جاء نجاح اليميني المتطرف جان ماري لوبن في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية بمثابة الصدمة والزلزال السياسي الذي هز فرنسا ومعها بقية الدول الأوربية ، وخاصة في ظل ما هو معروف عن توجهات الرجل الذي يدعو إلى انسحاب فرنسا من الاتحاد الأوروبي ، ويكن كراهية شديدة للأجانب الموجودين في فرنسا.. (الملف) التقى د. سعيد اللاوندي الخبير المتخصص في الشؤون الأوروبية في حوار حول أسباب وتداعيات هذا الصعود لليمين المتطرف في فرنسا ومن قبلها صعوده في بعض الدول الأوروبية الأخرى مثل البرتغال والنمسا وإيطاليا والدانمارك، د. سعيد اللاوندي أكد ان نجاح لوبن جاء نتيجة سياسة المثابرة والدأب التي ينتهجها ، وقال ان المخاوف الأوروبية على مستقبل الاتحاد الأوروبي قد يكون لها ما يبررها ولكن في حالة صعود اليمين في كل دول الاتحاد، أما طالما أن الأمر اقتصر على عدد قليل من الدول كما هو الحال فليس هناك مبرر لهذه المخاوف .. وفيما يلي نص الحوار: ـ في رأيك ما هي أهم الأسباب التي دفعت بالناخب الفرنسي لأن يعطي صوته للزعيم اليميني المتطرف جان ماري لوبن ؟ ـ هناك ثلاثة أسباب رئيسية كانت وراء هذا التأييد من الناخبين الفرنسيين لليميني لوبن وبهذه النسبة المفاجئة أولها، ملل الناخب الفرنسي من الأحزاب التقليدية وبرامجها فمرة يفوز اليمين بمقعد الرئاسة ومرة أخرى يتقدم اليسار أو أن يكون هناك تعايش بين المعسكرين، بمعنى الرئيس يكون من اليمين ، ورئيس الحكومة من اليسار كما كانت التجربة الفرنسية الأخيرة ، الشعوب الأوروبية ومنها الشعب الفرنسي ملت هذه الصيغ التناوبية ومن هنا كان وقوفهم وراء مرشح الجبهة الوطنية اليميني المتطرف لوبان ، أما ثاني الأسباب فيتمثل في عجز اليسار الفرنسي عن طرح أطروحات جديدة يؤكد من خلالها مصداقية الشعارات التي كان يرفعها أثناء الانتخابات السابقة ، أما أخر الأسباب فيتمثل في وجود شعور بعدم الأمان لدى المواطن الفرنسي وذلك بسبب ملف الهجرة ووجود هذا العدد الهائل من المهاجرين الذين وصلوا إلى نحو 4 ملايين شخص ، وقد لعب اليمين المتطرف جيدا على هذه النقطة من حيث انتشار بعض الجرائم ووجود بطالة بين المواطنين الفرنسيين تصل إلى نحو 3.5 ملايين شخص ، وأنه لو تم التخلص من غالبية هؤلاء المهاجرين فسوف يتم توفير فرص عمل للذين يعانون من شبح البطالة من المواطنين الفرنسيين ، ورغم أن هذا الطرح بالذات ليس حقيقيا تماما حيث أن غالبية المهاجرين يعملون في مهن لن يوافق المواطن الفرنسي على العمل ، إلا أن الخطاب اليميني المتشدد بهذا الخصوص قد لاقى ترحيبا من الشعب الفرنسي. ـ طالما تحدثنا عن افتقاد المواطن الفرنسي للشعور بالأمن هل يمكن النظر إلى نجاح اليمين المتطرف الفرنسي كأحد تداعيات أحداث 11 سبتمبر التي ربطت بين الإرهاب والعرب والمسلمين وخاصة في ظل وجود جالية عربية إسلامية كبيرة في فرنسا ؟ ـ قد تكون هذه التداعيات التي نتجت عن أحداث 11 سبتمبر أحد العوامل المساعدة ولكننا لا نستطيع الربط بشكل مباشر وكبير بينها وبين صعود اليمين المتطرف ، لأننا لابد أن نسأل أنفسنا إذا لم تقع أحداث 11 سبتمبر هل كان اليمين المتطرف الفرنسي سيفشل في تحقيق هذه النسبة ؟ لقد كان واضحا أن اليمين الفرنسي المتطرف يتقدم بخطى ثابتة وفي صعود دائم ، ففي انتخابات عام 1995 حصل على 15% وهذا العام حصل على 17% وقد أكد لوبان قبل اعلان نتائج الانتخابات الأخيرة أن صناديق الاقتراع ستكشف عن مفاجأة ، أي أن الرجل كان يدرك أنه سيحقق نسبة أكبر وقد يصل إلى المرحلة الثانية وذلك بسبب إشباعه لسياسة تتميز بالدأب والمثابرة. ـ كيف سيكون حال الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية وما هي فرص فوز كل من المرشحين اليميني واليميني المتطرف ؟ ـ لابد أن نكون متأكدين أن لوبن يشعر بأن مكسبه الحقيقي كان في الوصول إلى الجولة الثانية للانتخابات فقط ، حيث أنه لا يطمح ويدرك صعوبة الوصول إلى قصر الإليزيه ولكنه على الأقل صار قاب قوسين أو أدنى في المرات المقبلة ، أما بالنسبة لشيراك فلاشك أنه هو الذي سيفوز لأن من دعموه وأعطوه أصواتهم في انتخابات المرحلة الأولى سوف يعطونه أصواتهم هذه المرحلة أيضا ، يضاف إليهم جميع أصوات اليسار أي أنه سيكون هناك تكاتف بين اليمين واليسار الفرنسي للحيلولة دون وصول لوبن إلى قصر الإليزيه، أي أنه سيكون اليسار أو الاشتراكيون الفرنسيون مرغمين على دعم شيراك حتى يحقق الأغلبية الزائفة للوصول أو الاستمرار في مقعد الرئاسة لفترة جديدة وحتى يقطع الطريق على لوبن. ـ صرح لوبن مؤخرا أنه لو قدر له الفوز في الانتخابات الرئاسية فسوف يعمل على الانسلاخ من الاتحاد الأوروبي فهل يمكن أن يؤدي صعود اليمين المتطرف في فرنسا وكذلك في دول أوروبية أخرى مثل الدنمارك وإيطاليا والنمسا، إلى تهديد مسيرة الاتحاد الأوروبي ؟ ـ بالنسبة لفرنسا معروف أن الأباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي كانوا من الفرنسيين والألمان، وهذا ولد شعورا لدى الفرنسيين بأهمية وجود الاتحاد الأوروبي ، ولكن هذا لا يمنع من القول بوجود رموز فرنسية داخل الخريطة السياسية ترفض فكرة الاتحاد الأوروبي وتتمسك بالقومية والوطنية الفرنسية ومن هذه الرموز لوبن الذي يرى ضرورة اكتفاء فرنسا بذاتها وبعث الوطنية والقومية الفرنسية من جديد مثلما كانت في السابق، ومثل هذه النزعات تثير مخاوف المتحمسين للوحدة الأوروبية من وصول اليمين وأن كنت أرى أنه بالنسبة لفرنسا لا مبرر لهذه المخاوف على الإطلاق ،حيث أن الخروج من تحت مظلة الاتحاد الأوروبي ليس بهذه السهولة فلابد من موافقة البرلمان وهناك إجراءات لابد أن تتم وفقا لمواد الدستور الفرنسي ومن خلال صناديق الاقتراع كذلك. ولكن إذا حدث وتنامى دور الاحزاب اليمينية المتطرفة أكثر في دول أوروبا فهنا ستحدث المشكلة والتي لن تكمن في انهيار الاتحاد الاوروبي ولكنها ستكمن في تعطيل وفرملة الاجراءات التي يقوم بها الاتحاد حاليا مثل انضمام دول أخرى إلى الاتحاد أو ما يعرف بتوسيع الاتحاد الأوروبي وهناك برامج معدة ، لذلك ووصول اليمين المتطرف إلى الحكم في غالبية الدول الأوروبية لاشك سيعوق هذا التطور وغيره من التطورات المنتظرة خلال الفترة المقبلة. ـ قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك ان روح البلاد مهددة اليوم وأن فرنسا جريحة وأن انسجام ووحدة الجمهورية في خطر ما هو مدلول هذه الكلمات من وجهة نظرك؟ ـ هذه الكلمات لابد أن ينظر إليها في إطار السباق الذي جاءت خلاله ، فلا ننسى أن شيراك في موقف صعب وهو في حاجة ماسة للأصوات ولذلك فهو يحاول تجميع الناس من حوله ، وأعتقد أن مثل هذه العبارات التي قد تثير مخاوف لدى الشارع الفرنسي يريد شيراك من ورائها اجتذاب أكبر عدد من الخصوم الاشتراكيين واللعب على وتر الجمهورية الموحدة ، هذا لعب انتخابي وكل مرشح لا يتورع عن فعل أو قول أي شئ للفوز في السباق إلى قصر الإليزيه ،وأذكر هنا أنه في الانتخابات الرئاسية السابقة أن شيراك ومن أجل كسب ود اليمين المتطرف اضطر للهجوم على الجالية العربية والإسلامية لمعرفته مدى كراهية اليمين المتطرف لها