تملأ الادارة الامريكية الدنيا بالحديث عن خشيتها من تعرض المدن الامريكية الكبرى لموجات من الهجمات بالأسلحة الجرثومية التي قد تحصد أرواح الملايين. وقد مضت السلطات الامريكية قدماً فأعدت سيناريوهات مختلفة لمواجهة هذه الاحتمالات . وعلى الرغم من حملات واشنطن المناهضة لتطوير اسلحة الدمار الشامل، الا انها تلتزم الصمت المطلق ازاء ما لدى اسرائيل من اسلحة تقدر بما لا يقل عن 400 قنبلة نووية. ومؤلف هذا الكتاب هو بروفيسور ليونارد كول الاستاذ المساعد للعلوم السياسية والتقنية بجامعة روتجرز ، وقد حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا عام 1961 وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1970 وله العديد من الابحاث والمؤلفات في موضوع هذا الكتاب. عقدة الخوف من احتمال تعرض الولايات المتحدة لهجمات سرية بالاسلحة الجرثومية تدفع واشنطن دوما لانفاق مئات الملايين من الدولارات لتطوير اجهزة انذار مبكر لرصد امكانية حدوث مثل هذا الهجوم في مدينة امريكية او اكثر، وخلال اختباراتها لكفاءة تلك الاجهزة تطلق الاجهزة العسكرية الامريكية اطنانا من البكتيريا وهو ما يثير فزع العلماء حتى داخل امريكا ويشيرون الى وجود قلق حقيقي، ويدعون لتعاون دولي يهدف الى تحقيق الشفافية الكاملة. في مايو العام 1994 قدم وكيل وزارة الدفاع الامريكية جون دويتش تقريرا حول الانشطة المضادة الخاصة بأسلحة الدمار الشامل. وكتب في تقريره يقول ان اجهزة رصد العنصر البيولوجي على نحو خاص لم تتم متابعتها بصورة جيدة وكافية، واوصى التقرير باضافة 75 مليون دولار اخرى الى الميزانية السنوية البالغة 110 ملايين دولار امريكي المخصصة لتطوير وسائل اقتفاء ورصد العناصر البيولوجية العسكرية، وفي غضون ذلك كانت برامج تحظى برعاية البنتاجون قيد الاستخدام ولها اسماء غريبة مثل «رصد الطيف» و «كشف الطيف الشمسي». الرصاصة الفضية بعد عام قدم منسق المشروعات الدفاعية البيولوجية العسكرية مراجعة تامة لحجم التقدم، وفي سن الخامسة والخمسين كان كولونيل وولتر بوسبي يقف منتصبا وكله ثقة. وكان مكتبه قد انشيء عام 1992 بعد الذعر البيولوجي خلال عاصفة الصحراء واطلق على مكتبه اسم «مكتب البرنامج المشترك للدفاع البيولوجي» وكان بوسبي اعلن «ان ما نرغب فيه هو الحصول على تقنية تستقصي وتحدد هوية الجزيئات من خلال الفحص الطيفي وهو نوع من وسائل التأين او التجزئة او التحليل». واضاف انه بتطوير «مكتبة» من الشظايا ومنتجاتها المتأينة يمكننا ان نكون قادرين على الوصول لانتاج «الرصاصة الفضية». ويلاحظ ان الرصاصة الفضية التي تحدث عنها بوسبي هي راصد لنوعية العناصر البيولوجية ويظل الهدف بعيد المنال. وفي غضون ذلك يقوم الجيش بتطوير مقاربة اكثر حدودا قادرة على تحديد طبيع عناصر بيولوجية محددة من خلال المزج مابين الاجسام المضادة ومضادات الجينات. واوضوح ان سحابة الجمرة الخبيثة، هي سحابة غير مرئية، ولن يتأكد للناس انهم يستنشقون تلك الاجسام الميكروبية ولن تظهر الاعراض الا بعد 24 ساعة او 72 ساعة بعد التعرض للجرثومة. واذا لم يتم علاج المصابين فان 99% من الاشخاص الذين استنشقوا الجمرة الخبيثة سيلفظون انفاسهم. ولكن اذا تم العلاج في غضون 24 ساعة باستخدام المضادات الحيوية فان العلاج سيكون مجديا بنسبة 100 في المئة بالنسبة للاشخاص الملقحين قبيل تعرضهم للجمرة الخبيثة. ولاشك انه بدون تحصين مسبق فإن اي علاج بالمضادات الحيوية لن يكون مجديا حتى لو كان في الساعات الاولى من الاصابة. اذن لا عجب، من سعي المسئولين العسكريين للحصول على «نظام رصد». ولكن الى اي مدى تم تحقيق خطوات متقدمة لانجاز ذلك؟ يقول بوسبي ردا على هذا السؤال «لدينا حاليا 9 نماذج اولية لنظام الرصد المتكامل، وهو نظام على عجلات يهدف لتحذير اي جندي في الميدان واضاف بوسبي قائلا ان هناك انظمة تحذير طويلة المدى يجري تطويرها الآن». ويقوم نظام الرصد المتكامل بمحاولة لترسيخ وجود المواد البيولوجية من خلال اساليب التعرف على النوع. ويشمل ذلك استخدام الادوات التي تحدد الحجم الجزيء ووجود الاحماض النووية والعمليات الخاصة بالطاقة التي تشير الى النشاط البيولوجي، ويتم عندئذ تعريض انموذج مشابه على اجسام مضادة لعنصر بيولوجي خاص مثل بكتيريا الجمرة الخبيثة (انثراكس باسيلوس). وينبه رد الفعل المضاد الى ان بكتيريا الجمرة الخبيثة موجودة، وهي عملية تستغرق 30 دقيقة، ووفقا لبوسبي فإن نظام الرصد المتكامل يمكه الآن ان يحدد اربعة عناصر من خلال رد فعل الاجسام المضادة والجينات المضادة ويتوقع بوسبي ان يتم ابتكار وسائل اخرى لرصد عناصر جرثومية اخرى مثل الريسين واجسام ميكروبية اخرى تسبب الكوليرا وحمى الارانب التي تنتقل للانسان وتسبب له التهابات شديدة في الغدد الليمفاوية وحمى التهابية خطيرة اخرى. لكن مسئولا امريكيا قريبا من هذا التطور، يشغل منصب مستشار حكومي، اعرب عن تشاؤمه حيال اقتراب تحقيق ذلك، ورأى ادوات نظام الرصد المتكامل واعرب عن دهشته ازاء تخلفها وقال: «لا يبدو لي انها قادرة على تشخيص هوية العناصر الجرثومية الاربعة، كما تبدو عليه او يفترض، وانظروا كم من الملايين الكثيرة التي انفقت لتطويرها». وصرح بوسبي ان التحقيقات المخبرية لتحديد عناصر اضافية، من خلال ردود فعل الاجسام المضادة والجينات المضادة تجري على قدم وساق. لكن العشرات من الميكروبات والمواد السامة تعرف انها عناصر مساعدة على صنع الاسلحة الجرثومية ولايزال من غير المؤكد ما اذا كانت قادرة على كشف سلسلة كاملة من العناصر الجرثومية او حتى معظمها.واوضح بوسبي ان نظام (الرصد المتكامل) سيكون «دوما قاصرا على القدرة الحالية لمركبات مضادة للجينات وللاجسام حتى يتم تحديد هوية العناصر، وأرى في ذلك ما لا يسر». والحقيقة انه حتى هذه اللحظة لايوجد جهاز نظام رصد متكامل مناسب للاستخدام الميداني، ويأمل بوسبي ان تتوفر انظمة صغيرة يمكن الاعتماد عليها في غضون عقد من الآن. ويجري حاليا اختبار نظام «بي. آي. دي. اس» نظام الرصد المتكامل وانظمة رصد اخرى في قاعدة دوجواي بروفنج جراوند في يوتاه، وذكر بوسبي ان طائرة هليكوبتر تحمل على متنها جهاز ليزر قادرة الآن على رصد جزيئات في سحابة اطلقتها طائرة رش، ولكن ماهي المواد التي تم رشها خلال الاختبارات؟ يقول بوسبي «لقد حصلنا على تصريح وموافقة من ولاية يوتاه ومن وكالة حماية البيئة لاستخدام بكتير «باسيلوس سبتيلنيس» الذي طالما ذكر الجيش انه منشط آمن، وقد اختبر دائما في الهواء الطلق منذ امد بعيد. وتم ايضا على مدى سنوات طويلة اختبار ميكروب «ش» الذي استخدم ايضا كمبيد حشري في الزراعة.