دماء كثيرة تدفقت على الأرض، منذ كانت الصهيونية ظاهرة أوروبية، أو - إن شئت الدقة - صناعة أوروبية، فقد دأبت الرأسمالية اليهودية في أوروبا الغربية ، على محاولة التفتيش عن حل فريد لأزمتها، حيث وقعت تحت ضغط الرأسمالية الأوروبية الغربية، بمجرد خروجها الى احتلال المستعمرات، منذ زهاء خمسة قرون وأخفقت خمس محاولات رأسمالية يهودية في هذا الاتجاه، حتى توفر لنفسها مركزا اقتصاديا آمنا، وتفلت من مصيرها التاريخي المنتظر، فقد تعلم اليهودي من التاريخ أن الأباطرة في أوروبا كانوا يحرفون سخط أقوامهم في اتجاه اليهود، عند كل أزمة اقتصادية تحدق بالبلاد، وبهذا الحرف لا يفلت الأباطرة من سخط أقوامهم فحسب، بل أيضا، يتخلصون من دائنيهم من أغنياء اليهود. غني عن القول بأن المهن القذرة التي استمرأ اليهود ممارستها، عبر التاريخ، جعلت منهم هدفا سهلا لاجتذاب السخط والنقمة خاصة احتكارهم أمر الربا. ولم يتوقف المنع الرأسمالي الأوروبي، إلا بعد وصول هذه الرأسمالية الى مرحلة الامبريالية، وتحركها لوراثة الرجل المريض (الدولة العثمانية)، أواسط القرن التاسع عشر، خاصة بعد أن عزز محمد علي باشا - والي مصر - مخاوف الغرب الامبريالي من احتمال قيام دولة عربية قوية، تقطع على تلك الامبريالية الطريق الى مستعمراتها في الشرق الأقصى، وتحرمها من المواد الخام والأسواق في الأقطار العربية، هنا تقاطعت الرأسماليتان الكبيرتان في أوروبا الغربية ونظيرتها في الأقطار نفسها، فولدت الحركة الصهيونية. وليس صحيحا أن هذه الحركة قومية الطابع، ولدت في عصر القوميات الأوروبية، إذ أن القومية ارتدت من التحررية الى الرجعية والعنصرية، مع انتصار الرجعية الأوروبية على نابليون بونابرت، سنة 1815 وبذا ولدت الصهيونية في سياق اشتداد ساعد القومية الرجعية والعنصرية، فاكتسبت ملامحها، ونهلت من الأفكار العنصرية المقيتة لفردريك نيتشه، فضلا عن تسربلها بالدين اليهودي، وبالذات التلمود، الذي يغص بالعنصرية والعدوانية. في أغسطس 1897 انعقد في بال بسويسرا، المؤتمر الصهيوني الأول، وانكشف المستور من أمر هذه الحركة الوليدة، التي جاءت لتفسخ القسم الآسيوي من الوطن العربي عن قسمه الافريقي، ما يحول دون الوحدة العربية كما يتربص المشروع الصهيوني - بعد قيامه - بالأقطار العربية، فيحول دون تقدمها، وتنميتها، ومن باب أولى قيام دولة عربية قوية، ناهيك عن استنزاف تلك الأقطار في أعمال تسليح، تلتهم نسبة غير قليلة من موازنتها السنوية. الى ذلك ثمة وظيفة المشروع الصهيوني، المتمثلة في حراسة طرق مواصلات أوروبا الغربية الى مستعمراتها في الشرق الأقصى، والمارة بالوطن العربي، فضلا عن المواد الخام والسوق في الوطن العربي. في سنة 1903 اكتشف أول بئر بترول في الوطن العربي، فأضيفت وظيفة جديدة الى المشروع الاستعماري المنتظر، مؤداها حماية المصالح النفطية الغربية في الوطن العربي. تماما كما أضيفت الى هذا المشروع وظيفة «التصفية للخطر الشيوعي» بمجرد اندلاع الثورة البلشفية في روسيا، في أكتوبر 1917. من هذه الوظائف اكتشفت الصهيونية آلية عملها، وخط تحالفاتها، حيث دأبت على توطيد تحالفاتها