يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يقدم لنا إطلالة نادرة على جذور الشركة، المؤسسة، الكيان العملاق الذي سيتحول الى القوة العظمى الوحيدة في العالم. هكذا تجتمع الوثائق والتحليلات التاريخية والدراسات الاقتصادية والاجتماعية، المعمقة لتقدم لنا ضوءاً كاشفاً على هذا اللغز الذي اسمه أمريكا الذي يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل العالم بالقوة السافرة . والمؤلف هو جاك بيتي، المحرر الأقدم في مجلة «اتلانتك منثلي» ومؤلف العديد من الكتب والدراسات التي يتصدرها كتاباه عن السياسي الأمريكي جيمس مايكل كيرلي والمفكر بيتر دراكر. يصدق على الحرب كلمة أمير الشعراء في العصر الحديث، أحمد شوقي «ومن السموم الناقعات دواء». وها هو مصنف كتابنا ينقل عن كاتب أمريكي آخر اسمه «جون نيف» قوله في مؤلف أصدره منذ خمسين عاماً بعنوان «الحرب و التقدم البشري» عبارات الكاتب المذكور التي يصف فيها الحرب بأنها كانت دواء التقوية لبنية الاقتصاد الأمريكي. ويصدق هذا الوصف بالذات ـ كما يوضح مؤلفنا ـ على الحرب الباردة التي اندلعت بين المعسكرين الرأسمالي في الغرب بقيادة أمريكا والشيوعي في الشرق بزعامة الاتحاد السوفييتي. هذه الحرب الباردة ـ في رأي مؤلفنا جاءت منذ أواخر الأربعينيات وما زالت آثارها ممتدة حتى الآن ـ لكي ينعدل بها ميزان الاقتصاد الأمريكي، ولكي تنصلح من خلالها كشوف حسابات المؤسسة ـ المارد التي يعرفها الناس باسم الولايات المتحدة الأمريكية. هدفان قبل أن «تشتعل الحرب الباردة فقد سبقها في الزمان القريب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وإذا بأمريكا تحدد أهدافها في الإنفاق الكثيف السخي والمنتظم لإنتاج واستخدام وتطوير أحدث الأسلحة والمعدات وسارت سلسلة هذه الأهداف على النحو التالي: ـ أولاً: هزيمة هتلر وإسقاط نظامه النازي في ألمانيا. ـ ثانياً: احتواء ستالين وتحجيم ومحاصرة نظامه الشيوعي في روسيا. في هذا السياق يقول صاحب الكتاب (ص 291 وما بعدها): وطالما كانت القنبلة الذرية بعيدة عن تربة أمريكا، وما دامت أمريكا تشن حروباً بالوكالة ـ أي بواسطة أطراف أخرى ـ ضد روسيا السوفييتية وطبعاً على أراضي الآخرين، فقد ظل بوسع أمريكا أن تحصد مزايا الإنفاق الدفاعي. وكان في مقدمة هذه المزايا توظيف استثمارات أكثر من طائلة لحساب أغراض البحث والتطوير مستخدمة في ذلك أفضل وأنبغ العلماء الذين سبق وتعاونوا مع هتلر أو الذين كانوا قد لجأوا بعيداً عن النظام النازي إلى دول الغرب الأطلسية وإلى أمريكا على وجه الخصوص. هكذا استطاعت واشنطن بفضل هذا الإنفاق الكثيف في أغراض التسلح والدفاع أن تجني أينع الثمرات من ورائه من دون أن تتكلف أي مغارم أو تبعات من جراء هذا الإنفاق أو بالأدق من جراء ما اشتعل من حروب ولا ما تأجج عبر نصف القرن الأخير من صراعات.. لم تدفع واشنطن أي ثمن ولا تحملت مشاكل أو كوارث الموت أو الدماء أو الكساد الاقتصادي. أموال فلكية ماذا كانت نتيجة هذا كله؟ يجيب كتابنا في عبارات تقول على وجه التحديد: لقد نشأ ونضج قطاع اقتصادي كامل في أحضان الحكومة (الاتحادية) الأمريكية ما لبث أن اكتمل نموه واشتد ساعده في ظل مناخ الأزمة المتولد عن شبح الحروب واستمر وجوده مبرّراً بتوظيف نفقات واستثمارات أكثر من طائلة في ظل منطق الردع الذي يسوغ الزج بأموال فلكية في مرحلة السلام ويرفع شعارات تقول باختصار ان مزيداً من الإنفاق (في السلاح الحربي) إنما يعني مزيداً من الأمن السلاح والسلام.