تصر الانقاذ بمكابرة مدهشة ان تسمى الامور بعكس حقيقة مضمونها فهي على سبيل المثال تعتبر حديثها مع نفسها حوارا بينما هو مونولوج معروف سلفا ماذا سوف ينتج عنه؟ وكان اخر هذه الممارسات، الانقاذية المؤتمر القومي لتقييم وتقويم تجربة الحكم الاتحادي، فطوال ثلاثة ايام من 28 حتى 30 ابريل تحدثت الانقاذ مع نفسها رغم ان الدعوة قاربت 900 شخص حسب ما نشر في الصحف، والدليل على غياب الصوت الاخر هو ان المؤتمر اكد على الابقاء على 26 ولاية وعلى ان يعين رئيس الجمهورية الوالي من بين اشخاص ترشحهم كلية ترشيح، كما ان منصرفات الحكم الاتحادي لم تخفض بل اوصى المؤتمر «بتقوية اجهزة وآليات زيادة الايرادات واستحداث وسائل فاعلة لتحصيل الضرائب الولائية خاصة ضريبتي القطعان والعقارات» وهكذا جاء المؤتمر امتدادا للمؤتمر القومي لمجلس شورى المؤتمر الوطني ـ الدورة الثانية ـ اذ لم يكن مناسبة لحوار قومي حقيقي بل مجرد تكريس لقرارات مجلس الشورى الشمولية التي قالت برئاسة غير مقيدة بالسنوات بل جعلتها سرمدية، وتستمر مونولوجات الانقاذ في الحديث للذات واعتبار ذلك بمثابة الاختيار القومي وعلى ضوئه تخطط السياسات وتفرض وتنفذ على الصامتين والمهمشين سياسيا وقد علق احد المدعوين فاروق جاتكوث رئيس جبهة الانقاذ الديمقراطية «نحن كأحزاب لم تتح لنا الفرصة، ووصلتنا الدعوات متأخرة، ولم ار قيادات المجتمع المدني، كما كنت اتوقع حضور رؤساء الصحف». المتابع لتاريخ الحكم الاتحادي لايخطيء الهدف السياسي والامنى للتجربة مع غياب الجانب التنموي، فقد كانت الفكرة من الشيخ الترابي وعلي الحاج وذلك بدءا من عام 1991 ثم 1994 وكان الشيخ يهدف الى تشتيت المعارضة التي عليها ان تواجه عددا من الحكومات وان يقلل من دور العاصمة في اي انتفاضة محتملة، اما علي الحاج فكان يريد ان يذوق ابناء الاقاليم طعم السلطة والحكم وسوف يستميتون في الدفاع عن النظام، وهناك هدف بعيد وهو تأكيد الاقليمية والاثنية والجهوية في السياسة مما سيكون خصما على الاحزاب الكبيرة التي تأتي قوتها البرلمانية من الاقاليم، وقد كان من المتوقع مع غياب رموز تلك الحقبة ان تغيب معهم سياساتهم وخططهم ولكن من الملاحظ ان الحكم الاتحادي مازال يهدف الي تثبيت سلطة المركز من خلال ولايات تدعم المركز بالتأييد السياسي فيدعمها بالامتيازات والترضيات كما قالها صراحة النائب الاول، وصار الحكم الاتحادي عبئا ماليا ثقيلا لايذهب الى الخدمات، فهناك اكثر من 130 وزيرا لو فرضنا وجود خمسة وزراء فقط في كل ولاية، بالاضافة للبدلات والامتيازات والسيارات، وفي الوقت نفسه يظل المعلمون بلا مرتبات لشهور عديدة ومن اهم شروط قيام الحكم المحلي الاعتماد على الذات وابتكار وسائل انتاجية ـ وليس فرض الضرائب والزكاة ـ لزيادة دخل الولاية، وحين تعجز الولايات عن تحقيق هذا الهدف، فهذا فشل واضح لايحتاج الى مؤتمر للتقييم او التقويم. هناك اسئلة في مجال التقييم هل استطاعت الولايات خلق كوادر بشرية ذات كفاءة عالية تستطيع ان تدير الحكم بالذات الفنيين والاطباء والمعلمين، وفي هذا المجال هناك سؤال يلاحقني لماذا اختيار د. نافع وهو زراعي الا يوجد بين صفوف الانقاذ اي اداري سابق جيد له تجربة مباشرة ونظرة سياسية؟ هذه بداية تظهر عدم التخصص والا هناك اسباب اخرى اعمق تغيب عن فطنة المواطنين. القمع في هذا السياق له معنى محدد وهو اقصاء الاخر المختلف الذي لا ينتمي للجبهة الاسلامية، تقرأ حاليا الانقاذ او المؤتمر الوطني ـ وتقسيم القمع يعني ان الاقصاء امتد من خارج العاصمة الى الولايات والمحافظات، فهذه المناصب يسيطر عليها بنسبة 98% الموالون والمواكبون للانقاذ، وبالتالي يفقد الحكم الاتحادي اهم ركيزة: الديمقراطية او الاختيار الحر للمناصب الرسمية فمازال مبدأ اهل الولاء غالبا على اهل الكفاءة، وصار للانقاذ 27 سلطة «المركز» قسمتها على المؤيدين بدون اي مشاركة شعبية تراعي حق المواطنة المتساوي، فالحكم الاتحادي يقوم على غنيمة المناصب وعلى تكريس السلطة الشمولية على اسس جديدة، وهكذا يتم اغتيال فكرة جيدة كان يمكن ان تعمق من الديمقراطية وتؤكد التنوع الثقافي وفي الوقت نفسه الوحدة الوطنية لان المظالم والغبن يزولان في اللامركزية القائمة على الديمقراطية، ولكن الان الخوف قائم من ان تتعمق الاثنية والقبلية وتبعث من جديد في ثياب مختلفة، ونعيد انتاج مشكلة الجنوب في مناطق جديدة شرقا وغربا. تتعامل الانقاذ مع القضايا القومية المصيرية بعقلية انفرادية فهي لم تشرك اي قوى سياسية اخرى في تأسيس الحكم الاتحادي عند البداية وقد تتجاوز ذلك لانها حينذاك كانت في صراع مع المعارضة ولكن الان ما المانع والانقاذ تتحدث عن المصالحة الوطنية والحل السلمي للازمة السودانية، في اشراك الاخرين؟ هذا نظام يتحدث عن استراتيجية ربع قرنية اي 25 عاما قادمة في القرن الحادي والعشرين، والنظام ليس على استعداد لانتظار الامام الغائب، كما قال النائب الاول وهذا صحيح طالما الائمة حاضرون ويمسكون بالسلطة جيدا.