واكد بوسبي ان عناصر بيولوجية عسكرية لم يتم اطلاقها (بالرش) خارج المختبرات نقوم بفحص الميكروبات المختلفة في حجرة مغلقة بالكامل باستخدام انظمة رصد متكاملة للتعرف على الآلية الحقيقية للانثراكس وسم البوثولينوم، كما تستخدم الانظمة خارج المختبر فيما بعد اعتمادا على المواد المنشطة فقط. مهما كانت الوسائل الدفاعية شاملة ضد اي هجوم بيولوجي غير قادرة الا انها في ظل بعض الظروف يمكنها توفير الحماية، فاذا كان مفهوم الدفاع مناسبا اذن فلا يمكن اعتبار ابحاث الدفاع عاجزة برمتها ولذلك فان الغاءها مسألة غير واقعية. وطالما بقي خطر تهديدات الهجوم البيولوجي قائما، فان استمرار تطوير وتحسين اقنعة الغاز واللقاحات أمر يظل مشروعا ولكن تجاهل قصورها هو في الواقع تجاهل للحقيقة.وفي الواقع فإن الحماية الفعالة الاعظم ضد اية اسلحة جرثومية (بيولوجية) ستكون الوقاية. وبعيدا عن تقوية معاهدة الاسلحة الجرثومية فان عرضين لهما الهدف ذاته ظهرا إلى السطح في العامين الاخيرين. الاستطلاع واللقاحات والسلام يقع منتجع كوهلونجسبورن على ساحل البلطيق فيما يسمى سابقا بالمانيا الشرقية، وفي سبتمبر العام 1990 وقبل اسبوعين من اعادة توحيد المانيا اجتمع نحو 30 مفكرا ودبلوماسيا من جميع انحاء العالم، في هذه البلدة، للتباحث بشأن التوصل الى وسيلة للحيلولة دون السباق العسكري الجرثومي. وبات بعدئذ المؤتمر نقطة انطلاق فكرتين جذبتا في النهاية اهتماما عظيما.احداهما صدرت عن مارك ويليس عالم الميكروبات من جامعة كاليفورنيا وهي فكرة تخص المسح او الاستطلاع الوبائي الجرثومي.اما الفكرة الاخرى فمصدرها ارهارد جيسلر وهو عالم جينات قام بتنظيم المؤتمر الذي اصبح يطلق عليه «لقاحات من اجل السلام». تساءل ويليس لم لا تتم اقامة نظام يمكنه ان يكتشف المرض سريعا عند انتشاره في انحاء العالم؟ ويستطيع المسح الوبائي العالمي ان يساعد على تكريس ما اذا كان انتشار الاوبئة سببه جهة معادية، وبهذه الصورة فان النظام يعزز الاستجابة لشروط معاهدة حظر استخدام الاسلحة البيولوجية ليس عن طريق المكشاف فقط بل عن طريق المسح العالمي. ودعا ويليس الى مقاربة ذات شعب اربع: ـ نظام لتوفير المعلومات لكشف الاوبئة. ـ اليات من اجل الاسراع بالاختبارات المخبرية. ـ قدرة تحليلية للتعرف على الاصل. ـ ضرورة وجود سجلات للحفاظ على خط اساس ولفهم الانماط المرضية في انحاء العالم. ولكن كيف يمكن معرفة ما اذا كان انتشار المرض ناجما عن جهة معادية او عن ظروف طبيعية؟ ويقول ويليس ان «عددا من الظروف المشبوهة قد تفترض وجود حرب بيولوجية سرية». ولا شك في ان العنصر المسبب لانتشار المرض قد يكون معروفا من قبل من المجموعة المخبرية او من انماطها الجينية التي قد تفترض انها هي التي تستخدم، ويمكن ان تثار الشبهات اذا كانت وسيلة عادية للانتقال غائبة (مثل الحشرات او البعوض عموما) او اذا كان سبب المرض وسائل غير متوقعة مثل استنشاق ميكروبات لا توجد في الجو غالبا. وعادة ما يمكن الاشتباه ايضا بنسب الوفيات العالية أو بالتوزيع الغريب للانماط. واقترح ويليس ان يقوم بادارة النظام منظمات قائمة ولها وجود مثل الامم المتحدة والمنظمات الملحقة بها مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الغذاء والزراعة وهي منظمات خصصت سابقا لمراقبة الامراض الخاصة بالانسان والحيوان والمحاصيل الزراعية. ودعمت التعليقات افكار ويليس على نطاق واسع، ولكن بخصوص القلق الذي يشعر به، وليس تأكيداته، وتستند التعليقات على قضية اساسية وهي ان برنامج المسح الوبائي الجرثومي ينبغي ان يتم تعزيزها لفهم انماط المرض بصورة عامة، وفي الوقت ذاته تقوية معاهدة الاسلحة الجرثومية التي سيكون لها جوانب مرغوبة.