هذا هو الذي دعا الرئيس ايزنهاور إلى أن يتكلم في خطابه الوداعي الى الأمة لدى انتهاء فترتي ولايته عند فاتح الستينيات عن «المجمّع العسكري ـ الصناعي». وكان الرئيس ـ الجنرال يشير إلى التحالف الذي رآه، وربما كابد منه المرارات على شكل ضغوط سياسية أو اقتصادية، أو الأمرين معهاً ـ يربط بين بارونات احتكارات الانتاج وخاصة في مجال خامات المعادن وامدادات النفط ومختبرات البحث والتطوير العلمي وبين أباطرة انتاج الأسلحة وهو تحالف لم يتورع بالطبع عن أن يحشد في خدمته منظومات إعلامية وإعلانية وربما فكرية أو أكاديمية تتولى بث صورة أمريكا التي تنشد بناء السلام بمزيد من أسلحة الحرب وتدعم البناء والتعمير على أرضها بمزيد من أدوات القتل والتدمير حيث يتم هذا كله بالتلويح المستمر بخطر الحروب وشبح العدو المتربص على الأبواب (يكاد المرء وهو يعرض لهذه المقولات من كتابنا يتمثل الأجواء الراهنة التي تسود الحياة الأمريكية في ظل سياسة الترويع المستمرة وما تنطوي عليه من التلويح بعدو يحمل هذه المرة اسم الارهاب ويجد من يقرنه عمداً وبسوء نية بعالم الإسلام وعقيدة المسلمين ثم يجد من وسائل السياسة وأدوات الميديا من يصوره ـ مبالغة في التفزيغ والترويع ـ بوصفه عدواً مجهولاً.. كامناً ـ متربصاً ومتنمّراً ومتوعداً في غيرة مسمومة حسود إزاء رفاهية ورغد الحياة في الولايات المتحدة). لعبة وفورات الحجم والذي حدث أن المارد المؤسسي الأمريكي ما لبث وان نما واستشرى وبسط وجوده الرهيب المروع بعد أن غذته المليارات القليلة التي أنفقت في اطار مجمّع التحالف بين دوائر الصناعة ودوائر العسكرية بالولايات المتحدة وبالأرقام يقول كتابنا: إن حكومات واشنطن أنفقت مبلغاً وصل إلى 315 مليار دولار! على أغراض الحرب الباردة، وجاءت على شكل عطاءات وتعاقدات جرى منحها إلى عدد من الشركات والمؤسسات بلغ نحو 1900 شركة منها 100 مؤسسة عملاقة كبرى نالت نحو ثلثي المبلغ الفلكي المذكور. وفي هذا صدقت مقولة هنري سقمسون وزير الحربية في عهد الرئيس الأسبق روزفلت وكان بالمناسبة محامياً في مجال البرنس: إذا ما كنت على وشك خوض الحرب أو الاستعداد لخوضها في بلد رأسمالي.. يتعين عليك أن تفسح المجال أمام المؤسسات الكبرى والشركات العملاقة لكي تكسب أموالاً.. هذا وإلا توقفت دورة البيزنس في طول البلاد وعرضها..». ويعلق مؤلف كتابنا قائلاً: كان الوزير الأمريكي الأسبق يقول هذا الكلام وقد انصرف ذهنه إلى احتكارات عملاقة من طراز جنرال موتورز والتي استأثرت وحدها بنسبة العُشر من الإنفاق الحكومي البليوني الذي سبق وان ذكرناه، أما الشركات الصغيرة فلم تنل سوى الفتات، ذلك لأن جنرال موتورز وما على شاكلتها استفادت من أهم قانون في الاقتصاد وهو قانون أو قاعدة «وفورات الحجم» حيث تفيد اقتصاديات المشروع الاقتصادي من حقيقة ضخامة المشروع ومن ثم لا يبقى ولا يستمر ولا يحقق وفورات ولا يلبي مطالب الحرب سوى المشاريع العملاقة والمؤسسات ـ الحيتان وكل ذلك على حساب المؤسسات الصغيرة المحدودة الأحجام.. وقد تجلّت هذه الحقيقة ـ كما يضيف كتابنا ـ في انه في عام 1939 وهو بدء اندلاع الحرب العالمية الثانية. كانت الشركات التي تضم أقل من 100 عامل في أمريكا تشكل 26 في المئة من منظومة الانتاج والعمالة.. وما ان انتهت الحرب في عام 1945 حتى تقلصت النسبة الى 19 في المئة فقط لا غير. يمضي المؤلف موضحاً أبعاد تحالف الصناعة والحرب قائلاً إن العسكريين ظلوا في إطار هذا التحالف يقفون في صف أباطرة الصناعة وبارونات الانتاج في أي خلاف يثور بين هؤلاء وبين العمال أو ممثليهم أو مصالحهم وقد انطلق