ارتبطت السياستان الخارجية والدفاعية لكل من ألمانيا وبريطانيا بالتوجهات الاستراتيجية الأمريكية في قضايا الأمن الأوروبي والصراعات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وتزايد هذا الارتباط، بعد حسم الصراع بين معسكري الشرق والغرب في أواخر ثمانينيات القرن الماضي لصالح الرأسمالية الغربية والاقتصاد الحر، مع انفراد الولايات المتحدة بمكانة القوة العظمى الوحيدة في عالمنا المعاصر حتى عام 2010 على الأقل، وبريادة الثورة العلمية والتكنولوجية الثالثة. تجاوبت دول أوروبا الغربية كلها مع حلم القرية الكونية التي تضع حداً لصدام الحضارات وصراع القوميات، وتحقيق رخاء القارة الأوروبية، وتسعى إلى حل المشاكل الدولية والإقليمية بالطرق السلمية، والحفاظ على الاستقرار النسبي وتجنب إشعال الحروب الإقليمية والمحدودة والأهلية في بؤر الصراع في العالم الثالث مع السعي تدريجيا إلى تقليل الفوارق الاقتصادية والاجتماعية الصارخة بين دول الشمال والجنوب. وانقادت أوروبا الغربية للخطط الأمريكية الخاصة بدعم قدرات وتوسيع نطاقات مسارح عمليات حلف شمالي الأطلسي التي لم تعد تقتصر على أوروبا بل امتدت إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز الجنوبي. وتعاونت معظم دول الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة في تعزيز الوجود العسكري الغربي والنفوذ السياسي في مناطق المصالح الحيوية الأمريكية مع أن بعض هذه الدول - مثل فرنسا - قد أدركت أن الولايات المتحدة هي دولة عظمى متطرفة في وطنيتها، وهي تستغل مسائل العولمة وحماية العالم الحر من أجل خدمة مصالحها الحيوية والأمنية العليا، مثلما عارضت الموقف الأمريكي الذي يرفض أن تقوى التجمعات الإقليمية كالجامعة العربية أو منظمة الوحدة الإفريقية، أو أن تتدعم الحركات والنزعات القومية، أو تنجح سياسات الاعتماد على الذات والتكامل الإقليمي بين الدول المحورية في العالم الثالث كمصر وسوريا والسعودية والعراق في العالم العربي، أو إيران وباكستان وإندونيسيا في جنوب آسيا. وهكذا أصبحت العولمة في رأي كثير من المفكرين الأوروبيين أداة رئيسية للهيمنة الأمريكية لخدمة احتفاظ واشنطن بمكانة القوة العظمى الوحيدة في العالم لأطول مدى ممكن في القرن الحادي والعشرين الميلادي، ولصالح رخاء الولايات المتحدة أولا ثم الغرب ثانيا وازدهارهما الاقتصادي وتفوقهما التكنولوجي، مع الحرص على استمرار الاتحاد الأوروبي كحليف أول ورئيسي لواشنطن، وكقوة كبرى في مستوى العالم الثاني دون أن ترقى إلى مستوى العالم الأول حتى لا تصبح قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة. وأدت تفجيرات 11 سبتمبر الشهيرة في واشنطن ونيويورك إلى تجاوز التحفظات الأوروبية على السياسات الأمريكية إزاء القضايا الأمنية والصراعات الدولية، وإلى تعزيز علاقات وثيقة وكثيفة بين أوروبا والولايات المتحدة، وبخاصة في مواجهة خطر اليقظة الإسلامية على المصالح الغربية في آسيا الوسطى وجنوب غرب آسيا. وأذكت الصهيونية العالمية ضراوة العداء للعروبة والإسلام في بعض دوائر صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة، وبريطانيا وألمانيا وهولندا، وروسيا وتركيا ودول أوروبية أخرى لخدمة مخطط تهويد فلسطين الحالي ومؤامرة السيطرة الإسرائيلية المنشودة على المشرق العربي في المدى القريب أو المتوسط. لهذا كله، صمتت دول أوروبا الغربية على الإفراط الأمريكي في مشاعر الإحساس بالقوة المطلقة والهيمنة غير المحدودة على مقادير دول العالم الثالث، وعلى علانية التربص بشعوب العالمين العربي والإسلامي في إطار الحملة الأمريكية ضد الإرهاب والتطرف، ولردع وتأديب الدول التي تناهض سيطرة الولايات المتحدة على مناطق مصالحها الحيوية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أو تتبنى برامج متطورة