وقال وقتها أنه عندما يسير في المناطق التي يسكنها أجانب يشعر برائحة كريهة ، أيضا روكار وقد رشح لرئاسة الحكومة في عهد الرئيس السابق ميتيران قال أيضا أثناء الحملات الانتخابية فرنسا يجب ألا تكون محصلة يتجمع فيها بؤساء العالم وفقراؤهم هذا الخطاب الاعلامي الانتخابي ومعه خطاب شيراك وغيرهم من المرشحين هي خطابات مرهونة باللحظة ذاتها وتهدف في الاساس بحسب أصوات جماعة وفئة بعينها ، ولذلك لايجب التوقف كثيرا أمام حديث شيراك عن روح البلاد المهددة. ـ في ظل وجود جالية عربية وإسلامية بهذا الحجم في فرنسا كيف كان يمكن الاستفادة من وجودها وتاثيرها في الانتخابات الفرنسية في دعم الحقوق والقضايا العربية المختلفة ؟ ـ الجالية العربية والإسلامية في فرنسا يصل عددها إلى نحو 4 ملايين شخص لو حدث تنسيق بينهم لأمكن خلق لوبي عربي إسلامي قوي يستطيع أن يفرض كلمته في الانتخابات وفي غيرها من الأمور ، ولكن الملاحظ أن الجالية اليهودية والتي لا يزيد قوامها على 400 ألف شخص لها تأثير أكبر من الجالية العربية والإسلامية ، ربما يعود لذلك لوجودهم في مواقع ومناصب قوية وأفضل ،ولكن هذا لا ينفي أنه إذا توحدت الجالية العربية والإسلامية فسيكون لها شأن كبير ،ومعروف أن هناك صلات بين شيراك وهذه الجالية ولكن الذي قد لا يعرفه الكثيرون أن لوبن حصل على أصوات بعضها أفراد الجالية العربية والإسلامية لأنه أحدث مؤخرا نوعا من التعديل في خطابه السياسي، فبعد أن كان يعلن ويؤكد في كل مناسبة على ضرورة خروج كل الأجانب من فرنسا، عاد ليقول أنه طالما لدى البعض إقامات قانونية ووظائف فلا مانع من وجودهم بل ومن حقهم أن ينشئوا مساجدهم ليمارسوا فيها شعائرهم أسوة باليهود، أيضا الذي قد لا يعرفه البعض أن لوبن عمل منذ فترة على استقطاب الجيل الثاني للمهاجرين الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية بحكم المولد ، احتضن هؤلاء وأفسح لهم مجالا كبيرا في الترشيح في قوائم للانتخابات المحلية، ومن خلال هذه السياسة حصل لوبن في الانتخابات الرئاسية الأخيرة على أصوات بعض أفراد العربية. ـ الملاحظ أن الفوبيا الأوروبية من صعود اليمين المتطرف في أوروبا انتقلت عدواها بشكل ما إلى المنطقة العربية فما هو تعليقك على ذلك ؟ ـ بصراحة أنا لا أرى مبررا على الإطلاق لذلك فإذا كانت أوروبا تخاف من اليمين المتطرف لأنه يهدد الوحدة الأوروبية ويقضي على هذا الحلم الذي وصل لنتائج باهرة بإطلاق العملة الأوروبية الموحدة ، وإذا كانت إسرائيل تخشى هذا اليمين بسبب الكره لليهود فهناك تصريحات للوبن يسفه فيها من موضوع المحارق النازية لليهود وهو ما تعتبره إسرائيل إهانة بالغة لها ، أما نحن العرب ما هي دوافعنا لكره لوبن أو غيره من زعماء اليمين المتطرف في أوروبا ، لاشك أن الاعلام الصهيوني ساهم في وجود هذه الفوبيا حتى تعمق عداءنا لهذا اليمين المتطرف وهذا في مصلحته ، لقد أعلن لوبن تأييده لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ، ورفع الحصار الدولي عن الشعب العراقي، بل ان مستشاريه وصفوا العمليات الاستشهادية الفلسطينية بأنها عمليات تستحق التكريم ، فماذا إذن الذي يجعلنا نخاف من لوبن ، حتى موضوع كراهيته للأجانب ، هو لا يقصد بذلك الاجانب من العرب ،كما أنه يقصد الاجانب الذي يقيمون بشكل غير شرعي، وعموما يجب ألا ننسى أن لوبن ليس هو ممثل أكثر الجماعات تطرفا في فرنسا فهناك جماعات أخرى بعد يمينية أشد تطرفا مثل جماعة النازيون الجدد وحليقو الرؤوس وهذه الجماعات التى ارتكبت وترتكب الجرائم ضد الأجانب.