تملأ الادارة الامريكية الدنيا بالحديث عن خشيتها من تعرض المدن الامريكية الكبرى لموجات من الهجمات بالأسلحة الجرثومية التي قد تحصد أرواح الملايين. وقد مضت السلطات الامريكية قدماً فأعدت سيناريوهات مختلفة لمواجهة هذه الاحتمالات . وعلى الرغم من حملات واشنطن المناهضة لتطوير اسلحة الدمار الشامل، الا انها تلتزم الصمت المطلق ازاء ما لدى اسرائيل من اسلحة تقدر بما لا يقل عن 400 قنبلة نووية. ومؤلف هذا الكتاب هو بروفيسور ليونارد كول الاستاذ المساعد للعلوم السياسية والتقنية بجامعة روتجرز ، وقد حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا عام 1961 وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1970 وله العديد من الابحاث والمؤلفات في موضوع هذا الكتاب. الاخلاق والاشمئزاز والحرب البيولوجية يبدو هذا التركيب كئيبا الى ابعد الحدود وفي العام 1989 كانت لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الامريكي تدرس قضية انتشار الاسلحة الكيماوية والبيولوجية، وطبقا لما حصل فإن واحدا من الخبراء الذين أدلوا بشهاداتهم لم يكلف نفسه عناء التفكير بالمعطيات الاخلاقية لكن العديد من اعضاء مجلس الشيوخ اظهروا ذلك. واعرب جوزيف ليبرمان عن قلقه من «اننا نعبر عتبة اخلاقية اخرى، ونفقد بهدوء قدرتنا على التعبير عن الغضب والحركة». واستغرب وليم روث: «كيف نطور هذا الاقتناع الاخلاقي ثانية وهو عدم استخدام الاسلحة الكيماوية». أما جون جلين فقال إن: «الجوانب الاخلاقية بالنسبة لي هي انني لن اقول انها تلفيقات كاملة لمخيلة انسان في العالم المعاصر، لكنها تصل الى هذا المدى». لقد ذكرت كلمة «الاخلاقية» في صفحات الكتاب الذي نناقشه هنا بصورة كثيفة وذلك في سياق الحرب الكيماوية الجرثومية وعلى الرغم من ان اهمية الضوابط الاخلاقية رسخت، لكن المصطلح نفسه لم يتم التدقيق فيه على الاطلاق. وتبين الاحاديث المتلفزة بفظاظة تضليلا يمارسه بعض الاشخاص يوميا وقد يشكل ذلك قناعة بالنسبة للبعض الآخر، الا ان السلوك الاخلاقي يتضمن فعلا اكثر من التفضيلات الشخصية. وتقاس القيم الاخلاقية بممارسة كل ما هو صحيح ومناسب لكن ما هي معايير الصواب وما هو مناسب ؟ يعتمد البعض على التوجيه الديني اللاهوتي اما الآخرون فيأخذون بالتأمل الفلسفي المعتمد على الغريزة او الفطرة، ولا ريب ان لكل مجتمع سلوكه الذي يحكم الانضباطية، وهو ما يعرف بالنظام الاخلاقي. ولكن مهما كانت الاجابات النهائية فإن بعض السلوكيات قد حط من قدرها بالنسبة لمعظم الثقافات عبر التاريخ. فأكل لحوم البشر والفجور وقتل النفس البشرية كلها سلوكيات تعرضت للازدراء منذ العصور القديمة وفي كل مكان على ظهر هذه البسيطة تقريبا. وهكذا تبدو هذه الاعمال «الخسيسة» مثل استخدام السموم في الحرب، وينظر الى مثل هذا السلوك على انه عمل جبان وظالم ومثير للاشمئزاز. مشكلة البنتاجون في ذروة نشاط برامج انتاج الاسلحة الكيماوية والبيولوجية واجه البنتاجون شعورا شعبيا عاما مشبعا بروح الاشمئزاز تجاه تلك الاسلحة خاصة الجرثومية، خلال عقد الخمسينيات والستينيات. وفي 1954، على سبيل المثال، حاول الجيش الامريكي العثور على مؤسسة مدنية لادارة برنامج الاسلحة الجرثومية، وكان القصد من ذلك الاستفادة «من المواهب الامريكية التقنية في ميدان الصناعة». لكن واحدة من الشركات التي تناسب هذه الرغبة، لم تتقدم للاستجابة لهذا المطلب. ولكن