الملف السياسي: لاشك في أن هناك اختلافا بين الموقفين الأوروبي والأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، ويرجع هذا الاختلاف لعدة أسباب منها أن الخبرة التاريخية الأوروبية في التعامل مع المنطقة العربية مختلفة عن الخبرة الأمريكية، كما أن لأوروبا خاصة بريطانيا وفرنسا مسئولية تاريخية بصدد القضية الفلسطينية، فالثابت تاريخيا ان أوروبا أرادت التخلص من اليهود ومتاعبهم من خلال اقامة دولة لهم على الأرض العربية الفلسطينية وأن سياسات القوى الأوروبية الكبرى في مطلع القرن العشرين وهي بريطانيا وفرنسا قد ساهمت في اقامة هذه الدولة ثم جاء بعد ذلك الدور الأمريكي الذي يدور حول الحفاظ على هذه الدولة وضمان حمايتها واستمرارها. المصالح الأوروبية في المنطقة العربية تختلف من حيث طبيعتها ومن حيث امكانية التأثير فيها عن المصلحة الأمريكية وذلك بحكم القرب الجغرافي لأوروبا من المنطقة العربية، فأوروبا تتأثر تأثيرا مباشرا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا واستراتيجيا بالأوضاع في المنطقة العربية، في حين أن تأثر الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها بهذه الأوضاع أقرب الى التأثير غير المباشر الذي يمكن احتواؤه بطريقة أيسر وأفضل من امكانية الاحتواء الأوروبي لهذا التأثير، هذا بالاضافة الى العامل المتعلق بطبيعة التفاعلات بين الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في عالم اليوم والاتحاد الأوروبي كقوة كبرى حليفة للولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم فقد توجد مسافة من الاختلاف مسموح بها في اطار هذه العلاقة التحالفية، الا أن لهذه المساحة سقفا محددا لا ينبغي أن تتجاوزه خاصة اذا ما كانت طبيعة المسألة أو الموضوع محل الاختلاف يمكن أن تؤثر سلبا على التحالف الاستراتيجي بين القوتين، وهذا ما يجب على العرب أن يفهموه عند تقييم المواقف الأوروبية وعند وضع السياسات الخاصة بالتعامل مع الاتحاد الأوروبي. ليس بديلاً عن الدور الأمريكي فالدور الأوروبي في الصراع العربي الاسرائيلي وفي المنطقة ليس دورا بديلا حتى الآن على الأقل مع الدور الأمريكي فهو قد يأتي مكملا للدور الأمريكي (ومتكاملا معه) وهذا ما تقول به الوثائق الرسمية الأوروبية دائما، ولا يعني هذا أن العرب لا يحاولون الاستفادة من مساحة الخلاف المسموح بها بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وانما عليهم أن يأخذوا في الاعتبار حقيقة هذه المساحة بالمفهوم المتقدم، ولا مانع من الناحية العملية من الاتجاه نحو السعي الى اعادة تشكيل الدور الأوروبي وزيادة السقف المسموح به باختلافها مع الولايات المتحدة الا أن هذا يحتاج الى مساحة زمنية ملائمة، والى تعظيم القدرات السياسية والاستراتيجية العربية على الفعل والتأثير، بما يوفر الظروف الموضوعية اللازمة لتحقيق هذا الهدف والملاحظ أن ادارة اسرائيل لسياساتها مع الاتحاد الأوروبي، تأخذ في اعتبارها حقيقة الوضع القائم لدور الاتحاد الأوروبي وتتعامل معه على هذا الأساس، وتحاول توظيفه سلبا أو ايجابا بما يتوافق والمصالح الاسرائيلية، النموذج الواضح في هذا الصدد يتمثل في عدم سماح السلطات الاسرائيلية لوفد الاتحاد الأوروبي بمقابلة ياسر عرفات أثناء فترة حصاره بمقره في رام الله، في حين سمحت لوزير الخارجية الأمريكي كولن باول بلقائه