إن تسليم الأخوة المعتقلين في مقر الأمن الوقائي لم يكن حدثا عابرا، ولم يكن أبدا حدثا معزولا عن كل ما يجري الآن في الضفة الغربية من أحداث، فهدف الحملة اليهودية على الضفة والقطاع هو القضاء على المقاومة الفلسطينية، وحدها، ولم يكن من أهدافها القضاء على السلطة الفلسطينية كما توقع ذلك بعض المحللين السياسيين، وإن كانت السلطة ستتضرر من جراء هذه الحملة، ولقد قال زئيف شيف في مقال له في صحيفة «هآرتس» بتاريخ 31/3/2002 على الرغم من أن الهجوم لا يستهدف انهيار السلطة، فان هذه ستجد صعوبة في أداء مهامها كلما استمرت العملية، وإسرائيل ستضطر إلى أن تأخذ على عاتقها بعض المسئوليات المختلفة عن النشاط المدني من أجل السكان الفلسطينيين، ولكن زئيف شيف يبين أيضا أن هناك أهدافا أخرى غير القضاء على المقاومة، والحقيقة أنه ربما لا يمكن تحقيق هذه الأهداف الدقيقة كما يصفها الكاتب الصهيوني واسع الاطلاع إلا عبر القضاء على المقاومة فيقول (الأهداف الدقيقة للهجوم الكبير، باستثناء القول العمومي حول «هدم بنية الإرهاب» بقيت غامضة، حتى لكبار الوزراء)، ولقد راهن العدو طويلا على أن تقوم السلطة الفلسطينية بنفسها بالقضاء على المقاومة، ولكن وعي الشعب الفلسطيني من جانب، والإجماع الوطني على خيار المقاومة ـ ولو في الظرف الراهن ـ من جانب آخر، حال دون ذلك، ومن المتوقع أن الضغوط التي مورست على السلطة قد حققت بعض النتائج الهامة جدا التي كان منها تسليم هذه المجموعة من المجاهدين الذين كانوا على رأس المطلوبين من قبل الاحتلال. ولقد جاء في أقوال العقيد جبريل أن القيادة السياسية كانت صاحبة القرار باعتقالهم والاحتفاظ بهم، فقد ورد في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرجوب «أن كل المعتقلين في المكان كانوا حسب قرار المستوى السياسي وليس حسب قرار الأمن الوقائي»، وأضاف «أنا أؤكد ثانية أنني ضابط تنفيذي، مرتبط بقرارات سياسية، وقرار الاعتقال هو على المستوى السياسي»، ولقد أكد الرجوب أيضا «أن الأوامر قد صدرت له قبل الاجتياح بساعة واحدة لاعتقال المزيد من المجاهدين وعلى رأسهم الأستاذ حسن يوسف والأستاذ جمال الطويل»، ويتضح من هذه الأقوال أن السلطة كانت تسعى لاعتقال المزيد من المجاهدين الذين كانوا سيلقون نفس المصير الذي لقيه إخوانهم المحتجزون في بيتونيا، ولولا الاجتياح الذي بدأ بعد ساعة من إصدار الأوامر لتمت الكارثة، وإن صح ذلك فالسلطة بسبب أو بغير سبب كانت تنفذ أمرا خطيرا جدا ولكنها أرادت أن تلعب هذا الدور بعيدا عن الأنظار، خاصة أننا حذرنا مرارا أن الاعتقال السياسي سيعطي فرصة أمام الصهاينة لاغتيال المجاهدين أو اعتقالهم، ولكن السلطة ما زالت تتجاهل هذه التحذيرات. ومما يعزز هذه الرؤية عملية اعتقال شباب الجبهة الشعبية الذين قتلوا المجرم زئيفي، والاحتفاظ بهم رغم كل المؤشرات التي كانت تؤكد أن مدينة رام الله على وشك أن تقتحم وتحتل، ثم محاكمتهم في محكمة فلسطينية ميدانية أصدرت عليهم أحكاما بالسجن الفعلي لمدد تتراوح بين عام وثمانية عشر عاما، ثم قبول السلطة المفاجئ بوضعهم تحت حراسة أمريكية أو بريطانية وذلك مقابل رفع الحصار عن الرئيس عرفات، حيث أن متحدثا رسميا صهيونيا كان قد أعلن «أنه لن يرفع الحصار عن الرئيس الفلسطيني في رام الله إلا بعد أن يصبح قتلة وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي في السجن تحت حراسة أمريكيين أو بريطانيين»، وهذا أمر لم تستطع السلطة إخفاءه ولكنها حاولت أن تقلل من أهميته، ومن المنتظر أن تعاد محاكمتهم كما جاء في «يدعوت» بأن مصدرا أمريكيا صرح بقوله: «يجب محاكمة قتلة الوزير زئيفي ثانية وبهذا تلغى المحاكمة التي أجراها لهم عرفات والذي حكم عليهم بالسجن لمدة 18 سنة»، وربما نصحوا بعد قليل على وجودهم في المعتقلات الصهيونية. ولما كان الشكل السيادي الأبرز للسلطة يتمثل في اعتقال المجاهدين، والإشراف على المعتقلات، فقد تنازلت بقبولها اليوم باقتراح بوش عن هذا المظهر السيادي، وذلك بحجة فك الحصار عن الرئيس، وهكذا يسلم أبناء الشعب الفلسطيني إما للاحتلال مباشرة كما حدث في مقر الوقائي، أو عن طريق سجانين من الأمريكان أو البريطانيين، تحت ذرائع أوهى من بيت العنكبوت، فإن كان حصار الرئيس من أجل تسليم الأبطال الذين قتلوا المجرم زئيفي، فلماذا اعتقلتهم السلطة ابتداء فخلقت لنفسها هذه المشكلة؟ ولماذا احتفظت بهم في مقاطعة رام الله بالذات؟ وأي جريمة قد ارتكبوا حتى يحاكموا؟ ألأنهم قتلوا المفسد زئيفي؟ وهل يشكل قتل زئيفي جريمة يعاقب عليها القانون؟ ألم يغتصب هذا السفاح أرضنا؟ ألم يدنس مقدساتنا؟ ألم يقتل أطفالنا؟ ألم يبذل جهده من أجل إخراجنا من أرضنا؟ وما لهم ألا يقتلوا هذا المجرم وكان ممن شارك في قتل قائدهم «أبو علي مصطفى»، أليس من أبسط حقوقهم أن يقتصوا من قتلة قائدهم؟ أم أن دماءنا رخيصة مستباحة، بينما دماء القتلة من اليهود خط أحمر لا يجوز للمعذبين على أيديهم تجاوزه؟!! فمتى ندرك أن دماءنا غالية، وأننا لن نفرط في أي قطرة منها، وأن جهادنا مشروع، وأن فلسطين أرضنا، وأن محاكم أوسلو لن تنسينا وطننا، وأن الالتزامات الباطلة لن تفقدنا هويتنا.