الملف السياسي: على مدى اكثر من خمسين عاما مثلت القضية الفلسطينية هما عربيا تتمحور حوله الجهود وتقدم في سبيلها التضحيات باعتبارها القضية القومية المركزية التي تشكل المعيار الاول للامن القومي العربي، في مواجهة كيان صهيوني عنصري لا يستهدف فلسطين وحدها وانما ينشر أطماعه على كل شبر عربي من المحيط الى الخليج. اليوم وفي ظل عمليات التدمير والقتل الوحشي الذي يمارسه العدو الصهيوني المدعوم أمريكيا ضد الشعب العربي في فلسطين المحتلة يصبح دعم وحماية المقاومة الباسلة واجبا تمليه الظروف والتحديات الراهنة التي تمس الوطن العربي كله. تمادت حكومة شارون في خرق المحرمات وارتكبت المجازر الوحشية في قطاع غزة والضفة الغربية حتى المساجد والمشافي وسيارات الاسعاف لم تسلم وفق برنامج عسكري نقلت به العمليات الاسرائيلية العسكرية من رد الفعل الى الفعل وباتت التشكيلات العسكرية لفصائل المقاومة تقارع اقوى جيوش المنطقة وتحطم نظرية الامن الصهيونية وازالة كل الحواجز والاجراءات الامنية التي سعى العدو لتكريسها كموانع في وجه المجاهدين ليشعر الصهاينة بحالة الرعب الحقيقية التي يعيشها معظم الاسرائيليين لاسيما في اعقاب سلسلة العمليات التي نفذها الفدائيون في عمق الدولة العبرية رغم اجراءات الامن المتشددة في نابلس وبيت لحم وغزة ورفح، وجنين وطولكرم والخليل وعموم فلسطين. والمفارقة الكبرى في تداعيات الهجمة الاسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وتداعيات هذا الهجوم السافر. ان حجم الرد العربي على الاجتياحات الاسرائيلية التي دمرت وقتلت واحرقت بشراسة غير مسبوقة كل المفاصل الفلسطينية الحساسة، كان دون حجم العدوان. وفي الوقت الذي تحركت «أوروبا» تحذر من خطأ ازاحة الرئيس ياسر عرفات، اكتفى العرب باستنكارات متفرقة والى اجتماع طاريء للجنة المتابعة بعد اسبوع من بدء الهجمات محذرة من انفجار يشمل المنطقة. الدول الاوروبية سعت الى تعزيز دورها في المنطقة، وهي التي دفعت قبل ذلك الرئيس عرفات للاعلان عن قبول خطة لوقف اطلاق النار، وكانت اسرائيل العائق الوحيد أمام تطور الدور الاوروبي وهي أيضاً التي أجهضت في السابق خطوة لارسال المراقبين في المجموعة الاوروبية لمراقبة وقف اطلاق النار في منطقة بيت جالا مما اضطر الأوربيين لسحب هؤلاء المراقبين. وفي خضم تلك الاحداث، تأتي ايضا التصريحات الاوروبية بشأن عقم السياسة الامريكية الداعمة لـ «الكيان الاسرائيلي» دون تحفظ، لا تعني الرفض ولا ممارسة الضغوط ولا تبني سياسة أخرى، إنما كان أهم من تلك التصريحات هو التركيز بالدرجة الأولى على مصطلح «دون تحفظ»، ويكاد الاختلاف الرئيسي بين الموقفين الأمريكي والأوروبي في مجرى الاحداث على الأرض الفلسطينية يتطابق مع الاختلاف الذي يمكن رصده بين ارييل شارون وأقرانه في الليكود وشيمون بيريز وأمثاله من حزب العمل داخل الأراضي المحتلة، فالأهداف مشتركة والوسائل متباينة. الجانب الأوروبي الذي صدم بمثل هذه المناشدة، حرص على تأكيد دوره الذي ينحصر في مهمة اساسية في حينها هي التوسط بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني لاقامة سلام عادل، ولم يخف الممثل الاعلى للسياسة الخارجية الاوروبية (خافيير سولانا) بأن تصريحات شارون كانت (بالغة القسوة) وبدا للوفد الأوروبي ان شارون ليس رجل تنازلات لانه لم يتخل عن ملليمتر واحد من قناعاته رغم فترة المفاوضات المطولة التي تمت معه. وما لم يقله رئيس الوزراء الاسرائيلي امام الوفد الاوروبي، قاله على طريقته امام تجمع الليكود في احدى ضواحي حيفا بأن الدولة الفلسطينية التي يمكن السماح بقيامها في اطار اي اتفاق ممكن مع اسرائيل يفترض ان تلبي كل الاحتياجات الاسرائيلية الامنية وانها دولة بلا سلاح وتسيطر على حدودها القوات الاسرائيلية، وهي ملزمة بعدم التعاون مع اي جهة معادية لاسرائيل وفي الوقت