بالرغم من رفعها لشعارات العلمانية والديمقراطية والحرية الا ان الحكومات الهندية المتعاقبة ظلت تنظر الى المسلمين الهنود كمجرد اصوات انتخابية، وليس مجتمعا متكاملا يشكل اكثر من عشرة في المئة من السكان، ودأبت هذه الحكومات على محاباة القومية الهندوسية على حساب الاقلية المسلمة مستندة الى ايديولوجية ترسخت عبر الاجيال مفادها ان كل من يعيش على ارض الهند هو هندي قبل اي شيء اخر ومتخذة هذه الفرضية كمدخل الى اقامة الامبراطورية الهندوسية العظمى. وتعتبر الهند من اكثر الدول ثراء ثقافيا فهي دولة ذات لغات متعددة وديانات مختلفة واثنيات بلا حصر، ولهذا فهي شديدة التعقيد اجتماعيا وعرقيا ودينيا، وحتى داخل المجموعات الصغيرة نجد تنوعا في الالسنة. وفي مثل هذا المجتمع شائك التعقيد حيث يتجذر التنوع والتعدد والاختلاف يصبح من المستحيل تشكيل هوية واحدة او حتي الحديث عن ذلك، كما يصعب فرض جنس عرقي واحد او قومية واحدة كهوية للجميع. ومثلها مثل الديمقراطيات متعددة الثقافات والقوميات لا يمكن للهند الا ان تسعى لجعل تركيز الشعب يلتف حول مصالح عامة ومحددة فكما في الولايات المتحدة التي تستخدم مسائل الحرية والامن والاعمال الخيرية كمصالح عامة لخدمة الشعب الامريكي، ينبغي على الهند ان تركز على مثل هذه المسائل بدلا من التعصب الهندوسي الذي فشل حتى الان في اشاعة تلك المباديء. وبالرغم من ان الهند استطاعت وخلال فترة وجيزة ان تطور امكانياتها وقدراتها في تقنية المعلومات وتصدر الى مختلف بقاع العالم عددا كبيرا من المتخصصين البارعين الا انها لم تتمكن من تجاوز الولايات المتحدة واليابان، ولم تنجح في استقطاب استثمارات ذات معنى، فبيوت الاستثمار لاتزال تنظر اليها كسوق كبيرة ودولة من العالم الثالث، هذا علاوة على ان الاحزاب الهندية خاصة الحركة الهندوسية التي تتميز بالمغالاة والتطرف كانت ولاتزال ترفض وجود المؤسسات الاجنبية. وبرغم الادعاء بأنها دولة علمانية الا ان الهند وهي بهذا التعدد الثقافي والتنوع الديني والعرقي ابعد ما يكون عن ان تكون دولة علمانية، والمجتمع الهندي المسلم هو اكبر ضحية لهذا الادعاء، ان العلمانية تعني حياد الدولة تجاه امور الدين حيث يتوجب عليها عدم فرض ديانة بعينها وهذا امر ضروري وحاسم في بقاء واستمرار اي مجتمع يقوم على التعددية الدينية، وتحولت العلمانية في الهند الى علمنة غير الهندوس المطالبين بالانضمام الى التيار الهندوسي. محاباة واستغلال ويشكل مسلمو الهند ثاني اكبر شريحة من السكان، وبرغم الضمانات الدستورية والتطمينات الرسمية يمكن لأي مراقب محايد ان يلاحظ ان هذه الاغلبية السكانية لا تزال مهضومة الحقوق، انهم مضطهدون ومستغلون لأبعد مدى. وظلت الحكومات الهندية المتعاقبة تحابي المجتمع الهندوسي ليس فقط في المجال الثقافي ولكن بتقديم التنازلات في كل المجالات، وعندما يتحول احدهم الى ديانة اخرى يتم حرمانه منها، ويحظر على المسلمين العمل في القوات المسلحة والشرطة والخدمة المدنية، اما في المجالات الاقتصادية فان نشاطهم محصور للغاية، وعندما تنمو اعمالهم التجارية على قلتها يتم الايعاز للهندوس بتنظيم اعمال شغب للقضاء على هذه النشاطات. وترقى اعمال العنف والقمع والحرمان التي يعاني منها مسلمو الهند الى مرتبة خرق حقوق الانسان. ولعب حزب المؤتمر الدور الاكبر في هذه اللعبة البشعة لانه حكم اكبر رقعة على الارض لأطول فترة زمنية على الاطلاق. ولعبت الاحزاب الهندية بكارت الهندوس بذكاء نادر ونجاح بالغ ـ وكانت رئيسة الوزراء الراحلة انديرا غاندي اكثر ذكاء في استخدامه العام 1971 