وتلقى ويليس النصيحة، وكتب في 1994 يقول انه على الرغم من ان فكرته «تنمو من اعتبارات خاصة بالسيطرة على الاسلحة فإنه من الواضح ان المنافع الاساسية لهذا «النظام انما» تكمن في مجال الصحة العامة بصورة اكبر واعم». وتأتي هذه الاعتبارات من توسيع المرافق الصحية التي يحتاج اليها في التشخيص والكشف المبكر عن الامراض التي تنشأ. بحلول العام 1995 ضم ويليس جهوده الى مشروع رعته رابطة العلماء الامريكيين التي تعرف باسم «بروميد» (برنامج مراقبة الامراض الناشئة) وعلى الرغم من انه ليس لها صلة ظاهرة بالاسلحة البيولوجية فان «بروميد» تشترك مع اقتراح ويليس الاستطلاعي بالكثير من الاهداف وقد اسس البرنامج في العام 1993 في اجتماع شاركت فيه منظمة الصحة العالمية وحضره نحو 60 خبيرا دوليا متخصصين في صحة الانسان والحيوان والنبات، وتعمل «بروميد» في انشاء نظام انذار ضد اندلاع الامراض «لمنع انتشار المواد المجرثمة الجديدة او المسببة للامراض او التي تنبثق عن جراثيم مسببة للامراض تنتشر على مستوى وبائي. وقد نقل مؤتمر عقد في فبراير 1996 واستمر طوال اسبوع المبادرة وجعلها قريبة من التفعيل ويؤمن ويليس مثله مثل باقي قادة «بروميد» بأن النظام بامكانه تحقيق الهدف الرئيسي من اقتراحه الاصلي لتحديد ما اذا كان اندلاع اي مرض له صلة بمصدر معادي. لقاحات من أجل السلام جاءت لقاحات جيسلر بعد ان ناقش المجتمعون في مؤتمر كوهلينجسبورن عام 1990 مخاطر ابحاث الاسلحة البيولوجية واقترح جيسلر برنامج تحصين برقابة مدنية ضد الاستخدام المعادي للعناصر البيولوجية والسامة كعلاج فعال. وسيؤدي نقل كل نشاط التلقيح الى القطاع المدني الى توفير الشفافية الضرورية لبعث الثقة في مسألة الامتثال لمعاهدة الاسلحة البيولوجية وباستثناء ذلك فانه سيرضي المطالب المدنية للحصول على لقاحات مضادة وسيلبي المطالب العسكرية من دون اثارة اي شبهات بشأن النوايا الهجومية. تأثيرات توفير الشفافية وبناء الثقة للقاحات من اجل السلام ستتعرض لعرقلة خطيرة، اذا لم تقد الى تحول كامل لجميع الابحاث البيولوجية الطبية من المؤسسات العسكرية ومقاوليها لوصفها تحت الرقابة المدنية. وبدأت تثار جملة اسئلة وتتصعد على الرغم من انه جرى تخفيف لهجة البيانات اللاحقة الى «التحول حسب ما يمكن ان يكون مناسبا» وانتقد جراهام بيرسون البرنامج المقترح على ثلاثة اسس: 1ـ ان تطوير اللقاحات لمصلحة صحة الجمهور والدفاع البيولوجي قد لا يحقق بالنتيجة الهدف. 2ـ اذا كانت اللقاحات متوفرة عالميا فإنها ستتيح «للعدو المحتمل ان يفحص ويقيم ويلتف، ويستنكر لاي قيم دفاعية». 3ـ ان تحويل القدرات الدفاعية البيولوجية من مراقبة عسكرية الى مدنية سيضعف الدفاعات البيولوجية وبهذه الطريقة سيزيد من مدى المواد المتوفرة واستخدام الاسلحة البيولوجية لدى اي عدو محتمل. رفض جيسلر مزاعم بيرسون بأن برنامج التلقيح من اجل الصحة والدفاع البيولوجي قد لا يحقق اي هدف، وقال ان استئصال الجدري من العالم بسبب تلقيح عالمي واسع اثبت عكس هذا المنطق. ورفض جيسلر ايضا مقولة ان التطعيم من اجل السلام قد يعزز مخاطر انتشار السلاح البيولوجي بدلا من ان يقلصه، واشار الى ان معظم المعلومات الخاصة بصناعة الاسلحة البيولوجية باتت متاحة للجميع، واكثر من ذلك فان حق الحماية لا يقتصر على القوات المسلحة بل يطال كل الناس حماية لانفسهم من مخاطر الاسلحة البيولوجية. وكذلك فان العناصر المعروفة قد تكون مسئولة ايضا عن انتشار المرض. وانضم آخرون الى دفاع جيسلر القوي عن التحصين من اجل السلام، واكد هؤلاء ان اي مرفق عسكري ينتج اللقاحات يمكن ان يصنع العناصر الهجومية ايضا، واكثر من ذلك فان توفير اللقاحات في انحاء العالم سيثبط الاهتمام ببرامج تطوير الاسلحة البيولوجية. ولم يكن بيرسون الوحيد، بالطبع فقد بدأ آخرون باثارة الجدل بعمق اكبر منه واشاروا الى ان اللقاحات من اجل السلام قد تعزز انتشار الاسلحة البيولوجية، التي لابد من تجنبها بأي ثمن وبهذه المعارضة الحادة قام جيسلر بتعديل العرض. وبقدوم العام 1995 تمت صياغة خطة جيسلر وتحولت الى شكل اكثر فعالية تحت عنوان «برنامج من اجل التحكم بالامراض المعدية المقبلة» (بروسيد) ولم يطلب البرنامج المشاركة وبناء عليه لم يطلب تحويل جميع المرافق الخاصة بالاسلحة البيولوجية على الرغم من ان «بروسيد» قد تسهم بمثل هذا التحول على المدى القصير والبعيد. وقامت «بروسيد» كلجنة محركة تضم جيسلر بخيار سياسي، وعكس النص الجديد، بعد التأكد من ان الولايات المتحدة ودولا اخرى من غير المرجح انها ستقوم بالتخلي عن ابحاث التلقيح العسكرية، ما هو ممكن، وبتخفيف اكثر فكرة خلافية اصبح البرنامج مستساغا على مستوى واسع، ولكن جوهر مبادرة جيسلر تلاشى.اصيب جيسلر بخيبة امل وصرح بقوله: «نعم اني آسف للاعتراف بأنه كان علي التخلي عن فكرة اللقاحات من اجل السلام الاصلية لانها كانت غير واقعية من وجهة نظر اقطار حلف «الناتو» خاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والمانيا». وشعر باحباط على نحو خاص في ضوء الكشف الجديد حول امتلاك العراق لبرنامج اسلحة بيولوجية.ويعتقد جيسلر ان نجاح العراق في التهرب من مفتشي الامم المتحدة لسنوات بعد حرب الخليج هو ما اثار قلقه الحقيقي. وبالنسبة اليه فذلك يعني ان المحاولات التقليدية لمنع الحرب الجرثومية ستفشل وقال ان الطريقة الوحيدة لتحقيق الرقابة هي تعاون دولي وفقا لشفافية كاملة.والواقع ان الناس الساعين في نضالهم لتحقيق سلام بيولوجي انما يعيشون في خضم بحار عاتية الامواج ومتلاطمة فمهما تكون مقاربتهم المفضلة، فهم يواجهون عقبات تقنية ومالية وسياسية منيعة. وينبغي على المتحمسين لبرامج دفاعية قوية مثل بوسبي وبيرسون ان يتحققوا بأن في الكثير من السيناريوهات الكثيرة فان الدفاع البيولوجي مستحيل وتبدو فكرة توفير حماية فعالة لعدد كبير من السكان من خلال التحصينات والملابس الواقعية وانظمة الكشف وتحديد الهوية مسألة نبعت من الأمل وليس من الاحلام القابلة للتبرير. ولا يحظى الامريكيون الآن بحماية افضل ضد اي هجوم بيولوجي من تلك المفترضة عندما بدأ برنامج الابحاث العسكري قبل نصف قرن، وانفقت الملايين من الدولارات باسم البرامج الدفاعية البيولوجية وبلا شك ستنفق ايضا المزيد من ملايين الدولارات الامريكية، ولكن من غير المتوقع ان يطرأ تحسن كبير وسيظل مثل هذا التحسن هامشيا.