البرنامج تقدم ببطء، بصفة وحدة عمليات كيماوية بدعم موظفين حكوميين. ولا يعني ذلك عدم توفر مقابلين من بين المؤسسات الحكومية، بعدئذ وافقت شركات وجامعات على توقيع عقود من أجل العمل في مجال تطوير الاسلحة البيولوجية، ويتبع هذا النهج الكثير من تلك المؤسسات الآن، ولكن لم ينج الجيش الامريكي قط من تلك الوصمة التي تتصل بهذا النوع من السلاح الميداني، وتحولت فيما بعد الى عقبة برامجية. في 1955 لقي الجيش الامريكي «صعوبات بالغة في شغل مناصب في كامب ديتريك وهو الموقع في ماريلاند الذي يضم مختبرات تطوير الاسلحة الجرثومية. واعرب ناطق عسكري عن اسفه للعجز عن جذب العلماء البيولوجيين وتعهد ببذل جهود اكبر في عملية التجنيد. في العام التالي دعا الجيش الامريكي لمضاعفة جهود العلاقات العامة، وسعى ايضا الى الاعتراف بالدور الخاص للأسلحة الكيماوية والبيولوجية وانهاء سياسة الصمت ازاء هذا الموضوع، واراد قلب تفكير العلماء المدنيين الذين يؤمنون بأن الهدف من البرنامج هو «عملية تدميرية بدلا منها تعميرية».في 1960 ذكر تقرير سلسلة من التوصيات افترضتها لجنة مجلس النواب الامريكي لتعزيز برنامج تطوير الاسلحة الجرثومية والكيماوية ومن بين هذه التوصيات «الحاجة الملحة للتوصل الى فهم عام أعظم ومستوى اعلى من الدعم». واعترفت التوصيات ضمنيا بشعور الاشمئزاز نحو تلك الاسلحة، وبدت الكلمات اعتذارية: «لن تستطيع اللجنة ان تعطي نفسها الحق في وصف اي سلاح حرب بأنه «انساني .. ولا نستطيع ايضا ان نجعل من ذلك حكما اخلاقيا ازاء استخدام عناصر كيماوية او جرثومية». في 1962 شددت وثيقة للجيش الامريكي على النضال لتوسيع نطاق «القبول الرسمي والشعبي لتلك الاسلحة» وتذكر مداخلة مؤثرة عن عقد مع شركة ادوية قوية لتطوير لقاحات مضادة للحرب الكيماوية. ولم يكشف النقاب عن اسم الشركة «لانها طلبت عدم ذكر اسمها وتلقت تطمينات بذلك». واوضحت الوثيقة ان الشركة طلبت ذلك بسبب خشيتها من ردود الفعل الشعبية وما هو عالق في الاذهان تجاه الاسلحة البيولوجية. وبدأت الشركة تصنع لقاحات وليس اسلحة، وحتى هذا الموقف كان يكفي لجعل الشركة تخشى بأن تشوه صورتها. وتكرر المشهد طوال عقد حيث اعرب قائد البحث الطبي في قاعدة فورت ديتريك عن احباطه في 1963 من ان الاسلحة الجرثومية بدت بالنسبة للكثيرين مصدرا للاشمئزاز، وكان تجنيد علماء الفيزياء صعبا لانهم شعروا ان «الاخلاقيات التي يؤمنون بها تمنع من مشاركتهم في ابحاث الدفاع البيولوجية». ونبه كاتب في مجلة «ساينس» في 1967 وكتب التالي: «تعد برامج تطوير وتصنيع الاسلحة الجرثومية والكيماوية الامريكية الاكثر سرية في الجيش الامريكي ليس لانها اكثر الانشطة العسكرية خطورة في الجيش الامريكي بل لان البنتاجون يعتقد انها من اكثر الامور اساءة للفهم نظرا لانها تحرك اكثر العواطف كربا وتهيج القيم الاخلاقية». ويلاحظ التناقض الجذري بين ما يرمي اليه الكاتب وما تقصده المؤسسة العسكرية الامريكية. ويعتقد الكاتب ان الجيش حافظ على السرية لانه يخشى الشعب أن يبدي ردود فعل ليست في صالح البرنامج اذا عرف المزيد من المعلومات حول البرنامج، ولكن الجيش الامريكي شعر بأنه يتحدث بصراحة بأن عامة الناس لم يكن ردهم منطقيا. وهكذا فإن الجيش، طوال فترة برنامجه العسكري البيولوجي، كان يعي تماما أين يضع خطواته، ولم يتوقف قط عن تجميل صورته ولم يختلف الامر عن المسئولين العاديين عن