هناك حصار عسكري علني كان مضروباً على مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وعلى كنيسة المهد في بيت لحم، ولكن هناك حصارات من انواع مختلفة غير معلنة وقد تكون اكثر ايلاماً وأذى على المدى الطويل، كالحصار الاقتصادي غير المعلن المضروب على لبنان. ومرد الحصار على لبنان محطتان ناجحتان تعاقبتا عليه. تمثلت المحطة الأولى بانسحاب اسرائيل الاحادي من الأراضي اللبنانية في مايو من العام 2000 من دون مفاوضات ولا معاهدات ولا صلح ولا سلام. وقد حقق لبنان، بمقاومته وجيشه، ما لم تحققه باقي المقاومات والجيوش العربية. وبات لبنان بعد التحرير دولة محترمة تلعب دوراً مركزياً في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وتشكل نموذجا يحتذى للمقاومة الفلسطينية. أكثر من ذلك، ما عاد لبنان بحاجة الى معادلة الأرض مقابل السلام، فقد استرد الأرض من دون ان يقدم السلام، وطرح اميل لحود معادلة جديدة: حق عودة الفلسطينيين أو عدم التوطين مقابل السلام. وتمثلت المحطة الثانية بقمة بيروت العربية حيث لعب لبنان، ولا سيما الرئيس اللبناني اميل لحود، دوراً ريادياً في تعديل المبادرة السعودية لجهة تضمينها بنداً يتعلق بحق عودة الفلسطينيين واستبعاد عملية التوطين. وفي اعتقادي انه لولا المبادرة السعودية لما اكتسبت قمة بيروت الاهمية التي اكتسبتها، ولكانت احتمالات تأجيلها اكبر من احتمالات انعقادها. لكن السعودية اصرت على انعقاد القمة ونجحت في تحويل مبادرتها الى مبادرة عربية. ولا أدل على نجاح قمة بيروت إلا ما قام به ارييل شارون من الرد العسكري الفوري عليها باجتياحه الاراضي الفلسطينية المحتلة. وقد تشكلت في نهاية القمة لجنتان: لجنة متابعة كما اعتادت كل القمم العربية على تشكيلها، ولجنة المبادرة العربية وتهدف الى اجراء الاتصالات اللازمة لإنجاحها على كل المستويات. ويرأس اللجنتين الرئيس اللبناني. وبقدر ما نجح لبنان في تحقيق المكاسب الميدانية في وجه اسرائيل، وفي اطلاق زخم عربي في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، بقدر ما رأت الادارتان الاسرائيلية والامريكية بأن في الامر شيئاً غير مقبول، ولابد من محاصرة لبنان لإبقائه مربكاً ومكبلاً وساحة جاهزة لتمرير الحل الاسرائيلي على حساب الحل اللبناني أو العربي. والفارق نوعي بين الحلين: فالحل العربي يقضي بإقامة دولة فلسطينية في فلسطين وتكريس حق عودة الفلسطينيين الى ارضهم، أما الحل الاسرائيلي فيقضي بإقامة دولة فلسطينية خارج فلسطين وتوطين الفلسطينيين في الدول التي يقيمون فيها. وهكذا اشتد الحصار الاقتصادي على لبنان بدليل ان الدول المانحة عقدت اجتماعاً يتيماً في «باريس 1»، ولم تقدر الحكومة على عقد «باريس 2»، على الرغم من حاجة لبنان الماسة الى مساعدات خارجية تحت طائلة وقوعه في انهيار اقتصادي لا يعرف احد حدوده ومداه ومخاطره. والواقع ان لبنان يدفع من اقتصاده، ثمن مواقفه المقاومة لاسرائيل، وثمن دفاعه عن حق الفلسطينيين في العودة الى ديارهم، وثمن تحالفه مع سوريا وعدم فك ارتباطه بها. لبنان المساير لمشيئة اسرائيل تصله المساعدات باستمرار، أما لبنان المقاوم فيواجه حصاراً شديداً، ولو غير معلن، من قبل الولايات المتحدة. في المقابل، لبنان المستسلم كان موضوع نزاع بين اللبنانيين، وموضع نزاع الآخرين عليه، في حين ان لبنان المقاوم هو موضوع وحدة لبنانية داخلية، وموضوع فخر لكل العرب. لكل أمر ثمن، وثمن المقاومة ثقيل اقتصادياً وعلى المدى المنظور، لكنه كبير سياسياً وعلى المدى البعيد. وأراني اختار من دون تردد، فأفضل لبنان المقاوم والمحاصر على لبنان المستسلم والمحايد. في الحصار تعب وكبرياء. وفي الاستسلام راحة وخنوع. والشعوب التي تحترم نفسها والتاريخ هي الشعوب المقاومة للخنوع والناهضة على الرغم من الحصار.