مرتين، هذا الاجراء من جانب اسرائيل، وان كان يخالف الأعراف والتقاليد الدبلوماسية الا أنه يقوم على أسس موضوعية لحقيقة كل من الدور الأمريكي والأوروبي ولطبيعة العلاقة بينهما، فاسرائيل ترى أن الدور الأوروبي ليس بديلا للدور الأمريكي ولا ينبغي أن يكون كذلك تحت أي ظرف من الظروف لأن في هذا درجة من درجات التناقض التي ربما لا تسمح بها الولايات المتحدة، كما أنه يتناقض مع المصالح الاسرائيلية، وأوروبا تدرك كذلك هذه الحقائق، يؤكد هذا تصريح رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية بعدما طالب برلمان أوروبا تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي واسرائيل، الذي قال أنه لا يريد تمرير قرار سابق لادانة يمكن أن يسمم الوضع مؤكدا في ذات الوقت أنه يحترم قرار برلمان أوروبا وذكر بأنه يرى أن الاجراء الأول الذي يجب اتخاذه هو عقد اجتماع لمجلس الشراكة مع اسرائيل وهو ما ينص عليه اتفاق الشراكة الأوروبية الاسرائيلية. وتابع قائلا: أفعل ما بامكاني للمساعدة في التوصل الى تسوية ايجابية للأزمة من دون أن يتسبب ذلك في تدهور العلاقات الثنائية. ولا يقلل هذا من أهمية بعض المواقف الأوروبية الرسمية والشعبية بصدد القضية الفلسطينية، والصراع العربي الاسرائيلي، فعلى الصعيد الرسمي هناك بعض الاجراءات التي اتخذتها بريطانيا وبعض الدول الأوروبية بخصوص وضع بعض القيود على صادرات الأسلحة الى اسرائيل، وهو ما اعترف به المسئولون الاسرائيليون أنفسهم في الآونة الأخيرة، وهو اجراء يفتح مجالا لتحرك عربي مدروس لاستثماره ومحاولة الضغط من أجل استمراره، كما أن موقف البرلمان البلجيكي يعد من المواقف الهامة التي يمكن أن تمثل بداية لتحرك عربي جاد ومدروس من أجل الاستفادة منه، هذا بالطبع بالاضافة الى القرار الصادر من برلمان أوروبا، فهو يعبر عن وجود اتجاه داخل صفوف الرأي العام الأوروبي لمساندة الحقوق العربية، وهو ما يتيح الفرصة للتحرك العربي عند هذا المستوى لدعم وتثبيت هذا الموقف وتطويره، مع الأخذ في الاعتبار التحرك الاسرائيلي المضاد، الذي يحاول تفريغ هذا الموقف من محتواه عبر ضغوط ووسائل متعددة، متوافرة لدى اسرائيل على الساحة الأوروبية، وهو ما يفتقر اليه الجانب العربي. كذلك فان المظاهرات الشعبية الأوروبية المتضامنة مع الحق الفلسطيني والمنددة بالهمجية الاسرائيلية، والتي نظمتها قوى المجتمع المدني الأوروبية، تفتح الطريق للتحرك العربي على هذا المستوى، من أجل توفير قدر أكبر من المساندة والدعم المعنوي للشعب الفلسطيني والقضية العربية. هذه المواقف الأوروبية الرسمية والشعبية تتيح مجالات للتحرك العربي كما سبق وأن أوضحنا الا أن لهذا التحرك المطلوب قواعده وشروطه التي يجب تحديدها والتعرف عليها، مع الأخذ في الاعتبار ما تقوم به الدبلوماسية الاسرائيلية من نشاط على هذه المستويات، وأن هذا التحرك المطلوب ليس هدفا بحد ذاته بقدر ما هو اداة لتحقيق أهداف أخرى تتوافق مع المصالح العربية بصفة عامة ومصالح القضية الفلسطينية بصفة خاصة. قواعد تؤخذ بالاعتبار القواعد التي يجب اخذها في الاعتبار عند وضع خطة للتحرك العربي في أوروبا: ـ أول هذه القواعد أخذ حدود الدور الأوروبي وطبيعة هذا الدور في الاعتبار بحيث لا نطلب من الجانب الأوروبي ما يفوق قدراته ويتعارض مع تحالفاته الاستراتيجية، لأن عدم مراعاة هذه الأمور يؤدي الى