الملف السياسي: في مقال قديم للمفكر الثاقب صمويل هنتنجتون ذكر ان مشاكل فرنسا السياسية لا يمكن حلها الا بأمركة النظام السياسي الفرنسي.. أي استيراد فرنسا للتجربة السياسية الامريكية التي تخطت مرحلة الايديولوجيا واستطاعت ان تبلور القوى السياسية حول مسلمات عامة تكفيها شر التشرذم والتصادم والصراع. كان هنتنجتون يشير إلى تمكن الاباء التأسيسيين الأمريكيين من تصميم نظام دستوري يميل بطبيعته نحو التعادل وقبول انصاف الحلول، ونزعة الشعب الامريكي نفسه إلى الوفاق ونفوره عن الشقاق، وبالتالي تمكنه من الوصول إلى صيغة نظام الحزبين المتشابهين كثيراً في برامجهما السياسية، والمتعادلين تقريبا من حيث قوتهما الانتخابية حيث يتمكن احدهما من الفوز بفارق ضئيل في الاصوات ويتربص الاخر في المعارضة ليفوز في المرة المقبلة بنحو ذلك الفارق الانتخابي الهزيل.. ولم يفت على هنتنجتون في خاتمة ملاحظته ان يشير ـ على سبيل التواضع أو التوريط ـ إلى ان على فرنسا ان تستعيد بضاعتها من امريكا.. وهو يقصد بذلك إلى ان النظام السياسي الامريكي، هو بضاعة فرنسية الاصل استوردها الآباء التأسيسيون الامريكيون قديماً وطوروها عن كتابات «مونتسكيو» في الاساس.. التنوع الايديولوجي الفرنسي ان ذلك الحل «الآلي» الذي طرحه هنتنجتون لم يلتفت اليه الفرنسيون لعدم جدواه للحالة الثقافية الفرنسية ذات التنوع الفكري والايديولوجي المثير، وهي حالة لا يسهل اختزالها في لونين فكريين وايديولوجيين متقاربين تقارب الحزبين الامريكيين. ان تلك البراعة العملية الامريكية يصفها الفرنسيون بانها حالة «عقم فكري» لا يمكن ان تلجأ اليه فرنسا مهد الثقافات والفلسفات بأي حال. يضاف إلى ذلك ان شعور الكبرياء الفرنسي المتحدي لكل ما هو امريكي لا يمكن ان يسمح للفرنسيين، باستيراد النمط السياسي والدستوري الامريكي، حتى ولو كان بضاعة فرنسية في الاساس، وليس للأمريكيين عليه سوى فضل التنقيح والتحسين، واذا قبل الفرنسيون استيراد الصيغة السياسية الامريكية، فكيف تنهض لهم حجة بعد ذلك في الوقوف ضد الدفق الاعلامي، والسينمائي والموسيقي الأمريكي، الذي يزعم الفرنسيون انه يجتاح أوروبا، قبل ان يجتاح مجاهل افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية. ان ما ساقه هنتنجتون عن ريادة التجربة الدستورية الفرنسية واقتباس الامريكان منها امر صحيح لا ريب فيه، الا ان ذلك الامر لا يتعلق بالاحزاب، حيث ظهرت الاحزاب السياسية في امريكا قبل ان تظهر في فرنسا. ظهرت الاحزاب الامريكية في القرن الثامن عشر في مناخ سياسي وايديولوجي سلمي ومتجانس إلى حد ما، وذلك على خلاف ما كان عليه الوضع الثوري والحربي المتأزم في فرنسا حين ظهور الأحزاب فيها، وقد تشيعت جذور الاحزاب الفرنسية برواسب تلك التأزمات والانقسامات، ولا تزال تحملها حتى الآن، ان المتطرفين العرقيين والثقافيين موجودين في امريكا، ويمثلهم «بات بوكانين» ولكن لا احد يأبه به، وهو يخوض الانتخابات الرئاسية دورياً ولكنه لا يؤخذ مأخذ الجد من احد ولا يذكر الا على هامش التغطيات الخبرية، وهو كمذيع في محطة CNN