تطوير وسائل الدفاع البيولوجية . وكما ذكر في فصل سابق فإن المسئولين في فورت ديتريك مقتنعين بأن عدم ثقة الامريكيين يمكن التغلب عليها بعملية تجميلية افضل. ولكن محاولة حشد دعم شعبي ليست فقط من اجل نجاح خطة التجميل فبالاضافة لعدم الثقة بسبب الانشطة الظلامية للجيش في الماضي، فان الامر يتعلق بوصمة ذيولها تمتد منذ سنوات طويلة، وتواجه حملة العلاقات العامة لقلب القيم التي احس بها الناس بعمق ازاء الصحة والجوانب القيمية، حالة احباط لا مفر منها. احتضان الحس الاخلاقي ليس مفاجئا، اذن، ان يقوم اناس ببذل الجهود عن عمد لنقل عدوى شعورهم بالاشمئزاز للآخرين. هل يعني ذلك ان ما يحدث عبر الكثير من المراحل التاريخية سيستمر في الحدوث اي ان الاحساس بالاشمئزاز سيعرقل استخدام الاسلحة السامة؟ ليس ذلك امرا حتميا بالطبع. بعض الناس، في اي مجتمع انساني، لن يشعروا بتبكيت الضمير او بكوابح ان هم استخدموا الاسلحة الجرثومية وتسببوا في عدوى الناس بالامراض. ونلاحظ ان منظمة اوم شينريكيو اليابانية التي اطلقت الغاز المميت في محطة قطارات الانفاق في طوكيو في 1995 تقوم أيضا بتطوير الاسلحة البيولوجية لكن ذلك انموذج واحد من السلوك الذي قد يتجاوز الرادع الاخلاقي لأي مجتمع. ينتحر الناس، ويرتكبون المعاصي والاعمال المفزعة والمشينة الاخرى، على الرغم من وجود قوانين وكوابح عقابية لردعهم ولكن الامر الحقيقي ايضا هو ان السلوك المتحدي يمكن كبحه بقوانين رسمية تعيد للحس الاخلاقي قيمه، وذاك هو مبرر فرض القوانين الدولية والاعراف والوسائل العقابية التي تثبط تطوير واستخدام الاسلحة الكيماوية والبيولوجية. اما القيمة الثانية لانواع الحظر المقننة نحو مثل هذه الحروب فهي تتصل بخطورة تغيير قيم الناس. فقد يغري الناس بأن يتصرفوا بطرق ليست من طبيعة ميلهم ومنافية لها. ويقدم ديف جروسمان، الضابط وعالم النفس، مثالا واضحا، ويلاحظ وهو ينقل وصفا لمؤرخين عسكريين بأنه عبر التاريخ كان المحاربون يترددون في قتل عدوهم.وكما في الحرب العالمية الثانية فإن 85 في المئة من الجنود كانوا يفضلون اطلاق الرصاص فوق رؤوس اعدائهم او انهم لم يطلقوا النار بالمرة.ويعزا ذلك الى «الروادع الداخلية تجاه قتل نفس بشرية ينتمون هم اليها».إذن كيف يموت الملايين في الحرب؟ قلائل هم الذين يصوبون بنادقهم للقتل نتيجة للحرب الجرثومية أو بسبب الفاجعة التي تسببها الاسلحة البعيدة المدى، اما اولئك الذين يقتلون باطلاق قنابلهم من الطائرات فهم يقتلون ضحاياهم من دون ان يروا ما يفعلون وهم يتقاسمون قليلاً من الشعور بالتردد مع جنود المشاة في اطلاق النيران.وخلال الحرب الفيتنامية قام الجيش الامريكي بتطوير تقنيات للتغلب على الرادع الطبيعي للقتل من مسافة قريبة. وبدلاً من الاهداف الثابتة التي كان الجنود في الماضي يتدربون عليها، فإن المتدربين للحرب في فيتنام كانوا يتدربون بإطلاق النار على شواخص قريبة الشبه من البشر، واحيانا كانت تستخدم بالونات تكسوها البزات العسكرية ويتم تمريرها في ميدان القتل. فعندما كانوا يصيبونها كان البزات تثقب فتنهار. وكان الجنود يصلحون اوضاعهم باستمرار لرؤية اهدافهم تسقط. ويتلقى مطلقو النار الناجحون التأكيد على شكل مديح واطراء واجازة ثلاثة ايام وكان هؤلاء يتعرضون لأشد عمليات التعديل السلوكية واقواها التي اكتشفت في ميدان علم النفس والآن وبعد تطبيق هذا التكيف السلوكي ميدانياً كانت