حفر الضحايا بأطرافهم المبتورة على أنقاض جنين: أمريكا هي الداء. انتظروا قليلاً، لم تبدأ الفجيعة بعد، انتظروا حتى إحصاء اعداد الشهداء لندرك هول ما جرى، انتظروا واستجمعوا قواكم للتحديق في عينيّ أم تتمعن في بقايا عظام وتسائل ربها ان يريح قلبها بارشادها ان كانت لطفلها. مجزرة أخرى؟.. ولم لا فهذا اللحم منذور لشرف منازلة النصال؟! صدقت نبوءة مظفر النواب: بعد كل قمة مذبحة اخرى. ولأن المطبلين والمزمرين تكاثروا كالخفافيش معلنين امريكا امبراطورية لا يشق لها غبار لم يعد الاجماع العربي ضروريا لواشنطن، باتت تكفي بصمات العواصم المؤثرة على مخططات الظلام. لكن الحق يقال ـ كما قيل في وسائل الاعلام ـ فإن ديك تشيني طمأن هذه العواصم بأن الرئيس ياسر عرفات لن يُمس. قرت العروش حتى وأن بقي عرفات بلا شعب مؤازر لهم. وفي هذا المجال لا يتسع القاموس لأكثر من كلمة. فلقد حفلت تقارير أوساط التقدير والقرار في واشنطن فور هجمات 11 سبتمبر بتقريع السياسة الامريكية القديمة في الشرق الاوسط، وكلها اجمعت على الخطأ الفادح الذي ارتكبته هذه السياسة عبر عقود الدعم المطلق لانظمة عربية لم تتقن سوى قمع شعوبها واضطهاد ما أفضى ـ بحسب التقديرات الامريكية ـ الى بروز جماعات متطرفة مدعومة برأي عام متخم بالحقد على واشنطن الداعمة والضامنة لديمومة هذه الانظمة. وعليه تنامت الدعوات الامريكية لفك التحالف مع أنظمة عربية والبحث عن «قوى مستنيرة» من الطبقة المتوسطة (حاملة المشروع الديمقراطي) وفي مقدمتها المثقفون لبلورة انظمة سياسية جديدة تتقن الحداثة وخداع الشعوب باكسسوارات التجديد بدل الهراوة. وهكذا اهتزت هذه الكراسي رعبا ووجهت جل سياساتها لاثبات براءتها أمام التهم الامريكية وتسابقت على التوقيع على بياض لواشنطن حتى ولو كان المراد دم جنين ونابلس. يا أيها القابضون على ناصية القرار العربي لكم في هوجو شافيز عبرة.. فاعتبروا. امريكا ليست الضامنة ولا الجدار الاستنادي. شعب فنزويلا اعاد رئيسه لقصره رغم أنف الادارة السوداء في البيت الابيض، توجهوا الى شعارات شعوبكم ونبضها فهي العزوة والسند، وهي التي تعجز أمامها القاذفات العملاقة. شكرا لعولمة الاعلام.. فالأعظم بات مكشوفا وليس بخافٍ على أحد. لم تشهد الولايات المتحدة إدارة لا تحمل في جعبتها سوى المراهقة السياسية كإدارة بوش ـ تشيني الجديدة، وهو ما جعلها طبعة لنفس اللوبي الصهيوني المغامر، وهو ما دفع آل جور مثلا للخروج على صمته والصراخ: ادارة بوش تبيع مستقبل أمريكا مقابل مكاسب شخصية. لقد اعتاد وزراء الخارجية الامريكيون على موالاة اللوبي الصهيوني حتى العظم منذ كيسنجر وحتى اولبرايت في حين الرئيس الامريكي ونائبه معتدلون ويعملون على كبح تطرف وزراء خارجيتهم. أما هذه الادارة فتقدم النقيض تماما: بوش وتشيني لديهما ميل غريزي لمساندة دولة الارهاب الاسرائيلي فيما باول يسعى جاهدا للاعتدال بين أروقة البيت الابيض المدججة بالأنياب الناهشة. خلال مهمته الاخيرة في فلسطين قال باول للسفاح شارون: أنتم تفقدوننا هيبتنا وقدرتنا على التأثير امام العرب. لكن بوش وتشيني