اشهر منه سياسياً أو منظراً ايديولوجيا في امريكا.. بلد الرتابة السياسية التي تنفر من كل تطرف أو ابتداع أو تهييج، فمن كان مبتدعاً أو مبدعاً فليبدع في أي شيء الا في الايديولوجيا والسياسة. وهذا خلاف ما عليه الحال في فرنسا حيث يستطيع متنطع عرقي فظيع كجان ماري لوبن وصلت الى نحو 17% في الجولة الاولى للانتخابات أي نحو 25% في الجولة النهائية في 5 مايو المقبل. ان فشل لوبن مؤكد في تلك الجولة وقد لا تصدق تكهنات اولئك المحللين وقد تتراجع نسبة الأصوات التي يحصل عليها، ولكن تبقى الدلالة شاخصة وهي وجود حالة توتر واحتقان ثقافي وقومي فرنسي استثمره لوبن وراهن عليه. ان لوبن ظاهرة وليس شخصاً. وهو كشخص ذكي استطاع ان يلمح الظاهرة ويفهم مغزاها ويدرك لحظة فورانها وتصاعدها ومن ثم طرح نفسه ممثلاً لها. ان حالة عدم الثقة في الذات الفرنسية حالة تعتور مجاميع واسعة من الفرنسيين، وقد دعت تلك الحالة الكثيرين إلى الاستلهام إلى التفوق والهيمنة الأمريكية من خلال عملية «العولمة»، ولكنها دعت الكثيرين إلى التمرد والمشاكسة والصراع، ومن هنا طرح لوبن نفسه ممثلاً للقومية الفرنسية وقائداً لذلك الصراع ضد الثقافات الاخرى. ومن خلال دعوته لصراع الثقافات ودحر الثقافات المعادية سواء أكانت اوروبية أو سامية «عربية أو يهودية» يكرر لوبن دعوته لتصفية الثقافة الفرنسية من كل الشوائب التي يمكن ان تتعلق بها، والضغوط التي يمكن ان تمارس عليها، وهو على استعداد في هذا الصدد لكي يقدم كل التضحيات اللازمة من رفض الاتحاد الأوروبي رغم مزاياه الاقتصادية الكثيرة، كما انه على استعداد لادخال فرنسا في سياق تعاملات غير حضارية تسيء إلى صورتها كثيراً في الخارج وذلك بدعوته لتجميع الاجانب في معسكرات اعتقال بانتظار الترحيل إلى مصير مجهول وهو تضخيم لمشكلة تعاني منها كافة الدول الاوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ولكنها لا تنفعل بها إلى حد التشنج كما يفعل لوبن بهذه المشاعر العنصرية البدائية الفظيعة. ان لوبن اصيل فيما يدعو اليه من ممارسة الضغط على الاجانب وطردهم، ولكنه لا يخلو من تضخيم للمشكلة لاستثارة العاطلين عن العمل من اجل التصويت له. وهؤلاء ليسوا عاطلين عن العمل بسبب الاجانب وهم يعرفون ذلك جيداً، فنوعية العمل الذي يؤديه الاجانب «غير القانونيين» يحجم اصحاب البلاد الوطنيون عادة عن القيام به، لاسباب تتعلق بالانفة وعدم الجدوى، ولذلك يغضون الطرف، وتغض السلطات الطرف أيضاً عن ذلك الوجود الاجنبي غير القانوني، وهكذا يختلق لوبن روابط وهمية بين الظواهر، ويتشبث بها جاهداً من اجل الوصول إلى أصوات العاطلين، وفي اغلب الظن فانهم لن يمنحوه اصواتهم اذ انهم في الغالب سيكونون من ضمن الشريحة السلبية الصامتة التي لا تصوت، فبينهم وبين لوبن مشبه واحد، هو السلبية القاتلة، فان كانوا قد انعزلوا عن الحياة الانتاجية الايجابية، فقد تعرى هو عن الحياة السياسية الفكرية الايجابية، وانطلق يروج بسائط افكار العوام الذين يميلون إلى العكوف طويلاً امام الظواهر غير المألوفة التي لا يستطيعون تفسيرها