مع الدولة الامبريالية الأقوى، وكانت بريطانيا حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية (1945 ـ 1939) التي دفعت موقع بريطانيا خطوات واسعة الى الخلف داخل المعسكر الامبريالي، ما اضطر هذه الامبريالية العجوز الى اخلاء موقعها للامبريالية الأمريكية، التي حققت تقدما ملحوظا خلال سنين الحرب، حتى غدت بريطانيا مدينة للولايات المتحدة الأمريكية، ما جعل الأخيرة تدخل في صراع شرس، ومكتوم، مع الامبرياليتين الشائختين - البريطانية والفرنسية ـ لوراثتهما في مستعمراتهما. في مؤتمر بلتيمور الصهيوني، في الولايات المتحدة، ربيع 1942، نقلت الصهيونية مركز ثقلها من لندن الى واشنطن، فسحبت اثنين من أعضاء اللجنة السياسية للوكالة اليهودية من العاصمة البريطانية الى العاصمة الأمريكية، فيما أبقت الثالث في لندن. لذا كان صعبا أن تعيد الامبريالية البريطانية النظر في أمر حماسها لاقامة المشروع الصهيوني في فلسطين، الذي سيكون أحد أدوات الامبريالية الأمريكية في مزاحمتها مع نظيرتها البريطانية على مستعمرات الأخيرة. ما يفسر تباطؤ الحكومة البريطانية في أمر تنفيذ «وعد بلفور» غداة انقشاع غبار الحرب العالمية الثانية، واندفاع الادارة الأمريكية في هذا الاتجاه، حيث دعا الرئيس الأمريكي، هاري ترومان الى السماح بدخول مئة ألف يهودي الى فلسطين، وكان الحزبان الأمريكيان الرئيسيان قد ضمنا برنامجيهما الانتخابيين هذا الأمر، ورفضت لندن الاستجابة للطلب الأمريكي، فما كان من الادارة الأمريكية إلا أن فرضت على حكومة لندن تشكيل «اللجنة الانجلو ـ أمريكية» في ربيع 1946، لتسافر الى فلسطين، وتبحث في المبرر البريطاني لوقف هجرة اليهود الى فلسطين، ومؤداه عدم قدرة البلاد الاقتصادية على استيعاب مزيد من المهاجرين اليهود، وحين أوصت هذه اللجنة بالسماح لمئة ألف يهودي بدخول فلسطين، رفضت حكومة لندن هذه التوصية، جملة وتفصيلا، فما كان من عصابتي «الأرجون» و«شيترن» العسكريتين الصهيونيتين إلا أن بدأتا في شن هجمات مسلحة ضد الجنود البريطانيين في فلسطين، فشنقوا بعضهم في أغصان الأشجار، ونسفوا قطارا، وهاجموا سجن عكا، وأنقذوا المسجونين الصهاينة فيه. احتارت حكومة لندن في أمر التعامل مع هذا الحب المفقود مع الحركة الصهيونية، وكان أن دعا وزير الخارجية البريطاني، أنورين بيفن أواخر 1946 العرب والصهاينة الى مؤتمر لندن، وعرض على الطرفين مشروعا أفضل من مشروع التقسيم اللاحق، وإن كان يحتفظ بوجود بريطاني في فلسطين، لكن الطرفين رفضا المشروع البريطاني الجديد. هنا نصح خبراء الخارجية البريطانية رئيسهم، بيفن، بعرض قضية فلسطين برمتها على الأمم المتحدة، التي ستضطر - بدورها - الى اعادتها للحكومة البريطانية، لعجز ذلك المحفل الدولي عن اتخاذ قرار حاسم بصدد قضية فلسطين، بسبب التوازن الحرج داخل ذلك المحفل بين السوفييت والأمريكان، المعسكرين المتعاديين. وقعت المعجزة حين صوت هذان المعسكران المعاديان لصالح تقسيم فلسطين ضمن 33 دولة، ضد 13 دولة، وامتناع 10 دول أخرى عن التصويت، بينها بريطانيا، التي غادر مندوبها القاعة لحظة التصويت. بعد قيام «اسرائيل» أرغمت