تشهد العلاقات الاقتصادية بين دمشق وبغداد، تطورا نوعيا خلال الفترة الاخيرة، حيث وصلت الى مستوى جيد من التعاون والتنسيق، لاقامة المشاريع الصناعية المشتركة، والتفكير جديا في اقامة منطقة حرة للتجارة بين البلدين الامر الذي يؤكد ان المحظورات السياسية المعتادة بين الدولتين، سيتم التغلب عليها بـ «الضرورات» السياسية. وكان الحضور العراقي المتميز في معرض «سيريا اويل» ـ معرض النفط والغاز الثالث ـ الذي تقيمه المتضامنة للمعارض في مدينة معرض دمشق الدولي تعبيرا عن تطور هذه العلاقات، اذ شارك العراق ولاول مرة في هذا المعرض وقد شارك في افتتاحه وكيل وزارة النفط العراقية طه حمود موسى الذي تحدث عن اهمية التعاون بين البلدين في هذا المجال واكد موسى في تصريح صحفي ان هناك تعاونا قائما في الوقت الحالي بين البلدين، اذ يحاول العراق الاستفادة من الخبرة السورية في مجال حفر الابار بعدان اثبتت الشركات السورية كفاءة كبيرة في حفر بعض الابار في العراق. واضاف وكيل وزارة النفط العراقية ان وزارة النفط العراقية ستقوم بدعوة الشركات العامة السورية للعمل في مجال حفر ابار البترول في العراق، وهناك عقود جرى توقيعها مع الشركة السورية للنفط لحفر وتطوير انتاج بعض الحقول، ولدى وزارة النفط العراقية مشاريع لحفر عدد من الابار الاستكشافية العميقة، وكذلك للقيام بأعمال استكشافية في مناطق متعددة من العراق. واكد موسى ان صناعة النفط في سوريا تشهد تطورا في ظل عمليات التحديث لهذه الصناعة وقد وصف المعرض بأنه من المعارض المتخصصة المتميزة عربيا، ورأى اهمية المشاركة الاجنبية فيه من قبل شركات كبيرة ومعروفة مثل شل وتوتال وكونكو. وحول اعادة تشغيل خط نقل البترول الممتد من كركوك العراقية الى ميناء بانياس السوري اعلن موسى ان هذا الخط لايزال في مرحلة الاصلاح اذ يقوم الجانبان باصلاح اجزائه القديمة، وتوقع ان يتم تشغيله بصورة جزئية في المستقبل دون ان يحدد فترة زمنية لذلك، اما فيما يخص الخط الجديد فذكر موسى ان المشروع وصل الى مرحلة استدراج العروض التي سوف يتم الاعلان عنها خلال الاسابيع المقبلة لكي يتم طرح المناقصات العالمية من قبل الشركات التي تقدم عدد منها بالمشاركة حتى الان. واعلن انه ليس هناك ميزات تفضيلية لاية شركة الا على اساس سهولة العرض والشروط المقدمة، وسوف تدخل الشركات السورية في التنفيذ من خلال المقاولات التي سوف تحصل عليها من الشركات الاساسية. وذكر موسى ان طاقة هذا الخط سوف تبلغ مليونا ونصف المليون برميل يوميا لفترة تمتد الى سنة ونصف السنة على ان يخصص جزء من هذا النفط لتغطية الاستهلاك السوري، في حين يتم تصدير الباقي الى الخارج، وقد شكلت المشاركة العراقية في هذا المعرض جزءا من المشاركة العربية التي بلغت 40% من حجم المشاركات الدولية، حيث بلغ عدد الشركات العربية المشاركة 88 شركة، مثلت 9 دول عربية بما فيها سوريا، واعلن نوار سكر مدير عام شركة المتضامنة للمعارض عن سعادته للمشاركة العراقية التي تعتبر الاولى لهذا العام، اذ شاركت الشركات العراقية فيه بشكل مكثف وبوفد يتألف من 52 مسئولا ومهتما من القطر العراقي الشقيق على رأسهم وكيل وزارة النفط، وقد جاءت مصر بعد العراق من حيث حجم المشاركة، ثم تلتها دولة الامارات العربية المتحدة، ان تنامي العلاقات الاقتصادية بين سوريا والعراق يعكس تطورا في الانفتاح والتنسيق والتعاون بين البلدين، وذكر اخصائيون اقتصاديون من سوريا ان قيمة التبادل التجاري للعام الجاري، يتوقع ان تبلغ خمسة مليارات دولار، وكان وزير التجارة العراقي قد اعلن في وقت سابق ان حجم التبادل التجاري في الشهور الثمانية الماضية قد بلغ نحو 3.5 مليارات دولار امريكي. وقد جاء توقيع طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي، ود. مصطفى ميرو رئيس مجلس الوزراء السوري في بداية هذا العام لاتفاق التجارة الحرة خطوة اضافية في طريق تدعيم هذه العلاقات، ودخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ الفعلي قبل اشهر. ويأتي هذ التنامي الواضح في هذه العلاقات على اساس القرار السياسي العراقي لاعطاء سوريا الاولوية في استيراد حاجات العراق المختلفة بصورة تصبح فيه سوريا، في مقدمة الدول التي يتم التعامل التجاري معها سواء من ناحية استيراد السلع والمنتجات والمواد، او من ناحية اعتمادها كطريق للاستيراد عبر موانئها مما سيعني تحقيق قفزة كبيرة في هذا المجال كما يتوقع المركز الاقتصادي السوري. ويحدد الاقتصاديون السوريون الذين زاروا العراق، واطلعوا على الواقع الاقتصادي هناك الطرق التي يمكن من خلالها تفعيل التبادل التجاري بين البلدين، وهذه الطرق هي اما امتلاك المحلات التجارية من خلال وكلاء او ممولين عراقيين، او مباشرة عمليات التوزيع والتسويق بصورة ترتبط مع المصنع او التاجر السوريين، او من دون وسيط تجاري، او عبر ايجاد وكلاء عراقيين للسلع السورية بحيث يقومون بتوزيعها على الاسواق العراقية، وقد قام عدد من الصناعيين السوريين بنقل جزء من صناعاتهم الى العراق بغية الاستفادة من رخص اليد العاملة هناك، وتوفير كلفة النقل. وعلى الرغم من هذا التطور الملحوظ في هذه العلاقات الى ان دراسات للمركز الاقتصادي السوري ذكرت ان هناك مخاوف من تراجع الثقة بالمنتج السوري نتيجة قيام بعض التجار بارتكاب اخطاء اضرت بسمعة البضائع السورية وذلك من خلال عدم الالتزام بالمصداقية، واعطاء اكثر من سعر للسلعة، ونتيجة لهذه الممارسات قامت الحكومتان العراقية والسورية بالتدخل لدى غرف التجارة والصناعة في البلدين والعمل على منع تكرار مثل هذه الاعمال في مرة قادمة. محذرة في الوقت نفسه من مخاطر هذه الممارسات على الميزات التي تتمتع بها البضائع السورية في العراق، اذ ان ذلك سوف يؤدي الى خسارة هذا السوق كما حصل في السابق مع اسواق اخرى، وبذلك فان التوقع بامكانية ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين البلدين الى خمسة مليارات دولار سوف يتحقق. ومما يذكر ان العراق يقوم حاليا بضخ نحو 200 الف برميل يوميا من نفطه الى سوريا لتأمين حاجة السوق المحلية، مما يسهم في زيادة الصادرات السورية من النفط والتي تبلغ 350 الف برميل من مجموع انتاجها الذي يبلغ 600 الف برميل يوميا، ويأتي هذا التعاون على الرغم من المعلومات التي ذكرتها مصادر خارجية والتي تشير الى ارتفاع درجة الحذر في الموقف السوري تجاه العلاقات مع العراق، بعد احداث 11 سبتمبر وما خلفته من تداعيات وآثار. ومما يجدر ذكره ان الانتاج النفطي العراقي الحالي يعادل ستة اضعاف الانتاج النفطي السوري، ويبدي عدد من الخبراء الاقتصاديين مخاوف جديدة من انعكاس بعض الممارسات السلبية التي يمكن ان يقوم بها التجار السوريون على تنامي هذه العلاقات كأن يقوم احد بالتلاعب باستخدام شهادة المنشأ السورية لتصدير بضائع غير سورية الى العراق على انها بضائع ومنتجات سورية. وكان هذا الامر قد حصل في مرة سابقة مع جمهورية مصر العربية، مما ادى الى حدوث انعكاسات سلبية على مستوى قيمة التبادل التجاري، ولوحظ ان هذا الامر حدث ايضا بين لبنان وسوريا عندما قام التجار اللبنانيون بتزوير شهادت على انها لبنانية المنشأ، مما دفع جهات رسمية الى الاسراع بالعمل على تلافي الاثار، والحؤول دون تكرار هذا الامر مرة اخرى، وينظر الاقتصاديون السوريون الى ان الفرصة المتاحة الان بالنسبة للاسواق العراقية يجب استغلالها جيدا، لانه في حال رفع الحصار عنه فان لديه فرصة كبيرة في استغلال موارده وطاقاته الواسعة بصورة سريعة، خاصة في المجال الصناعي مما سيؤدي الى تغطية حاجة السوق المحلية من السلع، الامر الذي سيؤدي الى الاستغناء عن استيراد السلع من الخارج. ولذلك يعمل البلدان الان على التخطيط لاقامة المشاريع الصناعية المشتركة، واقامة الخطوط الحديدية، لتسهيل عمليات النقل، بالاضافة الى المشاريع الاخرى التي توضح الرغبة في تعميق واستمرار هذه العلاقات بين البلدين.