وأخيرا أفصح حزب المؤتمر الوطنى عن التعديلات الدستورية التى يقترحها والتى كانت مثار نقاش ساخن داخل أجهزة الحزب الحاكم منذ الربع الأخير من عام 99 وساهمت فى حل المجلس الوطنى، برئاسة الدكتور الترابى الذى كان بصدد تعديلات تقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية. وعجز المؤتمر العام الأخير للحزب من اجازة التعديلات لأن تمثيل الولايات المكثف في المؤتمر «بنسبة 75%» كان يتمسك بالانتخاب المباشر لولاة الأقاليم من جمهرة الناخبين ولم تكن قيادة الحزب تفضل ذلك، فلجأت القيادة الى الحيلة التقليدية بتأجيل البت في الأمر وتكوين لجنة لدراسته ثم رفعه الى أجهزة الحزب العليا. وتكونت اللجنة بقيادة شخصية قانونية عُرفت بتفانيها في خدمة الأنظمة الشمولية، وجاءت التوصيات كما هو متوقع تكريسا للنظام المركزي الذي يعجب به الرؤساء العسكريون. فقد أعطت حق ترشيح الولاة الى كلية انتخابية من نواب الولاية ورؤساء محلياتها «وهي كلية يسهل التأثير عليها من الجهاز التنفيذي» تتقدم بقائمة لا تقل عن ستة مرشحين ولا تزيد على تسعة يختار رئيس الجمهورية أحدهم لمنصب الوالي. واستحى مجلس شورى الحزب حين رُفعت اليه التوصيات من هذا العدد المتضخم للمرشحين الذي يصعب توفره فى بعض الولايات فقلصه الى ثلاثة مرشحين في حده الأدنى وستة كحد أعلى. وأعادت اللجنة تعريف نظام الحكم لتقول انه يقوم «على أساس النظام الرئاسى والاتحادي» بدلا من كلمة الاتحادى فقط، وزادت من توصيف رئيس الجمهورية ليمثل «الحكم والسيادة والسلطة العليا للبلاد والسلطة التنفيذية الاتحادية ويشارك في التشريع». والقصد من هذه الرياضة اللفظية أن يقال ان رئيس الجمهورية يعلو على النظام الاتحادى ويمكن له أن يعطل ما شاء من قوانينه ولوائحه، وهذا ما حدث بالفعل حين عطل الرئيس طريقة انتخاب الولاة كما ينص عليها الدستور وقام بتعيينهم مباشرة، ووجد سندا لفعله في حكم المحكمة الدستورية بناء على قانون الطوارئ! وزاد مجلس شورى الحزب بأن اشترط موافقة رئيس الجمهورية على التعديلات الدستورية حتى تكون سارية المفعول، وقد يكون هذا مفهوما في اجازة القوانين العادية ولكنه غير معهود في سريان التعديلات الدستورية التى تجاز بأغلبية ثلثى أعضاء المجلس الوطنى. واقترحت اللجنة قيام مجلس للشيوخ بقرار من رئيس الجمهورية ليقوم بدراسة أية مقترحات كفيلة بالحفاظ على وحدة الوطن واستقرار حكمه وتقدمه وتعمل على روح الوفاق والوحدة الوطنية.. وشعر مجلس الشورى بفجاجة المقترح الذي يطرح قضية سياسية وقتية لا ترقى لأن تكون جزءا ثابتا من دستور البلاد فوافق من حيث المبدأ على قيام مجلس للشيوخ يساعد في ادارة البلاد على أن تخضع طريقة تكوينه وصلاحياته للدراسة. واقترح مجلس الشورى الغاء الشرط الذي يحدد ولاية رئيس الجمهورية بدورتين فقط. ولم لا وكل الرؤساء من حول السودان يبقون الى أن يتوفاهم الله؟! ليس صعبا على الحزب الحاكم أن يمرر تعديلاته الدستورية التى صنعتها أجهزته القيادية في غيبة مشاورة قاعدة الحزب، فالمجلس الوطنى القائم لم تشترك في انتخاباته معظم القوى السياسية في البلاد ولا يمثل حقيقة سوى الحزب الحاكم، ومن السهل توجيهه باجازة التعديلات كما هى. وان تمرد بعض الأعضاء لأسباب «جهوية أو قبلية» كما حدث في مؤتمر الحزب العام فان مجلس الشورى احتاط لذلك بأن أعطى رئاسة الجمهورية الحق في اللجوء للاستفتاء في حالة عدم الاتفاق على التعديلات الدستورية. ونتائج الاستفتاءات الشمولية معروفة سلفا. ان التعديلات التى يريد الحزب الحاكم ادخالها في الدستور لا تشكل أسبقية سياسية في بلد يعانى من حرب أهلية مدمرة، ويعنى تحقيق السلام بالضرورة التراضى على دستور جديد أو تعديل الدستور القائم، فلم العجلة بتعديل الدستور الآن؟ والتعديلات المقترحة مستفزة للأقاليم المتخلفة التى ظلت تشكو من أن تخلفها سببه هيمنة الخرطوم المنفردة على ادارة البلاد. وقد قبلت كل القوى السياسية السودانية ـ بما فيها الحزب الحاكم ـ أن تنوع أهل السودان عرقيا ودينيا وثقافيا واتساع مساحته لا يناسبه سوى النظام الاتحادى الذي يعطى الأقاليم تمثيلا مقدرا في الحكومة المركزية وسلطات واسعة في ادارة مناطقهم. وذهب قرنق الى أبعد من ذلك فطالب بنظام كونفدرالي لجنوب السودان حتى يكون له جيشه وعملته وقوانينه وحكومته. وتعديلات الحزب الحاكم تسير في اتجاه معاكس تماما لما قبلته كافة القوى السياسية السودانية ولما ظلت تقول به من تعددية ثقافية وسياسية. وقد يقول قائل ان الدستور المعنى هو لأهل الشمال فقط أما الجنوب فذاك أمر آخر يتفق عليه في حينه! وتلك لعبة خطرة ستكون لها عواقب وخيمة على مستقبل البلاد ووحدتها. وتبدو التعديلات المقترحة وكأنها مباراة داخلية بين أجنحة الحزب الحاكم وشللياته وشخصياته المتنفذة، كل يريد أن يتفوق على الآخرين في اظهار الولاء والطاعة للرئيس. والرؤساء عادة تعجبهم مشاهدة مثل تلك المباراة وقد يشجعونها من وراء ستار!