الادارة الأمريكية لندن وباريس، على التوقيع على «البيان الثلاثي» في مايو 1950 الذي يضمن حدود دول المنطقة، وإن كان المقصود ضمان حدود اسرائيل، دون غيرها من دول المنطقة. ثم دخل النظام الناصري في مواجهة عسكرية مع اسرائيل بدءا من الهجوم العسكري الاسرائيلي، الذي قاده مجرم الحرب آرييل شارون، على غزة في 1955-2-28 وقتل فيها زهاء أربعين جنديا مصريا، وسودانيا، وفلسطينيا، وفجر الاعتداء انتفاضة عارمة في قطاع غزة، لفتت نظر عبدالناصر بقوة، الى الخطر الصهيوني الجاثم على حدود بلاده، فأنشأ الزعيم الراحل وحدات فدائية فلسطينية، عهد بقيادتها الى البكباشي (المقدم) مصطفى حافظ، وهي التي نجحت في الحاق خسائر بشرية جسيمة باسرائيل بلغت 1378 قتيلا في بضعة أسابيع. ثم تلاحقت التداعيات الى أن أمم عبدالناصر قناة السويس (1956-7-26) مما أزعج فرنسا وبريطانيا، ودفعهما الى عقد «اتفاقية سيفر» السرية، مع اسرائيل تمهيدا لشن «العدوان الثلاثي» على مصر، خريف 1956 وهو العدوان الذي تحطم على صخرة الصمود الشعبي والرسمي في مصر، الذي استدعى تضامنا شعبيا عربيا عارما، وانذارا سوفييتيا قويا بضرب عواصم دول العدوان، إن لم تبادر بسحب قواتها من مصر. أما موقف الادارة الأمريكية فله العجب! ذلك أن قوات أمريكية شاركت القوات البريطانية والفرنسية في الهجوم على مصر، في اليوم الأول، ثم سارعت الى الانسحاب، ليضغط الرئيس الأمريكي داويت أيزنهاور على لندن وباريس وتل أبيب كي تسحب قواتها من مصر وقطاع غزة. لعل ما يفسر هذا الموقف الأمريكي المتناقض، أن الادارة الأمريكية اشترطت على فرنسا وبريطانيا اسقاط نظام عبدالناصر في 24 ساعة، فوعدتاها، وحين امتد الزمن بالحرب سحبت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها، حتى تلعب على الخط الآخر، خط التنديد بالعدوان، ومزاحمة الاتحاد السوفييتي في موقفه المؤيد للعرب ومصر، وما دام اسقاط عبدالناصر قد فشل، فمن الممكن الانتقال الى محاولة احتوائه. من جهة أخرى ما دام الاستعماران البريطاني والفرنسي قد تلقيا ضربة قاصمة في الوطن العربي، فلا ضير في محاولة واشنطن وراثتهما هنا فأصدر الرئيس الأمريكي «مشروع أيزنهاور» في 1957-1-15 لملء الفراغ في الشرق الأوسط المترتب على خروج فرنسا وبريطانيا من هذا الشرق، وحتى لا يملأ الاتحاد السوفييتي هذا الفراغ. إذا كان الأمريكان قد آثروا التواري، وتركوا الفرنسيين يسلحون الكيان الصهيوني، فإن الأمريكان طلبوا، مطلع الستينيات مد هذا الكيان بالأموال، تحت اسم «التعويضات» الألمانية عما لحق باليهود، إبان الحرب العالمية الثانية. مع أواخر العام 1962 وصل عبدالناصر بقواته الى اليمن، لمناصرة ثورتها، فقلقت أمريكا على منابع النفط في الجزيرة العربية، وقررت الادارة الأمريكية توجيه ضربة عسكرية قاصمة للجيش المصري، وكانت حرب 1967، والهزيمة العربية المدوية فيها، التي «وضعت خطتها في واشنطن» على حد تعبير مراسل يومية «هآرتس» الاسرائيلية في العاصمة الأمريكية - آنذاك. هنا خرج الأمريكيون من مخبئهم، وغدوا الممول الأول لاسرائيل، بالمال والسلاح، خاصة بعد أن أثبتت الأخيرة