اضعاف امكانية تحقيق نتائج ايجابية لمثل هذا التحرك. ـ القاعدة الثانية تدور حول ضرورة تحديد أفضل المستويات لهذا التحرك بمعنى ضرورة البدء بتحديد أكثر من هذه المستويات اقترابا من الموقف العربي والتركيز عليها، لأن امكانية النجاح على اي من هذه المستويات تتوقف على مدى استعداد كل منها لتقبل الاستماع الى الرؤية العربية والتحرك العربي، وبالتالي فالمستويات الأوروبية القريبة نسبيا من الموقف العربي تكون أكثر تقبلا وأكثر استجابة للتحرك العربي. ـ القاعدة الثالثة تتلخص في اختيار الوسائل الملائمة للتحرك العربي، لأن اختيار الوسيلة غير الملائمة يؤدي الى نتائج سلبية ربما تصل الى تغير موقف الطرف الآخر. ـ القاعدة الرابعة تدور في نطاق ضرورة التنسيق وتوزيع الأدوار بين الدول العربية في اطار هذا التحرك، فالتوصل الى رؤية عربية موحدة بصدد القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى، بما يؤدي الى خطاب عربي متماسك يساعد كثيرا في تحقيق الأهداف المطلوب الوصول اليها. ـ القاعدة الخامسة تتلخص في ضرورة الاستمرارية في هذا التحرك فالاستمرارية تتيح الفرصة لتحقيق التراكم الايجابي، واكتساب المزيد من الخبرات اللازمة لزيادة فعالية وكفاءة التحرك المطلوب، كما أنها تتيح امكانية تطوير هذا التحرك باستمرار بما يتلاءم مع المستجدات. ـ القاعدة السادسة تدور حول ضرورة توفير مصادر التمويل الآمنة والمستقرة لهذا التحرك، وتوفير الكوادر البشرية ذات المهارات الملائمة لهذا التحرك وفقا لدراسة علمية دقيقة. ـ القاعدة السابعة تدور حول امكانية التنسيق بين التحرك على كافة المستويات الأوروبية، بحيث لا يحدث أي تناقض بين التحرك على المستوى الشعبي مثلا والتحرك على المستوى الرسمي، وبما يؤدي الى أن تصب مخرجات التحرك على كافة المستويات نحو الهدف أو الأهداف المطلوب الوصول اليها هذه هي أهم القواعد التي يجب أخذها في الاعتبار عند وضع أي خطة للتحرك العربي في أوروبا. شروط التحرك ويتوقف تحقيق الانجاز في هذا التحرك على توافر شروط معينة لعل أهمها ما يلي: 1ـ السعي الى تعظيم موارد القوة العربية واكتشاف الموارد الكامنة وتوظيفها وترشيد استخدام الموارد المتاحة، الأمر الذي يؤدي أو يساعد على الأقل على احداث تغيير نوعي في توازن القوى العربي الاقليمي لصالح العرب، لأن القوة عنصر جذب والضعف عنصر من عناصر الطرد. 2ـ الارادة، بمعنى أن يكون واضحا للطرف الآخر أننا نسعى بالفعل الى مساعدة أنفسنا قبل أن نطلب مساعدة الآخرين، وأنه تتوافر لدينا الرغبة والارادة والقدرة في اعادة بناء عالم جديد. 3ـ المصالح والمنافع المتبادلة، التأكيد على أن هذا التحرك يسعى الى تحقيق المصالح والمنافع المتبادلة بين العرب والاتحاد الأوروبي. 4ـ الاقتناع بأسلوب التدرج المدروس في تحقيق الأهداف المرجوة فهذا هو الاسلوب الملائم لهذا النوع من التحرك في ظل المعطيات القائمة. وأخيراً، قد يبدو أن مثل هذه الأفكار تحتاج الى وقت طويل من حيث النتائج المطلوبة، وهذا أمر طبيعي، فنحن بحاجة الى مساحة ملائمة من الوقت لاعادة بناء السياسة العربية في كافة المجالات بما يتواءم ومتغيرات الواقع الجديد، ووفقا لأسس وقواعد العصر البعيدة كل البعد عن الانفعال والصراخ والقتال عبر الميكروفونات فكل هذه أساليب جربناها ولم تعد تجدي. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان