اقنعت الطريقة التي تسير عليها الأمور في ايطاليا اغلبية الناخبين، وبشكل ناجح ولكنه غير واضح، بأن ايام الاحزاب السياسية التقليدية قد ولت، ويرجع هذا الأمر الى حقيقة بسيطة، مفادها انه منذ فترة الثمانينيات اخذ النظام السياسي الايطالي في التدهور بشكل ينذر بالخطر، البعض يتحدث عن فساد وتدهور اخلاقي، واستشرى الفساد ووصل حجمه الى درجة مفزعة، وتسبب وجود المخادعين واللصوص في النظام السياسي في خسارة الدولة، اكثر من 75 مليار يورو، وادى التمويل السري للاحزاب الى ايجاد شريحة من السياسيين تتمتع بثراء فاحش. لاسيما بين الاشتراكيين والديمقراطيين المسيحيين. وقد كتب الصحفي المستقل اندرو مونتانيللي موضحاً ان: «اي شخص له عينان يشاهد بهما يمكنه ان يرى ان اسلوب حياة مسئولي حزب معين لا يمت بأية علاقة الى مستويات دخولهم المعلن عنها. وخلال حملة تطهير الايدي عام 1992 قام القاضي انطونيو دي بيترو بالكشف عن شبكة هائلة للفساد تورط فيها عدد من رجال الاعمال السياسيين، فقد تم اتهام رئيس الوزراء الايطالي السابق وزعيم الحزب الاشتراكي بتينو كراكس بمراكمة ثروة بطريقة غير قانونية، واستقال وسط اجواء من الفوضى وصل بها الامر الى مهاجمته شخصياً من قبل الجمهور ومحاولة قتله، وجاء بعده زعيم الديمقراطيين المسيحيين جوليو اندريوتي، الذي كان ايضا رئيس وزراء سابق. وتم سبه وقذفه علناً واتهامه بالتواطؤ مع المافيا وارتكابه جرائم قتل. وادى سقوط هذين العملاقين الى حدوث صدمة شديدة في اوصال النظام السياسي وفي خلال اشهر قلائل، لحقت الفضائح بمئات من النواب واعضاء مجلس الشيوخ والوزراء السابقين وتمت محاكماتهم من قبل القضاة وهاجمتهم وسائل الاعلام بشكل عنيف للغاية. وادى تراكم تلك الاتهامات بالفساد المالي الى رفض شعبي للطبقة السياسية التي فقدت مصداقيتها تماماً بعد تلك الاتهامات العنيفة وكما وصف الحال ايريك جوسزيف كان هناك قدر كبير من الفراغ السياسي واحساس بالرعب بلغ من القوة ما دفع البعض الى خشية وقوع انقلاب على نظام الحكم. ولكن بدلاً من ان يحدث ذلك الانقلاب قام التلفزيون بعملية تنويم مغناطيسي للشعب الايطالي فجاء سيلفيو برلسكوني المتحالف بالفعل مع العناصر الفاشية للتحالف الوطني واعداء الرابطة الشمالية ليفوز بأول انتخابات له ويصبح رئيساً للوزراء في الفترة من مايو حتى ديسمبر 1994، وانتهت المرة الاولى لتوليه رئاسة الوزراء نهاية مفاجئة ولكن من دون ان يثنيه الامر عن خوض غمار الانتخابات مرة اخرى، وعلى الرغم من اتهامه بارتكاب تجاوزات مالية وعقد اتفاقات مشبوهة والقيام بأعمال فساد، تداخلت وتراكمت العوامل كي يرجع مرة اخرى لرئاسة الوزراء في مايو 2001. ولكن ما هي تلك العوامل؟ اولاً ثروته الهائلة فبرلسكوني يمثل المرتبة الرابعة عشر في قائمة اغنى اغنياء العالم، وهو الرجل الاكثر ثراء في ايطاليا، وقد بنى ثروته من العدم بفضل حماية صديقه الاشتراكي بتينو كراكسي في باديء الامر، وعن طريق سلسلة من المؤامرات وعمليات الاحتيال حقق نجاحاً في مجال المنشآت، ثم في مجال متاجر سوبر ماركت والتوزيع، ثم في مجال التأمين والاعلان واخيراً في مجال صناعة السينما والتلفزيون فبجانب مجموعة بيرتلسمان وروبرت ميردوح وليو كيرش دجان ماري ميسير، اصبح بيرلسكوني واحداً من اباطرة الاعلام في أوروبا. وبرلسكوني بفضل ثروته وتأثير قنواته التلفزيونية، اثبت احد حقائق العولمة وهي انه عندما تكون لك قوة اقتصادية واعلامية فإنك تكتسب السياسة بشكل تلقائي تقريبا وبشكل ناجح ايضا استطاع عن طريق حزبه «قوة ايطاليا» ان يكسب حوالي 30% من اصوات الناخبين في انتخابات مايو 2001 مما جعل حزبه الحزب السياسي الرئيسي في البلاد. ونظراً لكونه من انصار الحزب الشعبي واحد الذين يمثلون طبقة الدهماء، فإن برلسكوني لم يدع الاحساس بالشك او التردد يقف في طريقه فعند اختياره لشركائه السياسيين لم يتردد قط في عقد اتفاقات مع فاشيين سابقين امثال جيانجرانكوفين واحد دعاة التمييز العنصري اومبرتو بوسي، ويمثل هؤلاء الثلاثة اكثر ثالوث يثير الغثيان على نحو بشع في اوروبا بأسرها، وقبيل انتخابات مايو علقت مجلة «الايكونوميست» على التهم الموجهة ضد برلسكوني ملمحة الى انه لا يصلح لحكم ايطاليا وانه خطر على الديمقراطية ويمثل تهديداً لحكم القانون. وقد ثبت صحة هذا التوقع الكئيب فبعد الانهيار المؤسف للاحزاب التقليدية في ايطاليا، وقف المجتمع الايطالي، الذي كان يضرب به المثل في التطور والحنكة، موقف المتفرج الذي لا حول له ولا قوة يشاهد مزيداً من التخبط في النظام السياسي الذي غدا اكثر فوضوية وارتباكاً وسذاجة وخطورة على نفسه، وبطريقة البائع المتجول الذي ينادي على بضاعته في الاسواق وبفضل احتكاره للاعلام التلفزيوني يقوم برلسكوني بانشاء ما يصفه الفائز بجائزة نوبل الايطالي داريو فو بأنه «فاشية جديدة» والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو الى اي مدى يمكن ان ينتشر هذا النموذج الايطالي المقلق الى بقية اوروبا. عن إجناسيو رامونيه في «لوموند دبلوماتيك»