فيستوحون منها معاني هي ابعد ما تكون عنها ولكنها اقرب ما تكون إلى مخيلاتهم المشحونة بالهوس المضني ثم إلى عواقب الشؤم. ثمن الحماقة وحتى الآن فقد انطلقت اصوات النقد في كل مكان تندد بتطرف لوبن وتنظيمه بخصوص الشوفوني، وفي فرنسا سار مئات الالاف من المتظاهرين يتبرأون من غلوائه ويعلنون تأييدهم لخصمه المعتدل شيراك وفي مواجهة المتظاهرين لم يجنح لوبن نحو السلم ولا الاعتدال، وانما صعد لهجته الخطابية التي كان قد ضبطها قليلاً قبيل الجولة الماضية من الانتخابات وشن هجوماً عنيفاً على المتظاهرين وعلى شيراك وعلى السياسيين الأوروبيين الذين انتقدوه بشأن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والمستشار الالماني جيرهارد شرويدر، وعلى اليهود غير عابيء بتهديدهم بتحريض الدول الغربية على فرض عقوبات اقتصادية على فرنسا اذا لم تتوقف حملة الافتراء على السامية كما يقولون. وقد انبرى رئيس الوزراء الاشتراكي المهزوم ليونيل جوسبان للتصدي للوبن اذ دعا الناخبين لالحاق الهزيمة به، وان لم يدع صراحة لمنح أصوات الاشتراكيين لجيكار المحافظ، ولكن للناخبين منطقهم الخاص عندما يواجهون الاخطار المدمرة التي يمكن ان تأتي على النظام السياسي برمته. هكذا حرض لوبن الجميع عليه من الداخل، واستعدى الدول الاجنبية عليه وهو لم يفز بعد. ان تلك هي العواقب الطبيعية المنتظرة لأي خطاب متطرف وربما كانت تلك تجربة نافعة لفرنسا على كل حال، ينضبط بعدها الخطاب الايديولوجي ويتراجع، وتحافظ فرنسا على استقرارها السياسي المنقوص من غير ان تطمع في ان تدرك امريكا او تسبقها في هذا المجال، فلكل بلد خلفيته التاريخية، وظروفه الاجتماعية الخاصة ولذلك فان دعوة هنتنجتون القديمة لامركة فرنسا دعوة غير مجدية ولا تعدو ان تفسر في اطار مشروعه القديم لامركة العالم سلمياً، وهو المشروع الذي فشل مع تطاول العمر، فحوله الى مشروع متطرف لصراع الثقافات،لايختلف كثيراً عن مشروع لوبن الا من ناحية عدم نضج لوبن فكرياً وسياسياً. دغمائية المفكرين لقد كان استاذي الالماني الذي تلقيت عليه دروس الفلسفة يقول لي توقع من اي مفكر عقلاني مستنير ان يصبح دوغمائياً متنطعاً في خواتيم العمر. كان يعلق بذلك على ملاحظة لي على بعض التحولات الفجائية والانتكاسات نحو الخلف عند احد كبار الفلاسفة، وقد كانت تلك «فائدة» كبرى تعلمتها على يد ذلك الاستاذ، زادت يقيني بأن الفلسفة ينبغي ان تدرس على يد استاذ مكين، ولا تقرأ قراءة فقط حرة عابرة في الكتب، ومن يومها فقد بت اتبين امارات الانقلاب الدوغمائي لدى المفكرين.. وفي حالة هنتنجتون بالذات فما اشد انطباق تلك الملاحظة عليه. لقد كان هنتنجتون في الستينيات يبدي النصح المشفق من امكانية تردي فرنسا، في صراع الثقافات الذي يدعو اليه الآن لوبن.. ولكن هنتنجتون قد استبق لوبن في الدعوة إلى صراع وتطاحن الثقافات والحضارات، وهو الشأن الذي يرجى ان يتداركه عقلاء فرنسا، فثمة فرق خطير بين دغمائية مفكر أو سياسي فرد وبين دغمائية معدية تسيطر على نظام سياسي برمته فتقوضه من القواعد. ـ استاذ العلاقات الدولية ـ واشنطن