هذا التحالف من الاشتراك في المصالح بين الصناعة والحرب وبالتحديد من الموردين والعسكريين. مصالح بارونات الاحتكار يلفت أنظارنا في هذا السياق بالذات أن هذا التحالف أو التعاقد كان يتم من خلال منظور متعدد الأبعاد قد يبدأ من انتاج السجاد الفخم والمشروبات الكحولية ولكنه لا ينتهي ـ وهذا هو الأهم ـ عند تطوير برمجيات الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات. وإذا كان البنتاجون قد حقق مصالح بارونات الاحتكار أو حتى الاستغلال والتربح الرأسمالي في أمريكا، فقد ساهم البنتاجون ـ موضوعياً ـ أو ساهمت رأسمالية البنتاجون (على حد تعبير مؤلفنا) في دعم البحوث الأساسية التي انطلقت على أساسها صناعات النمو والتطوير. وفي هذا السياق ـ يضيف الكتاب ـ أضحت علوم الحاسوب الالكتروني تخصصاً جامعياً ودراسة أكاديمية نظامية وإن كانت لم تلق الاعتراف بهذه الصفة الرسمية سوى في أواخر عقد الستينيات عندما تم لأول مرة إنشاء أول 4 أقسام مستحدثة في أربع من الجامعات الأمريكية وأدخلوا فيها دراسة علوم الحاسوب وهذه الجامعات هي جامعة أوتاه ومعهد كارنيجي ميلون وجامعة كاليتورنيا في بيركلي وجامعة ستانفورد ولم يكن صدفة ان تمويل هذه الأقسام الجامعية الرائدة جاء من إحدى هيئات الحكومة الأمريكية يصفها المؤلف بأنها دائرة حكومية فرعية شبه مجهولة في واشنطن كانت تسمى اختصاراً باسم «أبرا» ثم تحولت إلى «دابرا» ومن ثم فاسمها الكامل ذو الدلالة هو: «وكالة مشروعات البحوث المتقدمة في مجال الدفاع» وعندنا إن كانت تلك بذرة التعاون الإيجابي للغاية بين الدوائر العسكرية والدوائر الأكاديمية خاصة وأن ثمار جهود العلماء والباحثين في المعاهد والجامعات لا تقتصر في نفعها ـ كما هو بديهي ـ على الجانب العسكري وحده ولكنها تنصرف بالضرورة لتفيد جوانب شتى في الحياة المدنية وترفد المجتمع بإمكانات واكتشافات وطاقات من الإبداع والتطوير تساهم بدورها في تنميته وتقدمه. أهداف وآمال إذا كنا ندعو من منظورنا القومي إلى احتذاء الإيجابيات التي أسفر عنها هذا النموذج من التعاون بين الجيش والجامعة ـ الجيش بتمويله وقدرات انضباطه والجامعة بكوادرها وطاقات بحوثها ـ فإن الكتاب يلفت أنظارنا بدوره إلى أن هذا التعاون الذي بدأ مقصوراً في أمريكا على تلبية متطلبات الحرب الباردة ما لبث أن أفضى إلى أهداف أرقى وآماد أوسع وغايات أكثر طموحاً. وفي هذا السياق يمضي كتابنا (ص 293 وص 294) فيقول: ثمة تقرير فائق الأهمية أصدرته مؤخراً لجنة رئاسية ضمت كبار المديرين من مؤسسات أمريكية كبرى (عاملة في مجال تقنية المعلومات) مثل آي.بي.إم وميكروسوفت وآي.تي.آند.تي وغيرها. وقد طالب التقرير بمضاعفة إنفاق الحكومة الاتحادية الأمريكية في مجال بحوث تكنولوجيا المعلومات على مدار السنوات الخمس المقبلة. وقد عرضت جريدة «نيويورك تايمز» لبنود التقرير المذكور وإلى أهمية مشاركة الحكومة ـ القطاع العام ـ في مثل هذه الجهود فقالت: كل شيء، ابتداء من رقيقة الحاسوب المتناهية الصغر وحتى شبكة الانترنت يمكن إرجاعه إلى جهود البحوث الأساسية التي قامت الحكومة (وليس القطاع الخاص ولا المصالح الخاصة) بتمويلها في مراحل زمنية سبقت. وكون الحرب الباردة قد انتهت ليس مبرراً ـ تضيف «نيويورك تايمز» ـ لأن تتخلى الحكومة الآن عن دعمها لتلك البحوث الأساسية، هذا إذا ما كان هدفنا ليس (مجرد) أن نخلق (في أمريكا) وادي السيليكون للبحوث المتقدمة بل نخلق مادة السيليكون على نحو ما تطمح إليه محتويات التقرير. اقتحام المجاهل في هذا الصدد يعمد مؤلفنا إلى ما