بالدرجة التي اثنى بها رئيس الوزراء الحالي اتال بيهاري فاجبايي على «الدور البطولي لانديرا غاندي في حرب 1971» وتم استخدام هذا الكارت مرة اخرى، وبذكاء بالغ ايضا في الانتخابات البرلمانية العام 1984 والتي جاءت براجيف الى سدة الحكم بعد اغتيال والدته انديرا غاندي، وسارع راجيف الى مساندة ما اسماه انذاك «القضايا الهندوسية» في الوقت الذي كان يلاطف فيه المسلمين، وراجيف غاندي هو الذي فتح صندوق البنادورا عندما امر بازاحة اقفال مسجد بابري العام 1986 وسمح بوضع حجر اساس معبد راما العام 1989. وبلغت المغالاة والتطرف اوجهما في عهد رئيس الوزراء ناراشيما راو عندما قام مؤيدوه وبموافقته بهدم مسجد بابري العام 1992، واعلن راو وهو يشعر بالزهو امام تجمع عام ان «الإدارة السياسية انحنت امام القوة الدينية». قوانين لردع المسلمين ولم يقف الامر عند هذا الحد فقد اصدرت الحكومة الهندية في اعقاب سلسلة الانفجارات التي هزت العاصمة الاقتصادية بومباي في مارس 1993 قانون «حظر الارهاب واعمال الشغب» وهو قانون موجه في الاساس ضد الارهاب السيخي ولفترة محددة الا انه ظل ساري المفعول حتى هذا العام، واعتقل بسببه كثير من الابرياء غالبيتهم من المسلمين. وللتدليل على سوء استخدام ذلك القانون فان عدد الذين تم القبض عليهم تجاوز 80 الف شخص، ولكن عدد الذين تمت ادانتهم بالفعل لم يتجاوز 3% ، ان نسبة الابرياء بلغت نحو 97% ومع ذلك ظلوا ولسنوات طويلة في غياهب السجون وكان معظم هؤلاء مسلمين ايضا. وتزامنا مع الحرب ضد الارهاب التي اشعلتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في افغانستان في اعقاب هجمات 11 سبتمبر الماضي، ورضوخا لرغبة الادارة الامريكية اصدرت الهند نهاية العام الماضي قانونا جديدا موجها ضد المسلمين ولمزيد من الكبت ومواصلة مصادرة الحقوق وبدعوة مطاردة الارهابيين وكبح الارهاب. والقانون الجديد الذي يحمل عنوانه قانون منع الارهاب للعام 2001 يخول للسلطات الهندية اضطهاد من تريد من المسلمين والزج بهم في السجون بتهمة الارهاب، وكان وزير الداخلية الهندي الحالي لال كرشت ادفاني، قد شارك في هدم مسجد بابري. ويتضمن القانون الجديد مواد غاية في الخطورة ويخول السلطات حقوقا اقل ما يمكن ان يقال عنها، انها ضد حقوق الانسان وها ضمة لها، فعلى سبيل المثال يخالف القانون الجديد ابسط القواعد القانونية وهي تلك التي تنص على ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته، اذ تقول روح احدى المواد «المتهم مدان مالم يبريء نفسه من التهمة» اي عليه اثبات براءته. وكل متهم مجرم مالم يثبت العكس ـ كما يسمح القانون باعتقال اي انسان تظن السلطات ان له صلة بالارهاب او يمكن ان تكون له صلة، كما يسمح للسلطات الامنية والقضائية بحرية الاختيار، اي ان لها الحق في ان توجه التهم او لاتوجهها. وقوبل القانون الجديد بانتقادات حادة من كافة الفعاليات السياسية والثقافية والاعلامية، ماعدا الاحزاب الهندوسية المتطرفة وقد طالبت المنظمات الاسلامية الهندية الحكومة بسحب القانون ووقف العمل به لانه يهضم حقوق الاقليات، وخاصة المسلمة، ومع ذلك تمت المصادقة عليه واجيز باغلبية الحزب الهندوسي المتطرف الحاكم. وهكذا يبدو وضع الاقلية المسلمة الهندية شديد التعقيد وتحيط به المخاطر من كل صوب ولن يستقيم وضعها الا اذا انحاز قادتها ونظموا في صفوفهم في بوتقة واحدة ورفعوا عقيرتهم مطالبين بصون هويتهم ودينهم ومصالحهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعيدا عن الاحزاب الهندوسية التي لم يجدوا منها سوى البغضاء والتقتيل.