النتيجة هي انه خلال القتل عن قرب في فيتنام لم يفشل في تصويب بندقيته للقتل سوى 5% من الجنود. وعلى الرغم من ان جروسمان عسكري، إلا انه لم يبد ارتياحاً نحو التعديل الذي يمكن ان يتغلب على الشعور الصحي بالاشمئزاز. قد لا نفهم هذه القوة الطبيعية لدى الانسان التي تدفعه بقوة للامتناع عن قتل اخيه الانسان، ولكننا نستطيع ان نمنح المديح والاطراء لقوة كائنة ما كانت نحملها مسئولية بقائنا. وعلى الرغم من ان القادة الذين يكسبون الحرب يعيشون مكتئبين بسببها، لكننا كجنس بشري ننظر اليها بكل فخار. وللحفاظ على هذه القوة الثمينة فإن جروسمان يحذر في محاولة اضعاف قوة التردد في ازهاق انفس بشرية اخرى. عندما كتب دانيال بارترك مونيهان مقالاً عام 1993 بعنوان «تعريف التحدي» لم يكن يفكر في الاسلحة البيولوجية او الكيماوية بل ركز على السلوكيات التي اعيد تعريفها مجدداً في المجتمع باعتبارها «طبيعية» على الرغم من انها كانت تعد غير طبيعية وفقاً لمعايير اجتماعية سابقة، وتضمنت تلك المعايير تفسيرات جديدة للصحة العقلية، وهياكل اسرية «بديلة» وقبولا متناميا لجريمة العنف. وكتب يقول: «لقد اصبحنا معتادين على الكثير من السلوكيات التي لا تناسبنا اصلا». وهكذا ايضا يمكن للتكييف والتعويد ان يدفع الناس لاحترام استخدام الاسلحة البيولوجية، ويمكن ان ينطبق رأي مونيهان حول السلوك الفردي، على مجموعات من الناس أو على أمم. فإذا استمرت برامج تطوير الاسلحة البيولوجية والكيماوية بالنمو في انحاء العالم فإن ترسانات الاسلحة البيولوجية سينظر اليها على انها امر طبيعي. ويمكن ان يتم التنازل عن الحس الاخلاقي بالنفور حول تلك الاسلحة وتعد احدى اهم الخطوات لردع استخدام الاسلحة الكيماوية هي عدم وجودها، وقد اوضح ليون كاس عالم الفيزياء والاخلاق هذه النقطة في سياق مختلف. واعرب عن استهجانه واستنفاره للمتاجرة بالاعضاء البشرية، وينبع احساسه بالاشمئزاز من المحرمات العالمية تقريبا ضد اكل لحوم البشر وانواع التدنيس الاخرى للجسم البشري. ولكنه يعترف بأنه لن يدخر وسعاً للحصول على كلية لانقاذ ابنه. لكن اذا لم تطرح اعضاء بشرية للبيع فلن تتوفر هذه الاعضاء وبصورة مماثلة فإنه اذا لم تتوفر الاسلحة الكيماوية والبيولوجية واذا لم تنتج او تخزن وتعد من اجل الاطلاق فإن اشكاليات استخدامها ستصبح موضع جدل. لكن اذا كانت هذه الاسلحة مخزنة في ترسانات عكسرية فإن اي امة تؤمن بالحس الاخلاقي ستلجأ لاستخدامها كخيار اخير وعلى سبيل المثال، فإن الاب الذي فقد كل امل سيبتاع كلية لابنه، وكذلك فإن أي امة تتعرض للدمار ستقوم باستخدام الاسلحة البيولوجية او الكيماوية كخيار اخير لها رغم اشمئزازها من هذه الاسلحة. والحقيقة ان الحماية من الاسلحة الكيماوية صعبة، لكن الوقاية من الاسلحة البيولوجية عمل مستحيل للغاية، ولذلك فإن الرادع الاخلاقي ضد استخدامها سيتخذ مرتبة اعلى من الاهمية، وحتى انتاج الاسلحة البيولوجية والكيماوية يمثل مشكلة بالنسبة للسكان في بلد الانتاج، في ضوء ذلك ينبغي ترسيخ معيار دولي لا يسمح بإنتاج هذه الاسلحة وينبغي احترامه. ان انجاز حظر الاسلحة الكيماوية والبيولوجية اسهل من اية اسلحة اخرى لان الاسلحة الكيماوية والبيولوجية تثير شعوراً غير عادي بالاشمئزاز وعلى نقيض التحليلات التي تتجاهل أو تقلل من الظاهرة عموماً فإن هذا الشعور الطبيعي بالنفور والاشمئزاز من هذه الاسلحة ينبغي ان