهاناً على تطوير تعاونها الأمني المضبوط والمحدد بشكل يتسق فيه مع أهداف الحرب، فإن اقتراب الادارة اكثر فأكثر من موضوع المؤتمر الدولي لترجمة رؤية الرئيس بوش حول اقامة دولة فلسطينية، قد حفز هذه المجموعة المستأثرة فعلياً بالضغط على القرار السياسي، لمحاولة استباقه وتفصيله على مقاس شارون، وعزل سوريا قدر الامكان عنه، أو اخراجها من «المونة بدون حمص»، في حال مشاركتها فيه، بغض النظر عن الموقف السوري الراهن الشديد الحذر منه. إن هذا ييشر الى لعبة الشد والجذب ما بين واشنطن ودمشق قد أوشكت على الانتهاء، وربما دخلت في مربع جديد.