وكوندوليزا رايس «التي عشق ساقيها شارون» كانوا جميعا يطلقون التصريحات الهادفة للجم حتى باول وهو ما دفع أعتى سفاحي بني صهيون لصفع قائد الدبلوماسية الامريكية باصراره على اقتحام مقر عرفات ومواصلة المجازر. ولم لا، مادامت هواتف البيت الابيض ترن تباعاً بالاذعان العربي. والحق يقال دوما: توسع الجرح الفلسطيني في الجسد العربي فانطلقت صرخة واحدة: هو ذا حلم الوحدة يقترب من الأفئدة. الدم الفلسطيني يئن في الشرايين جميعها من المحيط الى الخليج، بات العربي اينما كان مشروع استشهادي يبحث عن المجال. شكرا لشهداء فلسطين الذين اسقطوا بأرواحهم الطاهرة وقاحة الحدود وجوازات السفر الطارئة. على آلامهم توحدنا ومن أجلها بكى مذيعو نشرات الاخبار وتعانق الهادرون في الشوارع. لكن الحق ذاته لا يقبل المواربة: هل تستحق السفارات الاسرائيلية والامريكية قطرة دم واحدة تراق على مبعدة منها في العواصم العربية. مرة اخرى اخطأ رصاص الانظمة اتجاهه وغاص في حمية الشعوب وآمالها. وعاد ذات السؤال: هل هذه السفارات أقدس من الاقصى المستباح؟ الاوروبيون نطقوا بلسان عربي فصيح: بالروح بالدم نفديك يا فلسطين، حتى انهم اتقنوا لفظ «الحاء» واعتمار كوفية الثوار. تظاهروا امام سفارات امريكا واسرائيل، ابلغوهما موقفهم الرافض لعنصرية صهيونية تدعمها العنجهية الامريكية ثم عادوا لقوى المجتمع المدني تنظم غضبهم على شكل حملة في وسائل الاعلام وضغوط برلمانية تمخضت عن مقاطعة بلجيكية شبه كلية لدولة «العابرين في كلام عابر». ورغم العجز الرسمي الاوروبي رعباً من التفوق العسكري الامريكي الا ان هامش المناورة اتسع أمام قادة الاتحاد الاوروبي فيما الضغط الشعبي لابد سيؤثر في الحكومات. أين هي قوى المجتمع المدني العربي؟! لقد توارت الى مؤخرة حركة الجماهير بدل مقدمتها، الاحزاب والنقابات والجمعيات وغيرها انحشرت في خانة التواطؤ مع الانظمة واحجمت عن تنظيم حركة الشارع في انشطة وبرامج مثمرة تضمن ديمومة انتفاضته وتنقذها من الفورة المارقة. غير ان الموضوعية شرط اللحظة الراهنة والحساسة، ولابد من الاشارة الى دور الانظمة العربية في اضعاف بل وتحطيم قوى مجتمعاتها المدنية وتسليم حطامها الى موالين ما افرغها من مضمونها. ومن فضائل الانتفاضة الشاملة تعرية هذه الأطر المتواطئة. في مخيم جنين... ولن ننسى نابلس: 200 مقاتل مسلحون بعطاء الدم وبنادق خفيفة نابوا عن 300 مليون عربي في معركة المصير. نفدت الذخيرة فكان اللحم المفخخ.. هل يتخيل اي منا اضطرارهم لإطلاق الرصاص نحو اطفالهم المأسورين دروعا بشرية لمنع تقدم الغزاة؟! نفدت ذخيرتهم، ومخازن جيوشنا مكدسة برصاص لا ينطلق الا نحو المظاهرات املاً بانتزاع اعجاب شيمون بيريز. المجنزرات فرمت لحمهم والقمة العربية تتشبث بخيار السلام الاستراتيجي ونبذ الحرب. أشلاء الاطفال اختلطت بتراب الانقاض وجنرالات الجيوش العربية ينؤون بكميات هائلة من الاوسمة. أما آن لنا ان نتساءل: في أي موقعة استحق هؤلاء الجنرالات كل هذي الأوسمة؟! من بين ركامات المجازر تنهض يد شهيد لتخط وصيتها الاخيرة: إرحمونا من صمتكم! خالد أبو كريم