جدارتها بالانتصار الرخيص الذي حققته على العرب، في حرب يونيو 1967. هذا في الوقت الذي قرر فيه الرئيس الفرنسي، الجنرال شارل ديجول قطع امداد السلاح عن اسرائيل، البادئة بالحرب، فيما التزمت المانيا الغربية الحياد في هذا الصدد، وتحت ضغط اليسار الألماني ومع اطراد التحرر من الضغوط الأمريكية أمكن لألمانيا الغربية أن تسلك سياسة مستقلة ازاء الصراع العربي الاسرائيلي. بدأ التمايز الأوروبي عن الموقف الأمريكي يتضح أكثر فأكثر خاصة بعد حرب أكتوبر 1973، وما رافقها من قطع النفط العربي عن الغرب، الأمر الذي أضر بأوروبا الغربية واليابان، دون الولايات المتحدة، ذات المصادر النفطية الأخرى. بدأ الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان 24101974 مطالبا بوطن للفلسطينيين، في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد أن تنسحب منهما اسرائيل. في 1967-12-8 كان بيان المجموعة الأوروبية، الذي دعا الى اعادة النظر في القرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي، وبما يسمح باضفاء الطابع السياسي على قضية فلسطين.. ثم صدر «بيان لندن» الذي دعا الى حق الشعب الفلسطيني في «التعبير عن هويته الوطنية» في وطن لهذا الشعب. على أن المفاجأة تمثلت في تصويت الدنمارك، والمانيا الغربية، ولوكسمبورج، وبلجيكا، وهولندا، وبريطانيا ضد القرار الذي صدر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 1977-11-7 والقاضي في «حق الشعب الفلسطيني في الوطن وتقرير المصير، والسلامة الاقليمية، دون تدخل أجنبي» في الوقت الذي امتنعت فيه عن التصويت كل من فرنسا وايطاليا وايرلندا. الى أن كانت اتفاقيتا كامب ديفيد، ونجحت فرنسا في تأجيل اصدار الجماعة الأوروبية بيان، تعرب فيه عن ارتياجها تجاه هاتين الاتفاقيتين، كما اعتبرت فرنسا قيام وطن فلسطيني مستقل أهم مبادئ تسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي. تواترت المواقف الأوروبية، بعد ذلك، وفيها تأكد حرص الجانب الأوروبي على عدم التناقض مع الحليف الأمريكي، وإن كان كل نهوض قومي عربي، أو انتفاضة وطنية كان يحركها التعاطف مع القضية الفلسطينية، لكن دون أن يضغط على المصالح الأوروبية، فيؤثر على المواقف السياسية الأوروبية حيال الصراع العربي - الاسرائيلي دون أن ينفي هذا كله قلق أوروبا الغربية في استئثار الولايات المتحدة بالملعب العربي، وتهميش الدور الأوروبي في الوطن العربي، مما انعكس في حرص دول أوروبا الغربية على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع العرب. وبعد، فإن انفراط عقد التضامن العربي، منذ أكثر من عقد، حال دون بلورة موقف عربي قوي وموحد، يحسب له حساب، كما يمكنه من اللعب على التناقضات الأمريكية - الأوروبية، دون التواكل على هذا اللعب، أو التضخيم في مردوده وفي الوقت نفسه فإنه رغم أن أوروبا متضررة من استمرار الصراع العربي - الاسرائيلي، فإن الولايات المتحدة الكأس المعلي في هذا الصراع، فيما ليس لأوروبا إلا فرصة الضغط على واشنطن، حتى تضع الأخيرة العامل العربي في اعتبارها، ليس إلا. ـ كاتب فلسطيني مقيم في القاهرة