لأسلحة الدمار الشامل يمكن أن تهدد عمق الولايات المتحدة أو حلفاءها فيما وراء البحار، كأن واشنطن في الواقع تدير حملة مدبرة للهيمنة الأمريكية المطلقة والعولمة الأمنية العسكرية بتأييد صريح أو ضمني أو صمت سلبي من جانب معظم الدول الأوروبية. ومع أن دول أوروبا الغربية قد شاركت في الحرب الأمريكية ضد أفغانستان بكل ما طلبته منها واشنطن دون تردد أو مناقشة، وبلا اختلاف يذكر بين استجابة فرنسا أو بريطانيا أو كندا - مثلا - للمطالب الأمريكية، فإن واشنطن لجأت إلى نزعة فردية في تخطيط وإدارة الحرب في أفغانستان، وفي الإجراءات الانتقالية التي تمت لاختيار حكومة مؤقتة فيها برئاسة قرضاي، أو لتحقيق الاستقرار الأمني في شرق وجنوب البلاد بالاستعانة بالقوات متعددة الجنسيات التي تحدد واشنطن تشكيلها وتختار قياداتها. كذلك لم يهتم الرئيس جورج بوش باعتراضات بعض قادة أوروبا الغربية على انتهاكات حقوق الإنسان في معاملة أسرى الأفغان في بلادهم أو في قاعدة جوانتانامو الكوبية. أبرز قضايا الخلاف إن أهم أوجه خلافات الرأي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تدور حول حملة بوش ضد الإرهاب الدولي، واستقرار وأمن الشرق الأوسط، فأغلب دول أوروبا الغربية لا تريد أن تدير الولايات المتحدة حربا تقليدية شاملة في المرحلة الثانية من حملتها الحربية ضد دولة كالعراق أو إيران، وهي تعترض على تسمية محور الشر التي أعلنها الرئيس جورج بوش في خطاب الاتحاد في يناير الماضي، وعلى انفراد واشنطن بالقرار في مسألة توسيع الحملة العسكرية ضد الإرهاب، واختيار أهدافها، مع تقليص دور أوروبا الغربية وحصره في التأييد السياسي والدبلوماسي لحروب بوش وعملياته الخاصة والاستخبارية، وتقديم المعاونة الإدارية والفنية في مجهوداته الحربية في مراحلها المقبلة. ولا تقبل دول الاتحاد الأوروبي - فيما عدا بريطانيا وألمانيا وهولندا - المبادأة الهجومية الأمريكية بعملية حربية واسعة النطاق ضد العراق ثم إيران وكوريا الشمالية في الخريف المقبل، أو الشتاء الذي يليه، وتريد ضبط شهوة الانتقام الأمريكية العارمة من كل مصادر التهديد المحتملة للمصالح الأمنية الأمريكية في الحاضر والمستقبل المنظور، وترغب هذه الدول الأوروبية الغربية في الاكتفاء بالإجراءات السياسية والاقتصادية والأمنية المحدودة ضد الجماعات الإرهابية والمنظمات المتطرفة المدرجة في قوائم الإرهاب الأمريكية والأوروبية. أما بريطانيا فقد كثفت وجودها البحري في القرن الإفريقي، وبخاصة على سواحل كينيا، وفي خليج عمان وبحر العرب مستندة إلى الموانئ العمانية، وأعلنت استعدادها للاشتراك بنحو 25 ألف جندي في العملية الهجومية الأمريكية المرجحة ضد العراق. ورحب الإنجليز بالتفكير الأمريكي في استخدام الأسلحة النووية التكتيكية صغيرة العيار ضد العراق وليبيا وسوريا وإيران، بل وضد الصين وروسيا وكوبا وكوريا الشمالية إذا اقتضى الأمر في العمليات الحربية المستقبلية لتدمير الأهداف التي يمكنها الصمود ضد الهجمات بالأسلحة التقليدية، أو في إطار الرد الانتقامي على الهجمات الكيميائية والبيولوجية، أو لصد هجوم عراقي ـ سوري مشترك ضد إسرائيل. ولبت ألمانيا طلب واشنطن فأرسلت بعض وحداتها البحرية وكتيبة استطلاع كيميائي مدرعة إلى منطقة الخليج العربي في الوقت الذي تعارض فيه إرسال أية وحدات عسكرية ألمانية إلى قوة حفظ سلام دولية في فلسطين المحتلة إلا إذا وافقت إسرائيل أولاً على هذا المبدأ، كما أن ألمانيا أيضا هي ثاني مصدر للسلاح إلى إسرائيل بعد الولايات المتحدة وهي التي أمدت الدولة الصهيونية بالغواصات دولفين - 209 القادرة على إطلاق صواريخ ذات رؤوس نووية، وكذا بمحركات والكترونيات الدبابة ميركافا - 4. وفيما عدا بريطانيا وألمانيا يتفهم الأوروبيون ثقافة المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي التي لا يرتضيها الأمريكان الذين يتعاطفون على النقيض منها مع سياسة الاستيطان الاستعماري في الأراضي المحتلة. وتزايد باضطراد تعاطف الرأي العام الأوروبي واعتزازه بقيم العدالة وحقوق الإنسان وحرية الشعوب في تقرير مصيرها ورفضه للمعايير المزدوجة في مقاومة الاحتلال والعنصرية، وهو يستهجن اليوم انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية التي تبدأ عملها رسميا في أول يوليو المقبل لتنظر في جرائم الحرب والإبادة الجماعية وإهدار الإنسانية. لقد عانت أوروبا من الاحتلال النازي وقاومته بضراوة في فرنسا وبولندا والأراضي المنخفضة، ورأينا المظاهرات المؤيدة لصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة لقوات الاحتلال في العواصم الأوروبية، وبخاصة في بروكسل وباريس وفيينا وأثينا ومدريد، وبدا تعاطفها الحقيقي مع الفلسطينيين في مواجهة إرهاب الدولة الصهيونية الذي يضرب المدنيين الأبرياء ويعصف بعناصر المقاومة الوطنية المشروعة ويمارس التطهير العرقي في فلسطين وصور الإبادة الجماعية بغير هوادة تحت حماية الدعم الأمريكي المباشر لإسرائيل سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا إلى الحد الذي يبدو فيه أن محورا أمريكا إسرائيليا قد اكتمل إنشاؤه للهيمنة على المشرق العربي، وفرض الانكماش والانقراض على الفلسطيني في أرضه التاريخية بواسطة المؤسسة العسكرية الصهيونية التي تتصف بالعنصرية والتطرف. ولا تقتصر الخلافات بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة على شرعية وأساليب المقاومة الفلسطينية والعمليات الاستشهادية، وصمت مجلس الأمن والولايات المتحدة على مجزرة جنين وجرائم حقوق الإنسان في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، بل تمتد إلى محاولة تهميش الدور الأوروبي في القضية الفلسطينية وفي تحقيق استقرار الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وإلى مساعي الرئيس بوش وحكومة شارون لفرض الوصاية المالية الأمريكية أو الدولية على موارد السلطة الفلسطينية. ولم ترحب أغلب الدول الأوروبية بالبدء برفع الحصار عن الرئيس ياسر عرفات ثم عن كنيسة المهد دون وقف إطلاق النار ووضع جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية إلى أوضاعها فيما قبل عملية الجدار الواقي التي بدأت في 29 مارس الماضي تلبية للنداءات الأمريكية المتكررة لحكومة شارون التي ظهر للرأي العام الأوروبي أنها كانت جزءا من خطة خداع سياسي متفق عليها مسبقا. ولا توافق فرنسا وبلجيكا وإيطاليا على إيجاد قيادة بديلة لعرفات ومعاونيه وجهازه الأمني قبل المؤتمر الإقليمي للسلام المقترح في بداية الصيف المقبل كما تعترض على التأييد الأمريكي لخطة شارون بشأن إقامة دويلة فلسطينية بغير حدود دولية، وإنشاء مناطق آمنة إسرائيلية في الضفة الغربية لنهر الأردن، وبقاء كل المستعمرات اليهودية فيها وفي غزة تحت سيادة الدولة الصهيونية. ومع ذلك كله فإن اتفاق حكومات ألمانيا وبريطانيا وهولندا على عدم فرض أية عقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي ضد إسرائيل. والنفوذ الصهيوني في بعض أحزاب اليمين في فرنسا وإيطاليا وهولندا وألمانيا، والنفوذ الاقتصادي والإعلامي ليهود أوروبا وهم زهاء 2.53 مليون نسمة، يمنع فعالية الدور الأوروبي في المسألة الفلسطينية مما يتطلب أن ينهض العرب بمسئولياتهم في مراجعة تحالفاتهم الدولية وتعزيز تعاونهم الاستراتيجي مع الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر الشريك التجاري الأول للعالم العربي وأن يدركوا أن المصالح الحيوية، وفي مقدمتها الاقتصادية والأمنية، يجب أن تحكم علاقاتنا الدولية وبخاصة إذا كان هناك تراث حقيقي من التفاهم واقتراب القيم العليا مع أوروبا. ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط