أكد الدكتور عصمت عبدالمجيد أمين عام جامعة الدول العربية السابق ضرورة تماسك الصف العربي وتطوير العمل العربي المشترك والانطلاق نحو بناء تضامن حقيقي يتيح للأمة النهوض من كبوتها ووضع سياسة استراتيجية متكاملة لمواجهة المخططات الشارونية، واوضح ان شارون استفاد من احداث 11 سبتمبر وانقض على الانتفاضة الباسلة، مشيرا الى انه يتحدى الارادة الدولية ويسعى لتدمير السلطة الفلسطينية وكل مقدرات الشعب الفلسطيني بدعم وحماية امريكية. وشدد عبدالمجيد على ضرورة وجود دور امريكي حقيقي وفاعل بوقف عدوان شارون الهمجي ويعيد كافة الاطراف الى طاولة المفاوضات في ظل قرارات الامم المتحدة والشرعية الدولية، وقال ان المبادرة السعودية تمثل رؤية عربية عميقة للخروج من الازمة الراهنة بالمنطقة مشيرا الى انها موجهة الى الولايات المتحدة وليس لاسرائيل، واعترف بأن الامة العربية تعيش منذ فترة حالة من التحديات المصيرية، واوضح ان غياب الدور الاوروبي الفعال في قضايا المنطقة أطال من حالة الصراع العربي الاسرائيلي. وشدد على ضرورة ايجاد حوار بين الحضارات وليس على الصدام بينها مشيرا الى ان صدام الحضارات سيضر بالجميع والأجيال المقبلة. ـ كيف تقيمون مبادرة الأمير عبد الله خاصة في هذا التوقيت بالذات وفي ظل التصعيد الشاروني ضد الفلسطينيين فالبعض يراها بمثابة جائزة يمنحها العرب لشارون؟ ـ إن استعداد المملكة العربية السعودية للاعتراف بدولة إسرائيل مقابل إنسحابها من كافة الأراضي العربية المحتلة في الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان وأخيرا مزارع شبعا اللبنانية يمثل رؤية عربية عميقة للخروج من الأزمة الراهنة التي تعاني منها المنطقة وأعتقد أن هذه المبادرة موجهة بالدرجة الأولى إلى أمريكا وليس إلى الإسرائيليين ، فهي بمثابة رسالة موجهة للولايات المتحدة بضرورة التحرك قبل فوات الأوان، لأن الإسرائيليين يؤمنون إيمانا مطلقا بأنهم هم الذين يضيعون فرص السلام ويحتاجون إلى الطرف العربي، هذا إلى جانب أن شارون لا يحترم لا تعهدات ولا إتفاقيات ناهيك عن عدم إعترافه بالرئيس عرفات كشريك أساسي في عملية السلام، ولهذا جاء الوقت على الولايات المتحدة كي تمارس دورها وتقوم بمسئوليتها كدولة كبرى راعية للسلام وتلزم إسرائيل بالإنسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة، أو أن يتفاقم الوضع إلى الأسوأ، وتتحمل واشنطن إلى جانب تل أبيب المسئولية الكاملة حول اي تغيير في المعادلات الإقليمية وتقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة مع إستمرار الإنحياز الأعمى لإسرائيل، فمبادرة الأمير عبد الله يمكن أن تبعث الأمل من جديد في حياة آمنة ومستقرة لشعوب الشرق الأوسط إذا تعاملت إسرائيل معها بالإيجابية المطلوبة، بالاضافة إلى ضرورة التحرك الدولي الفاعل لإرغام إسرائيل والزامها بتطبيق القرارات الدولية والتجاوب مع تلك المبادرات . ـ من منطلق موقعكم السابق كأمين عام للجامعة العربية، كيف ترون صورة الواقع العربي الراهن ومستقبلا؟ ـ إن الأمة العربية تعيش منذ فترة حالة من التحديات المصيرية التي قد تهدد وجودها وتحاول هذه التحديات إقصاء دورها في صياغة وجهة العالم الجديد، وكل هذا يحتم على الأمة العربية إعادة تماسك صفوفها، وتعزيز العمل العربي المشترك وتطوير هذا العمل وتوفير العوامل الموضوعية التي تساعد على تجاوز الخلافات الهامشية الصغيرة والإنطلاق نحو بناء التضامن الحقيقى والفعال الذي يتيح النهوض من كبوتها وإمتلاك الوسائل التي تتعرض لها أمتنا العربية وكل هذا يفترض أن يشكل دافعا لصحوة قومية شاملة تقي ما يتهدد الامة من أخطار وتحفز على وضع سياسة استراتيجية متكاملة لكيفية التعامل مع القضايا المحيطة وفي مقدمتها المخططات الشارونية، لأن شارون يستفيد من الاجواء التي سادت العالم بعد أحداث 11 سبتمبر بالانقضاض على الإنتفاضة الباسلة وتصفيتها، والقضاء نهائيا على آمال الشعب العربي والفلسطيني وتطلعاته للحرية والاستقلال والخلاص من نير الاحتلال البغيض، وفي ظل التحديات المحيطة بالتضامن وتوحيد الصف والكلمة، وما من مرحلة واجهت فيها أخطارا تهددها كالتي تحدث الآن، فنحن أمام صراع لا نعلم متى ينتهي وينتج عنه يوميا تشريد شعب، وتجويعه، ويتحدى فيه شارون الإرادة الدولية ويعتدي بدعم وحماية أمريكية على حقوقنا العربية يصادر وطنا، ويشرد شعبا بأكمله، ويشن حرب وإبادة ضد مئات الآلاف من العرب الفلسطينيين دون أن يخشى أي رد فعل دولي ودون أن تقيم وزنا للقرارات الدولية، وما أجدر أمتنا في ظل هذه الظروف بالعمل الجاد على وضع ركائز للتضامن الفعال والحقيقي لأنه الطريق الوحيد لحماية الحقوق العربية. ـ كيف تقيمون الدور الأوروبي في الصراع القائم في الشرق الأوسط، وإلى متى يبقى الدور الأوروبي، عمليا تابعا للدور الأمريكي؟ ـ كان غياب الدور الأوروبي الفعال في قضايا المنطقة إلى جانب الإنحياز غير العادل للولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل أطال من حالة الصراع العربي - الإسرائيلي، ولذا فالتحرك الأوروبي في هذا التوقيت له أهمية بالغة، خاصة بعد الموقف الأوروبي الذي يرغب بالمساهمة في إيجاد آفاق لاحلال السلام إستنادا إلى قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ الأرض مقابل السلام ولاسيما أن الأوروبيين أدركوا ذلك من خلال تعاطيهم مع قضايا المنطقة وبسبب معرفتهم أن المشكلة في منطقة الشرق الأوسط هي مشكلة سياسية بالدرجة الأولى وليس كما يدعي الإسرائيليون بأنها مشكلة أمنية، وكل المحاولات الإسرائيلية في هذا الإتجاه باءت بالفشل برغم الدعم الأمريكي لهذه الادعاءات والأكاذيب الإسرائيلية ، والأوروبيون الذين يمتلكون الكثير من أسباب القوة في مسعاهم السلمي من جهة ولاستعادة دورهم الحقيقي على الساحة الدولية من جهة أخرى وهم يمتلكون القدرة تجاه ذلك من خلال مؤهلاتهم الاقتصادية والحضارية في التأثير على صناعة السياسة العالمية، وتحسين المناخ الدولي العام والقيام بدور أكثر فاعلية في عملية السلام بالمنطقة وإيجاد صيغة للتعاون بين الشعوب والحضارات وفرضها بديلا عن الحلول العسكرية والوسائل الأخرى التي تحاول بعض القوى جعلها السبيل الوحيد لمعالجة المشاكل الدولية وتأسيسا على ذلك فإنه من المنتظر أن يطور الإتحاد الأوروبي دوره للخروج من دائرة الرفض الإسرائيلي له وعدم الرغبة الأمريكية فيه والدخول في المعترك السياسي لحمل إسرائيل على الرضوخ للقرارات الدولية وإرادة المجتمع الدولي في إحلال السلام بالمنطقة. ـ بعد أحداث 11 سبتمبر، طرحت على الساحة الدولية قضية الربط بين الإسلام والإرهاب وما تبعه من تساؤلات حول المستقبل وما سيشهده من صراع حضارات أم حوار حضارات .. ما رؤيتك لهذه القضية؟ ـ في تصوري ينبغي أن يتوجه العالم اليوم إلى العمل على إيجاد حوار بين الحضارات وليس على الصدام بينها، فصدام الحضارات سيضر بالجميع لأنه سيؤثر تأثيرا سلبيا على مصالح كل الأطراف ولذلك علينا أن ندفع بإتجاه الحوار والتسامح والتعايش السلمي بين الجميع، فالصدام لن تجني الشعوب الحالية منه إلا الدمار، كما سيلحق هذا الدمار بالأجيال القادمة أيضا، صحيح أن هناك أحداثا خطيرة قد حدثت وعنفا ودمارا تبعه تصدع في العلاقات الدولية لكن لا ينبغي أن نروج لصدام الحضارة العربية والإسلامية مع الغرب والعالم الآخر . ـ كيف يمكن الرد على الإدعاءات الأمريكية والغربية وإتهامهم للمقاومة الفلسطينية الباسلة بالعنف وممارسة الإرهاب؟ ـ على العرب أن يرفضوا كل هذه الإدعاءات والإتهامات للشعب الفلسطيني وتنظيماته السياسية سواء كانت «حماس» أو «الجهاد» أو «حزب الله» في جنوب لبنان بأنها منظمات «إرهابية»، وحتى مجرد وضعها على قائمة المنظمات الإرهابية، فالنضال من أجل نيل الحرية والاستقلال ومقاومة المحتل الأجنبي حق مشروع كفله ميثاق الأمم المتحدة، وكل الشرائع والأعراف الإنسانية والدولية، أيضا لابد من إدانة الإرهاب الصهيوني الذي تمارسه حكومة شارون بالسلاح الأمريكي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل وربما السبب في وجود متطرفين عرب مسلمين هو العنف والإرهاب الصهيوني ولو تم حل القضية الفلسطينية من جذورها وتحقق السلام العادل من خلال إقامة الدول الفلسطينية المستقلة والتزمت إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي والمتمثلة في عودة الأراضي العربية وتم إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وجنوب لبنان والتسليم بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وفق مبدأ «الأرض مقابل السلام» فإن ذلك سوف يساعد على سحب البساط من تحت أقدام من يستغلون الأوضاع الراهنة في الأراضي العربية المحتلة لممارسة التطرف سواء بإسم الدين أو استغلال القضية الفلسطينية بشكل أو بآخر في مخططاتهم الفكرية المضللة لكن في ظل الإرهاب الإسرائيلي الممارس تجاه الشعب الفلسطيني وفي ظل إستمراره فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من التطرف والعنف وهذا ما ينبغي أن يعلمه الجميع وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية . ـ هل تعتقد في امكانية تحقيق أي خطوات بإتجاه عملية السلام في ظل حكم شارون؟ ـ إسرائيل لا تريد سوى السلام الذي يترجمه شارون حاليا على أرض الواقع والذي تعهد لشعبه بتحقيقه ولهذا جاء به إلى الحكم وهو نفس السلام الذي صوره باراك من قبل والذي لم يحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية عندما يقال لنا أن القدس لن تعود للفلسطينيين لأنها من ثوابت الدولة العبرية وعندما يقال أن عودة الجولان تتطلب تنازلات على سوريا أن تقدمها أولا وعندما يقال أن كتل المستوطنات باقية وأن اللاجئين لن يعرفوا طريق فلسطين ولن يعودوا، كل هذه المواقف مرفوضة ولكن إسرائيل متصورة لأنها متفوقة عسكريا وتحتل الأرض فعليا فهي قادرة على فرض هذا السلام المزعوم علينا ولكن هذا لن يتحقق أبدا لان مشوار الصراع طويل .