يمكن للمرء ان يتخيل صورة رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون وهو يشاهد بملء الامتعاض عبر التلفزيون صور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهو يكاد يطير فرحاً بحريته التي نالها بعد طول انتظار. وخلال العام الماضي تركزت سياسة شارون على عزل عدوه القديم واهانته وتهميشه والآن بسبب الضغط الامريكي يتعين على شارون ان يقف ليشاهد عرفات وهو يقوى بفضل تلك الاسابيع من الحصار التي فرضها عليه. فلو كنت من هواة المراهنة، لم اكن لأرجح ان يعيش الزعيم الفلسطيني مدة اطول، ولم أكن لاعني بالسماح له بالعودة اذا ما حدث وان سافر للخارج. وبغض النظر عن ذلك فإن ما نراه هو عودة الى اللعبة القديمة، المتمثلة في القول ان العين بالعين والسن بالسن، حيث ينتظر شارون مزيداً من عمليات التفجير حتى يتسنى له ان ينال من عرفات مرة اخرى بينما ينتظر عرفات الاجراءات المضادة كي يبرز في دور الضحية ـ البطل فحماس اعلنت بالفعل عن عزمها على شن هجمات جديدة. وأوضح شارون ان الامن الكامل للاسرائيليين لا يمكن ان يتحقق إلا بأن يصبح جميع الفلسطينيين محيدين بالكامل وهكذا تدور رقصة الموت. واطلاق سراح عرفات لا يمثل إلا وجهاً واحداً من العملة فشارون في طريقه على جبهة تلو الاخرى. وما برح كل من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الامريكي جورج بوش يعبران عن ضيقهما واستيائهما مطالبين بالانسحاب الاسرائيلي. ولكن ماذا حدث؟ فالدبابات الاسرائيلية اقتحمت طولكرم مؤخراً ونتج عن هذا اغتيالات اخرى «أو كما يسميه الاسرائيليون قتلاً مستهدفاً» والمزيد من الاعتقالات فعملية «السور الواقي» الاسرائيلي تمضي بلا اي مؤشرات الى قرب نهايتها، وباءت بالفشل محاولات الامم المتحدة للتحقيق في حدوث مجزرة في مخيم جنين وتم حل اللجنة التي كانت مكلفة بذلك بشكل نهائي. ومن بين جميع التطورات التي حدثت في الاسابيع القليلة الماضية، كان حل اللجنة المكلفة بالتحقيق فيما جرى في مخيم جنين هو الخبر الاكثر اثارة للحزن ولا يتمثل الامر هنا في أن اللجنة كانت بالضرورة ستثبت وقوع مجزرة فإذا كان الامر يتمثل في ان هناك مجزرة على غرار ما تم في سربرنيتشا او رواندا فإن الامر يبقى صعب التصور. ولكن هذا لا يعني كما المح السفير الاسرائيلي لدى بريطانيا مؤخراً انه شعور الفلسطينيين بأن هناك مذبحة ارتكبت لا يمثل إلا نوعاً من الحملة الدعائية ضد اسرائيل، ويمزح السفير الاسرائيلي في البرنامج التلفزيوني «توداي» الذي يبثه التلفزيون الانجليزي، قائلاً انه لو تم تصديق هؤلاء «لأصبح الاسرائيليون مسئولين عن كل حادث مروري يقع في الضفة الغربية» فهو يشعر بأن الفلسطينيين اناس هزليون. حسناً، انهم ليسوا كذلك في الحقيقة، فالتقارير بشأن حدوث مجزرة بدأت عندما اخذت رسائل البريد الالكتروني والهواتف المحمولة في الطنين متحدثة عن اخبار بشأن حدوث مجزرة بعيد ساعات من التوغل الاسرائيلي وبدأ القصف، واطلق الرصاص على المدنيين، وتم اقتحام المنازل، ومنع الدخول الى المخيم حتى سيارات الاسعاف لم يؤذن لها بالدخول، وبدأت جميع انواع الشائعات في الانتشار. وفي ظل العواقب الوخيمة والمريرة لهذا الهجوم العسكري، هناك كما اشارت «هيومان رايتس واتش» مؤخراً ـ مخاوف حقيقية من ان يكون قد تم خرق اتفاقات جنيف، وكما تشير هذه المنظمة فإنه تم استخدام المدنيين كدروع وقصف المنازل من دون تحذير ساكنيها، واطلقت النيران على مدنيين اثناء عبورهم للطرق، والقيت القنابل على غرف مليئة بالنساء والاطفال، ومنعت سيارات الاسعاف من الوصول الى اماكن وجود المصابين. وفي النهاية، فإن الامر يرجع لاسرائيل نفسها ـ فهناك حركة قوية معنية بالحقوق المدنية في اسرائيل ـ بشأن العمل على البحث في هذه الاتهامات وتحديد ما اذا كان قد تم بالفعل خرق حدود الاستعمال العقلاني للقوة العسكرية، فالامريكيون قاموا بهذا التحري بعد مجزرة ماي لاي «اثناء الحرب الفيتنامية» مازلنا نحن البريطانيين في خضم عملية البحث في مجزرة الاحد الدامي، وهناك دور اهم يمكن ان تلعبه الاطراف الخارجية، لاسيما الصليب الأحمر، وهو امر لم ينل الاهتمام الكافي حتى الآن، وسوف تزداد اهميته خلال الاسابيع المقبلة ألا وهو علاج الفلسطينيين المعتقلين بتهمة ممارسة الارهاب. ولكن يمكن لاحدى لجان الامم المتحدة للبحث ان تقوم على الاقل بفحص الادلة الموجودة على الارض، وتبدأ في تحديد المعالم للجميع لكين يروا ما حدث، فهل ما تم مجزرة بالفعل؟ واذا لم تكن كذلك فهل تم ارتكاب جرائم ضد المدنيين؟ وبدورهم سيرفض المتشددون من الطرفين النتيجة التي سيتم التوصل اليها، وستعلن حينذاك الحكومة الاسرائيلية ان هناك تواطؤاً ضدها، إلا ان المهتمين، ولكن غير الملزمين، والذين اعتقد انهم يمثلون الاغلبية سيتاح لهم حينذاك الفرصة لقراءة الامور واخذ قرار بأنفسهم. وسيكون هناك امر اعتقده اكبر في الاهمية سيحققه القيام بتحقيق فيما حدث في جنين، ألا وهو اثبات ان العالم يهتم بما يجري، فمخيم جنين قد اصبح رمزاً للفلسطينيين، ليس لكونه شهد حادثاً بعينه ولكن لكونه شهد عملية كاملة من الاذلال والقهر ارتكبتها قوة احتلال، فالاحتلال المتواصل للمدن الفلسطينية، قد اقترن تقريباً في كل مرة بعملية تخريب للمنازل والمكاتب واهانة لكرامة الافراد وتدمير شرس ذهب لما هو ابعد من الهدف المعلن المتمثل في قمع وسائل الارهاب. فقد تم تدمير ملفات السلطة الفلسطينية الخاصة بميادين الصحة والتعليم، وتم اقتحام المركز الثقافي في بيت لحم ونهب كل ما به من مواد وكتب وتم تحويل مكتب احد المحامين البارزين في رام الله الى مركز قناصة للجنود الاسرائيليين، وتم تحطيم كل ادوات المكتب واساسه وملئت ارضيته بغائط الجنود، وفي بيت لحم، اقتحم الجنود الاسرائيليون بيت جار صديق لي وجمعت ملابس الاطفال، ثم قام اولئك الجنود بالتبول عليها. ما تم فيما قلته حالا ليس بمجزرة، ولا حتى جريمة حرب ولكنه امر مختلف، فهو انتهاك للقدسية متعمد ومقصود، يشير الى ان هؤلاء الجنود لا ينظرون الى اعدائهم على انهم شر، لا يمكن احلال سلام في الشرق الاوسط إلا بعد ان يسمح للفلسطينيين باستعادة كبريائهم وكرامتهم أو ان يقوموا هم باستردادهما عن طريق أعمال العنف، ربما خطت الامم المتحدة خطوات قلائل نحو الاعتراف بهذا الامر، عن طريق الاعلان عن اجراء تحقيق فيما جرى في مخيم جنين، غير ان استجابة المجتمع الدولي للاعتراضات الاسرائيلية قد اكدت بالضبط افظع المخاوف التي تعتري الفلسطينيين بشأن ما يعيشونه من محنة. عن «اندبندنت»