نفسه هي دولة محرومة من اي سلاح، وان سلاح الجو الاسرائيلي يملك حرية التحليق في اجوائها، سواء رفضت السلطات الفلسطينية ذلك ام قبلت ولم تتزحزح اسرائيل عن الثوابت التي تلتزمها ومنها ان القدس الموحدة عاصمة ابدية للدولة العبرية (حسب رأيها)، وفي وسطها جبل الهيكل وساحة المسجد الاقصى وهذا يعني ان المقدسات المسيحية والاسلامية سوف تبقى تحت السيطرة الاسرائيلية. هذه المواقف عرضها رئيس الوزراء الاسرائيلي بصراحة ونقلتها وسائل الاعلام للعالم كله، وهي تعبر بوضوح عن حقيقة ما يضمره هذا العدو الشرس من عداء سافر للانتفاضة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية معا، وفي مواجهة هذا المنطق الذي تجلى بعد اشهر الانتفاضة الطويلة التي اعقبت سبع سنوات كاملة من التفاوض العقيم لم يستطع الرئيس عرفات ولا أي مسئول فلسطيني اخر الا ان يتمسك بالرفض والنضال، وهذا النضال صار يراه الكثير من الفلسطينيين في تحويل اجسادهم الى قنابل تتوزع في كل الاتجاهات بعد اكثر من نصف قرن من التشرد والانسحاق واليأس، وبمقابل ذلك فقد ارتفعت داخل الكيان الصهيوني اصوات متطرفة تطالب مع شارون باستمرار الاسلوب الدموي ضد الشعب الفلسطيني وبدعم امريكي ـ بريطاني، وبالمقابل ارتفعت الاصوات الاوروبية بموقف يطالب واشنطن بتخفيف درجة (الانحياز الفاضح) الذي تمارسه بصورة استعراضية وهي مطالب تصدر بتأثير الاحراج الشديد الذي سببه شارون للساسة الاوروبيين ليس امام الرأي العام فقط وبل من خلال اطلاق الآلة العسكرية في تدمير المنشآت الفلسطينية ذات التمويل الاوروبي، وربما سقط الاحراج لولا ان شارون اخفق اخفاقا ذريعا في كسر ارادة التحرر الفلسطينية في ان يفرض بالدبابات والطائرات (استسلاما فلسطينيا كاملا) الامر الذي عجزت عنه من قبل وطوال سنوات اوسلو العجاف سلسلة المساومات والمناورات السياسية المصحوبة بجرعات الاعتداءات الدموية على الشعب الفلسطيني. ولكن بجانب ذلك كله، فلا يمكن التغاضي ورغم الاحداث المدوية عن وجود انسجام شبه تام بين السياسات الامريكية والاوروبية في كثير من الاحيان، فالتحركات الأوروبية المكثفة في المنطقة كانت غالباً في فترة ركود التحركات الامريكية. وكانت تأتي لسد الثغرة وتهدئة الأوضاع من جهة وممارسة ضغوط بديلة من جهة أخرى، وإذا صدرت بعض المواقف الناقدة للسياسة الأمريكية، فقد كان من الواضح انها تنقلب الى التأييد فور ظهور اي محرك امريكي جديد، كما حدث في جولة المبعوث الامريكي انطوني زيني التي بدا انها تستهدف تسهيل مهمة ديك تشيني تمهيداً لهجوم عسكري جديد على العراق. اذن ان ذلك لا ينفي ان السياسة الاوروبية تجاه المنطقة تنطلق من مصالح ذاتية مدروسة ومن مطامع لا تختلف في جوهرها كثيراً عن المطامع الامريكية التي يطلق عليها وصف المصالح العالمية، والعقبة الرئيسية في وجه السياسة الاوروبية الخارجية انها في طور التكوين لمسيرة الوحدة الاوروبية الاشبة بسباق الحواجز، فتوحيد هذه السياسة الخارجية لا يجري على اساس النقاط المشتركة فقط، بل ينطوي في الوقت نفسه على حصيلة صراع سياسي على النفوذ اوروبيا وعالمياً وهذا ما يستدعي وضع «التموجات المتتابعة» في المواقف الاوروبية في الأحداث في اطار عملية التطوير الجارية والتي تدور في محاور اوسع نطاقاً من العلاقات بالمنطقة الجغرافية المجاورة. ويرد التساؤل.. حول مدى تفاعل الجانب الاوروبي مع الموقف في الاراضي الفلسطينية المحتلة، والوطن العربي بشكل عام، فإنه يظهر للعيان ان الحلقة الرئيسية المفقودة في تطور الموقف الاوروبي تجاه المنطقة العربية عموماً، وفيما يتعلق بأحداث الأراضي الفلسطينية على وجه الخصوص، تكمن في ان معظم الدول العربية لا تتعامل مع الدول الغربية وعلى الأخص الاوروبية منها بلغة المصالح على مستوى التجارة والاستثمارات واقتناء السلاح وما الى ذلك من تبادل في