قد نسميه ترجمة تلك المحتويات إلى حديث صريح يوجهه إلى حكومة واشنطن فيقول: إن مديري المؤسسات الذين ضمتهم اللجنة الرئاسية المذكورة أعلاه كأنما أرادوا مخاطبة الحكومة قائلين: «شوفوا» إن المنافسة التي تخوضها مؤسساتنا. ناهيكم بمساهمينا الجوعى إلى أرباح نحققها لأسهمهم ـ كلها عوامل تحول بيننا وبين أن نخطط لتطوير تقنية المعلومات لأكثر من ربع القرن المقبل ومن ثم فنحن نعترف لكم بعجزنا عن التخطيط لإجراء البحوث الجوهرية التي لا غنى عنها لاقتصاديات القرن الحادي والعشرين. صحيح أن هذا ضعف في آليات السوق التي نعمل فيها ولكنه يحتاج في رأينا إلى علاج أو ترياق لابد وأن يأتي من خارج السوق ذاتها. ومن ثم يتعين على الحكومة أن ترتاد التخوم وتقتحم المجاهل التي ما زالت الشركات والمؤسسات (القطاع الخاص) تخشى أن تضع قدمها على صعيدها. المجمع العلمي ـ الصناعي إذا كان ايزنهاور قد رصد في أول الستينيات تحالف المجتمع العسكري ـ الصناعي ـ وإذا كان ختام الستينيات قد شهد أهم ثمرات ذلك التحالف مجسدة في إنشاء أول أربعة مراكز لدراسات الحاسوب الإلكتروني التي قد نعدها بمثابة الأب الأعلى أو الأم الرؤوم الحاضنة لما أصبح يوصف في زماننا بأنه تكنولوجيا المعلومات ـ فإن السنوات الثلاثين الماضية مباشرة جاءت لتشهد بدورها تحالفاً آخر من نوع مبتكر.. لا يلغي تحالف الحرب والصناعة (بل ان هذا التحالف ومصالحه وأطماعه زاد توثقاً إلى حد الشراسة بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001) ـ ولكن التحالف الجديد أصبح يحمل حسب مصطلح كتابنا الاسم التالي: المجمع العلمي ـ الصناعي. وهو إذن تحالف العلم والصناعة، ـ المختبر والمصنع ـ البحث والماكينة ـ وهو تحالف نراه بديهياً إن لم يكن الأوْلى بالرعاية والاهتمام باعتبار أننا نعيش عصر التكنولوجيا، وباعتبار التكنولوجيا هي استخدام أساليب العلم من أجل تطوير أساليب الانتاج بهدف ترقية الكيف وتعظيم الكمّ في التحليل الأخير. وتلفت أنظارنا عبارة الاستهلاك التي استخدمها مصنف هذا الكتاب وهو يطرق بدايات هذا التحالف بين العلم والصناعة، حين يوضح أن الأمور تغيرت مع متغيرات زماننا من التركيز على امتلاك «الأشياء» إلى حيث امتلاك المعلومات.. بمعنى التحول من السعي نحو حيازة المادة إلى العمل على حيازة المعرفة ـ حيث المعرفة هي القوة الحقيقية. هذا هو الاتجاه الذي رصده المؤلف الأمريكي، والذي يتمثل في اهتمام «تمويلي متزايد» على حد تعبيره (ص 295) من جانب كبرى المؤسسات والشركات في أمريكا بالبحوث العلمية والجهود الأكاديمية التي تدور بين جدران المعاهد والجامعات. ما الضرر؟ إنه الاتجاه نفسه الذي يلقى نقداً لاذعاً واسع النطاق من جانب فئات من الأساتذة والأكاديميين الكبار الذين يقلقهم تحول البحث العلمي إلى أهداف «غائبة» سابقة التحديد بل تكاد تكون مفصّلة على مقاس السيد الممول وعلى قد مطاليبه واحتياجاته وربما رغباته وحتى نزواته! تلك اتجاهات تتنافى كما يضيف هؤلاء النقاد مع روح الحرية الأكاديمية وضرورة أن يكفل للبحث العلمي سبل التحليق والانطلاق في التحري والتمحيص والاستقصاء.. وما الضرر في ذلك؟ هكذا يجيب أنصار المجمع العلمي ـ الصناعي الوليد.. ألم تؤسسْ الجامعات لخدمة المجتمع؟ ألا يستفيد أهل الأكاديميا من تمويل أرباب الصناعة لاكتشاف عقار يشفي المرضى وتحدد أهدافه سلفاً دون مجرد التحليق في أجواء الفكر أو الحياة في برج عاجي؟ ذلك هو الحوار المحتدم هذه الأيام بين جدران الشركة المارد التي تحمل اسم أمريكا، فإلى ختام هذه الأحاديث بإذن الله.