يرحب به ويستغل. والواقع ان الاكتفاء بالتعبير عن مشاعر الغضب ليس كافيا، فتعزيز النواحي الاستخبارية مهم، كما انه من المناسب ايضا وجود برامج دفاعية مسيطر عليها بدقة فضلا عن معرفة حدودها، وكما ذكر في السابق فإن عامة الناس سيشعرون بثقة اكبر ازاء القيم الاخلاقية والسلامة التي ترتبط ببرامج الابحاث الدفاعية والبيولوجية، اذا شارك مدنيون في عمليات الاشراف على تلك البرامج وكان بإمكانهم التأكد من صحة مزاعم الجيش. وخلافاً للاستخبارات والدفاع فإن تعزيز العادات الطيبة والقيم مسألة اساسية. وبالنتيجة فإن المعاهدات واعمال التحقق وعقاب المنتهكين كل ذلك تمت مناقشته والتأكيد عليه في الكتاب.ان اولى الاولويات الآن في هذه اللحظة بعد تطبيق معاهدة الاسلحة الكيماوية لعام 1993 التي تحظر حيازة الاسلحة الكيماوية ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ عندما وقعت 65 دولة عليها، وتوفر المعاهدة فوائد للدول الاطراف من خلال تبادل معلومات والامتيازات التجارية التي تضاف الى المغريات للانضمام الى المعاهدة. وتذكر المعاهدة كيماويات ينبغي الافصاح عنها من قبل الاعضاء المشاركين في المعاهدة، وكذلك فإن السماح بعمليات تفتيش قصيرة الامد للتأكد من الامتثال لشروط المعاهدة سيكون عامل تثبيط آخر، واكثر من ذلك فإن تطبيق المعاهدة سيضيف زخماً للمفاوضات الحالية لتقوية معاهدة الاسلحة البيولوجية لعام 1972 التي تفتقر الآن لشروط التحقق. ان الفشل في تنفيذ معاهدة الاسلحة الكيماوية بنجاح سيثبط الآمال في تطبيق نظام التحقق الخاص بمعاهدة الاسلحة البيولوجية ايضا. ومن اكثر النتائج المرجحة سيكون مواصلة انتشار الاسلحة الكيماوية والبيولوجية في جميع انحاء العالم. وكلما بقيت هذه الاسلحة تقلص الاحساس بعدم شرعيتها ويرجح اكثر ان تستخدم من قبل الجيوش او الارهابيين. فضلا عن الخطوات الضرورية لتقوية وتعزيز المعاهدة البيولوجية فإن التحركات على المسار الآخر ينبغي ان تساعد في ردع الاسلحة البيولوجية، كما بدأت الجهود الرامية الى اقامة انظمة عالمية للتعرف على الامراض والسيطرة عليها تستحوذ على الاهتمام. وحظي برنامج التحكم بالامراض المعدية التي ظهرت حديثاً «بروسيد» وبرنامج مراقبة الامراض الحديثة «برومد» باهتمام في وقت مبكر. وبينما يتم التركيز على انتشار الامراض عموماً، فإن رعاة تلك الجهود لديهم حساسية لتلك الاوبئة المحتملة التي هي من صنع الانسان. ومثل هذه البرامج سيرجح اكثر ان تحدد هوية اندلاع الامراض من مصادر معادية واصبحت ممكنة اكثر من اي وقت مضى. وينبغي ان تثبط محاولة اي بلدان التفكير في الاسلحة البيولوجية خاصة لو طبقت بمشاركة أي نظام تحكم. ان مثل هذه المقاربات والمفاهيم تمثل معضلات التحكم بالاسلحة الكيماوية والبيولوجية والسيطرة عليها.لكن تأثيرها النهائي سيعتمد على العمود الفقري الاخلاقي الذي سيدعمها والنية من استخدام القوة للدفاع عنها، وبالتشديد على الحس الاخلاقي الداعم للاقصاء الرسمي للاسلحة البيولوجية والكيماوية يصبح تثبيت حظرها اكثر رجحاناً. تصف القصص اللاهوتية الاوبئة العشرة التي ارسلها الله على الخاطئين، لكن الوباء أو الطاعون الحادي عشر هو بالكامل من صنع البشر ويفرضه كائن بشري، ووقع هذا الامر يمثل فشلاً أخلاقياً، وتجنب هذه الاسلحة يمثل بياناً للأدب الانساني وهو فعل لرغبة تتمخض عن مباديء سامية ومن الصعب علينا ان نتحمل اقل من ذلك.