المصالح، والمجالات المختلفة باتت شبه محتكرة لصالح الولايات المتحدة رغم سياساتها العدوانية، وإذا حصلت اوروبا على قسط من ذلك، فقد حصلت عليه بمعزل عن التأثير على سياساتها الخارجية تجاه المنطقة عموماً، فضلا عن القضية الفلسطينية بالذات، ومع ذلك فإنه إذا تم تجاوز الثوابت الأساسية في تطوير العلاقات الأوروبية ـ العربية فإن الموقف الاوروبي من قضية فلسطين لا ينفصل في مختلف المراحل والتطورات بما في ذلك الاحداث الدامية والراهنة عن عدد من العوامل المتشابكة في وقت واحد، وهي عوامل قابلة للتبدل ويمكن من خلال التعامل معها التأثير على الموقف الاوروبي في الاتجاه المطلوب، فمنها ما يتصل بجوانب سياسية واقتصادية، وبالتالي فالتأثير عليه مرتبط ارتباطاً مباشراً بالموقف الرسمي في البلدان العربية، وكذلك ما يتعلق بالموقف الشعبي وامكانية التأثير على صناعة القرار عبر الرأي العام وأصوات الناخبين. وكذلك لابد من ذكر ان المواقف السلبية الاوروبية صوب القضية الفلسطينية لا يمكن تعليلها تعليلاً جازماً وكافياً عند الحديث عن العلاقات الامريكية ـ الأوروبية، والأوروبية ـ الأوروبية فقط، فلقد بدا مع انعقاد اللقاء الوزاري الاوروبي الأول فور بدء اقتحام المدن الفلسطينية، بل وقبل انعقاد لقاء وزراء خارجية جامعة الدول العربية بعدة أيام، ان الاتحاد الاوروبي يعطي اشارة واضحة لتشجيع الدول العربية أن تتحرك ليتحرك معها الأوروبيون ولكن دون الاستغراق في التفاصيل، ولا بد كذلك في التأكيد على ان مشكلة السياسة الأوروبية تجاه فلسطين والمنطقة العربية والاسلامية عموما ليست مشكلة (أوروبية) ذاتية فقط ولا هي مشكلة علاقات أوروبية ـ أمريكية فحسب، وإنما هي ناجمة عن عوامل ذاتية من هذا القبيل، وعوامل أخرى ترتبط بالطرف الفلسطيني والعربي مباشرة، وفي اشارة أخرى، فانه لابد أيضا من التأكيد على ان التأثير الرسمي الحقيقي على الموقف الأوروبي لن يكون من خلال المناشدة والتلويح بالعوامل الانسانية وبالبيانات، فالتأثير مرهون بتحقيق توحيد للموقف العربي وتوحيد الاجراءات العربية المضادة ثم التعامل المشترك مع الاتحاد الأوروبي بلغة المصالح، بل ويلاحظ ان معظم ما صدر من مواقف بلهجة حادة تجاه المجازر الاسرائيلية في فلسطين المحتلة مرتبط ارتباطا وثيقا بموقف الرأي العام، وازدياد رفضه للسياسة الأمريكية، بل كانت درجة حدة التصريحات والمواقف الرسمية الأوروبية ترتفع ارتفاعا يتناسب طرديا مع ازدياد انتشار رفض الهيمنة الأمريكية على المستوى الشعبي، كما يظهر مثلا عبر مقارنة المواقف الرسمية المتفاوتة ما بين بريطانيا في أقصى زوايا النفوذ الامريكي أوروبيا، وحتى فرنسا وبلجيكا على الجانب الآخر. وإن سائر العوامل التي تصنع الموقف الأوروبي هي في الوقت نفسه مداخل فعالة للتأثير على الرأي العام الأوروبي، لا سيما على صعيد الشبيبة التي يمكن ان تتحرك أكثر من سواها في القضايا المؤثرة وجدانيا، والتي تجسدت في تظاهرات عمت العديد من الدول الأوروبية وتأثيرها من باب المنطق التاريخي والقانوني الدولي والسياسي الواقعي، معلنة ما تعنيه الهيمنة الأمريكية ورداء العولمة الجديد الذي تتحرك به، فقد شاركت الجاليات العربية وجماعات أوروبية بتلك المسيرات وهو ما ساهمت الانتفاضة في رفع وتيرته وأحدثت ثغرة بالغة الأهمية على المستوى الشعبي ويمكن ان يشكل التركيز على هذه الثغرة والاستفادة منها، منطلقا عمليا للتعامل مع الساحة الأوروبية بما يدفعها في اتجاه مواقف أكثر انصافا أو أقل انحيازا على الأقل تجاه القضية الفلسطينية ولا يمكن التقليل من شأنها ودورها وأهميتها في الكشف عن بعض من الحقائق كالتوسع الاستيطاني العنصري الذي يسعى لتغيير الحقائق على الأرض وتزوير التاريخ لتظل المقاومة أنبل ظاهرة والنصر لقضية العرب في تحرير فلسطين مهما طال الزمن والرحمة للشهداء الأبرار. ـ كاتبة عراقية